لامارتين شاعر الرومانسية(2)

2010/10/27

منتدى لغة فرنسيه

mon amour7
0 تعليق
لم يحظ شاعر أجنبي بما حظي به لامارتين في العالم العربي من ترحاب شعري وترجمة أو تعريب ومدائح. فمنذ الثلاثينات من القرن المنصرم انطلق الاحتفاء بهذا الشاعر الذي سمّاه العرب «أمير الشعراء الفرنسيين»، وكان الشاعر اللبناني الياس أبو شبكة أول مَن وضع كتاباً عنه حمل اسمه عنواناً وكان من أربع وتسعين صفحة وصدر في العام 1933. وكان الشاعر اللبناني ترجم له ديوان «جوسلين» (1926) وديوان «سقوط ملاك» (1927). وبعد بضع سنوات ترجم الكاتب المصري أحمد حسن الزيات كتابين للامارتين «رفائيل» و «جنفييف». لكن الظاهرة الفريدة التي تميّز بها لامارتين تمثلت في إنكباب الشعراء والكتّاب العرب على ترجمة قصيدته الرومنطيقية الشهيرة «البحيرة». فقد عرفت هذه القصيدة نحو عشرين ترجمة أو صيغة معرّبة، ويقال إن أحمد شوقي هو أول من ترجمها، لكن ترجمته ضاعت أو فقدت ولم يبقَ منها بيت واحد. لكن اختفاء هذه الترجمة يطرح سؤالاً: هل ترجمها شوقي حقاً؟ يسأل سليم سركيس أحمد شوقي مرّة في حوار أجراه معه: «هل ترجمت شيئاً من شعر الافرنج؟»، فيجيبه: «إنني أجلّ الترجمة واستعمّ فوائدها، لكنّ نفسي لا تميل الى التعريب، بل ميلي كله الى الخلق والانشاء». قد يُفهم من هذا الجواب أن شوقي لم يقدم علي أي تعريب وأن ترجمته «البحيرة» عمل لم يتم. ولكن بعيداً من هذا الأمر، نعمت قصيدة لامارتين «البحيرة» بخيرة الأقلام الشعرية تتفنّن في تعريبها و «خيانتها» جاعلة منها حافزاً لنظم قصيدة هي في آن واحد، وفية للأصل وخائنة إياه. ترجمة الشاعر المصري على محمود طه كانت من أولى الترجمات وأشهرها وقد نشرها في جريدة «السياسة» الأسبوعية (القاهرة) عام 1926. واستهلها بهذا البيت: «ليت شعري أهكذا نحن نمضي/ في عباب الى شواطئ غمضِ». ثم تلاه الشاعر المصري ابراهيم ناجي ونشر ترجمته في «السياسة» أيضاً عام 1926 واستهلها: «من شاطئ لشواطئ جدد/ يرمي بنا ليل من الأبد». وراح الشعراء يتبارون في تعريب هذه القصيدة التي غدت عربية من فرط ما أعمل المترجمون أقلامهم فيها بلاغة وبياناً وعروضاً. ومن الذين عرّبوها: عبدالعزيز السيد مطر، نقولا فياض، محمد أسعد دلاية، الياس عبدالله طعمة، فهد بن علي النفيسة، شحادة عبدالله اليازجي، أحمد حسن الزيات، عبدالعزيز صبري، محمد مهدي البصير، عبدالرزاق حميدة، أحمد أمين وزكي نجيب محمود، محمد غلاب، محمد غنيمي هلال، محمد مندور، محمد منير العجلاني، رجاء الشلبي... وقد جعل الشاعر اللبناني نقولا فياض ترجمته البديعة لهذه القصيدة في مستهل ديوانه «رفيف الاقحوان» (1950)، وكأنه آثرها على قصائده الشخصية. وقد عرّبت هذه القصيدة في صيغ عدة، موزونة ومقفاة، شعراً حراً وفق نظام التفعيلة ونثراً. أما قصيدة «الوحدة» أو «العزلة» وهي من قصائد لامارتين الشهيرة أيضاً، فشهدت سبع ترجمات عربية، وقصيدة «الخلود» ست ترجمات، و «الوادي الصغير» أربعاً و «المساء» ثلاثاً. هكذا حضر لامارتين بين الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي، وكأنه شاعر عربي. وبلغت الحماسة ببعض الشعراء والنقاد حداً دفعهم الى «تعريب» لامارتين نفسه. في العام 1935 كتب أحمد حسن الزيات مقالة في «الرسالة» عنوانها: «هل لامارتين عربي؟» وفيها بحث عن جذور «عربية» للشاعر الفرنسي. وردّه بعضهم لاحقاً الى بلدة «مارتين» السورية... واعتمد هؤلاء على جملة قالها لامارتين وهي: «ولدت شرقياً وأموت شرقياً». ليس المهم أن يكون لامارتين فرنسياً أو عربياً، المهم أن أثره كان بيناً في الجيل الرومنطيقي العربي الذي أعقب جيل أحمد شوقي وجميل صدقي الزهاوي وخليل مطران ومعروف الرصافي وسواهم من الشعراء «المقلدين المجددين». ها هو الياس أبو شبكة يكتب عن لامارتين وكأنه يتماهى به أو يرتكز عليه ليرسّخ نظرته الخاصة الى العمل الشعري فيقول: «لم يحدث لامارتين ثورة في الانشاء أو في الوزن والقافية، بل أحدث ثورة في المخيلات والقلوب». وكان أبو شبكة يرى أن الشعر هو ابن «دم القلب» وليس وليد الصنعة والكلفة. وتجلى أثر لامارتين أكثر ما تجلّى في شعر الرومنطيقيين العرب، خافتاً حيناً وصارخاً حيناً آخر. ولم يكن إقبال الشعراء على قراءة شعره وترجمته إلا تشبعاً منه ومن روحه الرومنطيقية وحنينه العميق ونزعته الصوفية التي تجلّت في ديوانه «تأملات شعرية» (1820) وقد ضم أجمل قصائده مثل: البحيرة، العزلة، الخريف، الغابة وسواها. وليس من المستغرب أن يلتمع أثر لامارتين في بعض قصائد الياس ابو شبكة، صلاح لبكي، علي محمود طه، أحمد زكي أبو شادي وسواهم من الشعراء الذين حققوا الثورة التجديدية في الشعر النهضوي. إلا أن الشعراء والنقاد الذين «عشقوا» لامارتين لم يلتفتوا الى النقد الذي وُجّه اليه وهو يشبه بعض الشبه ما وُجّه من نقد الى احمد شوقي. ويكفي أن يكون من أبرز نقاد لامارتين مثلاً سانت بوف الذي كان ناقد المرحلة، وستاندال، وفلوبير الذي قال: «لا، ليس لديّ أي انجذاب الى هذا الكاتب... إنه عقل مخصيّ».
أما السؤال الذي يطرح بألحاح فهو: كيف نقرأ اليوم هذين الشاعرين، أحمد شوقي و... لامارتين؟ تحياااتي