الأسلوب الصهيوني للديمقراطية الاشتراكية

2007/10/07

الأسلوب الصهيوني للديمقراطية الاشتراكية

أولاً الطابع الخاص لنظام الديمقراطية الاشتراكية في إسرائيل :
يعود نظام الديمقراطية الاشتراكية إلى الأحزاب الأوروبية الاشتراكية التي تؤمن بإحداث التغيير في اتجاه النظام الاشتراكي عن طريق الديمقراطية البرلمانية لا عن طريق العنف الثوري ، وقد تجسد بعد الحرب العالمية الثانية في بلاد أوروبية نظام الديمقراطية الاشتراكية التعاونية ، وهو نظام يقوم على أسس عامة ، سنذكرها ونرى مدى تطابقها على إسرائيل :
1. تتألف الحكومة من تحالف أحزاب اشتراكية على علاقة عضوية بنقابات العمل من ناحية ، ومتحالفة مع أحزاب صغيرة أخرى من ناحية أخرى ، وبذلك يتم ضمان الحصول على أصوات كافية للاستمرار في الحكم وبشكل فيه للطبقة العاملة وجود رئيسي .
بالنسبة لإسرائيل ينطبق هذا الأساس ، إذ أن وجود حزب المباي وأحزاب اشتراكية أخرى على علاقة عضوية بالهستدروت وقادرة على الدخول في تحالفات مع أحزاب دينية صغيرة بحكم انضواء الجميع تحت لواء الأيديولوجية الصهيونية ، مما قدم لإسرائيل إمكانية وجود حكومة بقيادة حزب عمالي يساري .
2. إن حكم الأحزاب الاشتراكية العمالية لا يقوم على تكثيف حدة الصراع الطبقي وإنما على العكس من ذلك يقود إلى تعاون طبقي أو ما عرف بالمساومة التاريخية بين التنظيمات العمالية وأصحاب رأس المال ، أي أن نظام الديمقراطية الاشتراكية التعاونية يقوم على أساس التعاون بين التنظيمات العمالية والمؤسسات الرأسمالية .
في الأعوام الأولى من قيام الدولة كان الوضع في إسرائيل ملائم لهذا الأساس ، ذلك أن شرعية النظام لم تنجم عن إدراك العمال ورأس المال أن لهما مصالح مشتركة كما هو الوضع في أنظمة الديمقراطيات الاشتراكية الأوروبية وحسب ، فالشرعية في إسرائيل أتت أيضاً من أيديولوجيا قومية تفرض على العمل ورأس المال العمل معاً من أجل أهداف قومية .
3. قدرة الدولة على الاحتفاظ باستقلالية دينامية تؤهلها لأن تقود عملية التراكم الرأسمالي وتوزيع الدخل القومي بشكل يضمن بقاء التعايش بين العمل ورأس المال في إطار المصلحة القومية الأخرى .
لقد كانت الأوضاع الإسرائيلية الخاصة ملائمة لهذا الأساس بشكل لم يتوفر في التجارب الديمقراطية الاشتراكية الأوروبية الأخرى ، فمن ناحية عامة كان لوضع الدولة في إسرائيل بعد إضافي مهم إضافة لدورها في التوحيد والإشراف على التعايش بين العمل ورأس المال .

ومن ناحية خاصة فقد دعم دور الدولة وقوي نتيجة ظروف موضوعية مهمة كان من أهمها العوامل الثلاثة التالية :
1. الحصول على موارد اقتصادية خارجية بصورة دائمة ومتزايدة .
2. اعتماد النمو على مشاريع البنية التحتية الكبيرة والصناعات التقليدية .
3. وجود بيروقراطية عقلانية ذات علاقة عضوية بالاقتصاد وتتمتع بالاستقلال .

وقد تمتعت الدولة بهذا الإطار بصفتين مهمتين يطلق عليها الباحثون في الاقتصاد السياسي اسم الاستقلالية الموحدة :
أ‌. أن أفراده مختارون من مختلف المجالات الاقتصادية كالزراعة والصناعة ، وقد عملوا فيها وحققوا النجاحات .
ب‌. أن أفراده يتمتعون باستقلالية عن مصالح أصحاب تلك القطاعات .

نجاحات نظام الديمقراطية الاشتراكية في إسرائيل :
أ‌. عدد السكان ازداد أربعة أضعاف عما كان عليه قبل قيام الدولة .
ب‌. الناتج الإجمالي ازداد بمعدل 9% سنوياً .
ت‌. دخل الفرد ازداد بمعدل 4.5% سنوياً .
ث‌. التطور والانتقال إلى مجتمع صناعي ذي قدرة تكنولوجية عالية .
ج‌. بناء أنظمة متقدمة وفعالة في مجالات الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي .
ح‌. بناء جيش عصري متطور وقادر على استعمال أحدث الأسلحة التي تتطلب ثقافة تكنولوجية وعلمية عالية .

إخفاقات نظام الديمقراطية الاشتراكية في إسرائيل :
على صعيد الاقتصاد الجزئي تجلت في كثير من المجالات الاقتصادية كضعف الإنتاج واضطراب في التوزيع.

أزمة نظام الديمقراطية الاشتراكية التعاوني:
إن أزمة نظام الديمقراطية الاشتراكية عبرت عن نفسها بارتفاع مستمر وسريع للأسعار حتى أنه في منتصف الثمانينات وصلت تلك الأزمة لحدود خطرة هددت بانهيار مجمل النظام المالي ، وقد كان ذلك نتيجة فقدان الدولة في إسرائيل صفة الاستقلالية الموطدة نتيجة لعدة عوامل منها :
1. سيل الموارد الخارجية استمر وبازدياد ومع ذلك فإن دور تلك الموارد في دعم دور الدولة الاقتصادي تغير لغير مصلحة الدولة ، فبعد حرب 1967 أخذت كميات كبيرة من الموارد الخارجية تذهب للإنفاق العسكري الذي ارتفع حجمه بصورة كبيرة بعد الحرب مباشرة ، وقد أحدث هذا الارتفاع الكبير في حجم الإنفاق العسكري تأثيراً مهماً إذ أنه أخذ من حصة الموارد الخارجية التي تذهب للدولة وتنفقها على النشاط الاقتصادي ، وبالتالي قلص قدرة الدولة على التأثير المباشر في الاقتصاد ، ومن ناحية أخرى بدأت تنهض في إسرائيل صناعة حربية متطورة لها علاقة عضوية بصناعات معينة فيما عرف بالمجمع العسكري – الصناعي ، الذي أثبت قدرته على انتهاج سلوك مستقل عن الدولة وغير تابع لهيمنة الأحزاب العمالية والهستدروت .
2. المشاريع الكبيرة كانت مع بداية السبعينات قد انتهى معظمها وتوقف تأثيرها في أن تكون المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي .
3. طرأ تغيير كبير على البنية الداخلية لبيروقراطية الحكومة التي كانت قارة على التحكم بصفة الاستقلالية الموطدة ، هذا التغير غير من سلوكياتها ومن تضامنها الداخلي إذ نشأت قيادات جديدة للهستدروت متشربة بقيم وطموحات الطبقة الوسطى وبعيدة عن الثقافة الاشتراكية التعاونية التي صبغت الجيل السابق من قيادات النقابات العمالية ، وفي الوقت نفسه نشأت قيادات سياسة جديدة في إطار الصهيونية التصحيحية والأحزاب اليمينية وذات أفق سياسي مختلف جذرياً عن الأفق السياسي الذي صبغ البيروقراطية الإِسرائيلية في العقدين الأولين من نشأة الدولة وتعاظم نفوذ هذه القيادات الجديدة حتى أنها شكلت بديلاً مقبولاً لقيادات الأحزاب العمالية ، وبعد عام 1977 ألف تجمع الليكود اليميني الحكومة الإسرائيلية وأصبحت بيروقراطية الحكومة تعتمد إلى حد بعيد على سياسات الوزارات المتعددة وفقدت تماسكها وتضامنها .