مفهوم الرقابة الإدارية

2007/10/12
ومن مقومات نحاج القائد التربوي قدرته على متابعة سير العمل بالمدرسة فهو منوط به أن يحاسب نفسه في المقام الأول عن أعماله التي يقوم بها من منطلق مسئولياته . وهو يمثل بذلك قدوة حسنة لمرؤوسيه في تنمية جانب الرقابة في تنمية جانب الرقابة الذاتية لديهم . من ناحية أخرى فإن القائد التربوي عليه مسئولياته رقابة مرؤوسيه من المعلمين والعاملين والطلاب بغرض تقويم سلوكهم وتوجيههم إلى ما يحقق أهداف المدرسة . يضاف إلى هذه الرقابة الخارجية ، متابعة مستمرة لمدى استجابة الأفراد المرؤوسين لتوجيهات رئيس العمل .

المقصود بالرقابة : يقصد بالرقابة في اللغة كم جاء في مسعود ( 1401 هـ ) : )) الرقيب : الحارس والحافظ ورقيب نفسه : أي يتبع طريقه النقد الذاتي فينفذ أعماله بنفسه فلا يلام )) الجزء الأول ، ص 747 .
ويقصد بها اصطلاحاً ما ذكره المنيف ( 1400 هـ ) : (( الرقابة تعني الضبط في أوسع معانيه ، وفي المفهوم الإداري يقصد لها التأكد من مدى تحقيق النشاط الإداري للأهداف المقرره ، أي التحقيق من أن ما يتم إنجازه مطابق لما تقرر في الخطة الموضوعية )) ، ص 158 . وفي تعريف آخر لمحيي الدين الأزهري ( 1399 هـ ) : (( الرقابة في أي مشروع تشتمل على الكشف عما إذا كان كل شيء يتم ، ويتم وفقاً للخطط الموضوعية والتعليمات الصادرة والمبادئ السارية وهي تهدف إلى الوقوف على نواحي الضعف والأخطاء ومن ثم العمل على علاجها ومنع تكرارها وهي تكون على كل شيء سواء أعمال أو أشياء أو أفراد أو مواقع )) ص 217 .
مفهوم الرقابة مصطلح ذو شقين : رقابة ذاتية تنبع من داخل الفرد على نفسه فهو رقيب على سلوكه وأعماله . ورقابة خارجية تتمثل قي قدرة الفرد على متابعة وملاحظة الآخرين من مرؤوسيه بغرض توجيه أدائهم إلى السلوك الأفضل المرجو منهم . وباختصار فإن المقصود بالرقابة هي عملية التأكد من سير العمل نحو تحقيق الهدف المرسوم .

أدلة من القرآن الكريم على الرقابة :
1 ــ لقد حرص الإسلام على تنمية الرقابة الذاتية ومحاسبة النفس باستمرار وأكد القرآن الكريم هذه المعنى في مثل قوله تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام أن الله كان عليكم رقيباً ) سورة النساء آية 1 . يقول البقري ( 1407 هـ ) في هذه الآية : (( ونتأمل ( واتقوا الله الذي تسآءلون به ) أي وأنتم يسأل بعضكم بعضاً أداء الحاجات ، فالتقوى ملازمة للعمل ، وارقابة في أثناء هذا الأداء )) ص 144 .
2 ــ قال تعالى : ( وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) سورة التوبة آية 105 . يفسرها القرطبي ( ت 671 هـ ) : ( وقل اعملوا ) خطاب للجميع . ( فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) أي باطلاعه إياهم على أعمالكم . وفي الخبر : (( لو أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائناً من كان )) .. )) ( جـ 8 ، ص 160 ) . 3 ــ وقوله تعالى : ( ما يلفظُ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد ) سورة ق آية 18 . وفي تفسيرها يقول القرطبي ( ت 671 هـ ) : (( أي ما يتكلم بشيء إلا كتب عليه مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم .

وفي الرقيب ثلاثة أوجه : أحدها أنه المتبع للأمور الثاني أنه الحافظ ، قاله السدي ، الثالث أنه الشاهد ، قاله الضحاك )) ، ( جـ 17 ، ص 9 ) .
ويستدل من الآيات الكريمة سالفة الذكر حرص الإسلام على تحقيق الرقابة بصفة عامة ، ورقابة الذات ومحاسبة النفس على وجه الخصوص ، ذلك أن الله تعالى هو الرقيب الأعلى على سلوك العباد ، ثم يأتي دور العبد فهو رقيب على نقسه ثم يأتي دور الآخرين الذين حددتهم الآية الكريمة (( بالمؤمنين )) الذين عليهم مسئولية مراقبة الآخرين وهدايتهم إلى الطريق المستقيم .

أدلة من السنة النبوية الشريفة على الرقابة :
1 ــ عـن أبي ذر ومـعـاذ بن جـبل رضـي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن )) رواه الترمذي ، ( جامع الأصول ، جـ 11، ص 694) .

2ــ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كيفه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الأيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن إمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان قال ثم انطلق فلبثت ملياً ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم )) رواه مسلم ، ( جـ 1 ، ص 157 ، ص 160) .

3ــ عن أبي برزة الاسلمي رضي الله عنه قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه ما عمل به ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ؟ وعن جسمه فيما أبلاه ؟ )) رواه الترمذي ( جامع الأصول ، جـ 10، ص 436) . وهذا الحديث الشريف يمني عنصر الرقابة الذاتية في جميع أمور الأفراد .

4ــ عن ابن عباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال : يا غلام ، إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فأسأل الله ، وإذا استعنت فأستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف )) رواه الترمذي ، ( جـ 7 ، ص 219) . وينتهج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم منهجه الشريف الذي يتفق وهدي القرآن الكريم في تأكيد أهمية الرقابة للإنسان المسلم سواء منها رقابة الفرد لذاته أو رقابته للآخرين من رعيته . تطبيق مفهوم الرقابة في صدر الإسلام : 1ــ عن عروة عن أبي حميد الساعدي قال استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأسد يقال له ابن اللتبية قال عمرو وابن أبي عمر على الصدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا لي أهدى لي قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال ما بال عامل أبعثه فيقول لكم وهذا أهدي لي أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتى إبطيه ثم قال اللهم هل بلغت مرتين )) رواه مسلم ، ( جـ 12، ص 218) . كان عمر بن الخطاب يرحمه الله حريصاً على متابعة عماله في إنجاز أعمالهم ومعاملتهم ارعيتهم في شتى الأمور . وقد ذكر ابن الجوزي ( ت 597هـ ) ـ في تاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ : (( عن الأحنف بن قيس قال : قدمت على عمر بن الخطاب فاحتبسني عنده حولاً ، فقال : يا أحنف ، إني قد بلوتك فرأيت علانيتك حسنة ، وأنا أرجو أن تكون سريرتك على مثل علانيتك . وإنا كنا لنتحدث إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم )) ، ص 139. يقول أبو سن ( 1404 هـ ) عن عمر بن الخطاب : (( فقد كان يقول لأصحابه : أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت ما على ؟ قالوا : نعم ، قال لا ، حتى انظر في عمله ، أعمل بما أمرته أم لا )) ص 123 . ومن كتاب عثمان بن عفان إلى أهل الأمصار والذي أورده عبد الرحمن الضحيان ( 1411هـ) : (( كتب عثمان إلى أهل الأمصار : (( أما بعد فإني أخذ العمال لموافاتي في كل موسم ، وقد سلطت الأمة منذ وليت ، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يرفع على شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته ، وليس لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم )) ، ص 291. أنواع الرقابة الذاتية : 1 ـ الرقابة الذاتية : وهى يقصد بها رقابة الموظف على نفسه وتخلق هذه الرقابة متى ما وجدت التقوى ومراقبة الله في السر والعلن ، فتواه يجب أن تجعله يؤمن بأن الله لا يعزب عن علمه شيء بل يعلم السر وما أخفى ، ويعلم ما تحيه الصدور . وهي أفضل أنواع الرقابة وهي التي يجب على القائد التربوي تنميتها في قلوب مرؤوسيه ولا يكون ذلك إلا إذا حقق ذلك في نفسه وذلك في مراقبة الله في السر والعلن وأن يكون قدوة حسنة في ذلك لجميع العاملين معه ، ومتى ما تحقق ذلك للرئيس فإن رقابة العمل تصبح من أسهل الأمور لديه ، حيث يسير العمل سيراً حسناً في وجوده وغير وجوده حيث يشعر الجميع برقابة الله عليهم وبرقابتهم على أنفسهم .

2ـ الرقابة الخارجية : ويقصد بها رقابة الرئيس على مرؤوسيه في العمل داخل المؤسسة التربوية وهي تهدف إلى التحقق من أن الأعمال تسير وفق ما رسم لها في المدرسة فهي عملية متابعة مستمرة من جانب مدير المدرسة على المعلمين والعاملين وطلاب المدرسة بغرض توجيه سلوكياتهم إلى ما يحقق أهداف المدرسة . والرقابة الخارجية من جانب رئيس العمل لمرؤوسيه تمثل أحد وظائف الإدارة الرئيسية ـ وهي بذلك عنصر هام لا يقلل من شأنه أهمية الرقابة الذاتية للأفراد والتي تنبع من داخلهم بواعز من ضميرهم وخشيتهم من الله سبحانه وتعالى . حيث لا تكتمل الإدارة دون توفر رقابة خارجية باعتبارها (( آلية )) رئيسية من آليات الجهاز الإداري ، فحيث يهتم رجل الإدارة الحديثة بتنمية الرقابة الذاتية الداخلية لدى الأفراد ، عليه أيضاً واجب الاهتمام بتوفير الرقابة الخارجية ذات الفعالية والكفاءة العالية لضمان تحقيق المؤسسة لأهدافها المحددة . وهناك رقابة خارجية أيضاً على جميع أنشطة وأفراد وممتلكات المدرسة من قبل إدارة التعليم المشرفة على المدرسة بجميع موجهيها وتهدف إلى التأكد أيضاً من سير العمل نحو تحقيق الهدف وتصحيح الأخطاء المرتكبة والتي لا تساهم في الوصول إلى الهدف وكذلك إلى الضبط الإداري والمالي للمدرسة .

أهمية الرقابة للإدارة التربوية :
تتركز أهمية الرقابة للإدارة المدرسية حول التأكد من سير العمل نحو ما تم التخطيط له مسبقاً لتحقيق الأهداف المرسومة ، كما أن هذا المفهوم يساعد على تقليل الخسائر وذلك باكتشاف نقاط التقصير قبل تفاقمها ومحاولة علاج هذا القصور مما يساعد على تعديل الانحرافات في العمل المدرسي ، واستشعار العاملين فيها بمخافة الله ومحاسبة النفس باستمرار والمدير الناجح من يطبق مفهوم الرقابة لاكتشاف الأخطاء وتعديلها وليس لاصطياد الأخطاء لفرض العقوبات وإصدارها .

تطبيق مفهوم الرقابة :
تتحقق الرقابة في سلوك مدير المدرسة كما يراها الباحث على النحو التالي :
أولاً : الرقابة الذاتية :
1ـ الحرص على تعزيز مخافة الله تعالى في قلوب العاملين وذلك بتذكيرهم بالله سبحانه وتعالى وأنه مطلع على جميع أعمال الخلائق في كل مكان وفي كل زمان .

2ـ إتاحة الفرصة لجميع العاملين في تقويم أنفسهم ذاتياً وذلك عن طريق تصميم نموذج تقويم ذاتي يقوم كل معلم بتعبئته بنفسه ووضع درجات على ذلك .

3ـ أن يكون قدوة حسنه لهم في مخافة الله في كل أعماله .

4ـ أن يسمح للعاملين لديه في المدرسة بتقويمه شخصياً حتى يمكن أن يكتشف ويتعرف على عيوبه وكذلك ينمي فيهم التقويم الذاتي وتقبل النصح والإرشاد .


ثانياً : الرقابة الخارجية :
1ـ الاطلاع على أعمال المعلمين باستمرار وتدوين ملاحظاته في سجل متابعة خاص بذلك حيث يتم الإشارة إلى الملاحظات التي ينبغي متابعتها من جانب مدير المدرسة ( التحضير ، الواجبات المنزلية ــ تصحيح الاختبارات ــ أعمال الأنشطة اللاصفية ... الخ ) .

2ـ الإطلاع على أعمال العاملين من الهيئة الإدارية المعاونة من غير المعلمين ( كاتب ، مرشد ، أمناء المكتبة والمختبرات ، مراقب ) وفق خطة مرسومة للمتابعة خلال الفصل الدراسي .

3ـ الإطلاع على أعمال (( المستخدمين )) من العاملين من الفئة الدنيا ( مستوى النظافة المدرسية والمقصف المدرسي ) .

4ـ الإطلاع على أعمال طلاب المدرسة من دفاتر الواجبات المدرسية ودرجاتهم في الاختبارات الشهرية ونهاية الفصل الدراسي مع الحرص على متابعة مستوياتهم العلمية في أثناء الدراسة ومعرفة ما يعترضهم من مشكلات تعيق تحصيلهم الدراسي .

5ـ إيضاح جوانب التقصير في حينه لجميع العاملين بالمدرسة ووضع الحلول اللازمة لعلاجها ومتابعة تنفيذ هذه الحلول .

6ـ زيارة المعلمين داخل الفصول الدراسية يا حبذا لو كان ذلك أكثر من مرة تكون الأولى معلنة وبعد ذلك بدون إعلان مع التركيز على المعلم المستجد حتى يمكن الأخذ بيده لتطوير أدائه .

7ـ وضع خطة لبرنامج تبادل الزيارات بين المعلمين حتى يمكن تناقل الخبرات بينهم .

8ـ توزيع الإشراف المدرسي على جميع العاملين بالمدرسة وفق جدول زمني عادل مراعياً فيه الحالات الصحية للعاملين معه .

9ـ تكليف الطلاب بالقيام بمهام المراقبة لأقرانهم من الطلاب في الامتثال للنظام المدرسي وإبلاغ المشرفين عن الطلاب المخالفين حتى يتم انضباط النظام المدرسي بالشكل المطلوب .

10ـ إعداد تقارير في نهاية كل فصل دراسي عن أداء العاملين ومناقشتهم في صورة جماعية أو انفرادي كل على حده لتوضيح جوانب الإيجابية والسلبية في العمل ومقارنه ذلك التقرير الذاتي للمعلم .

11ـ مشاركة الموجه في إعداد تقرير تقويم المعلم السنوي .

12ـ تسجيل ملاحظات الموجه التربوي للعمل على متابعتها ووضع الحلول اللازمة معه لعلاجها.

13ـ زيارة المعلم مع الموجه التربوي للوقوف سوياً على جوانب القوة والضعف لدى المعلم .