كبار أعلام الصوفية

2008/03/21
ahmed1981
2008/03/21
ثانى و عشرون: الإمام بهاء الدين نقشبند

حياة الشيخ بهاء الدين النقشبند

هو الشيخ بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد المشهور بالنقشبند والملقب(بمحمد البخاري) ولد قدس سره في شهر محرم الحرام سنة سبع عشرة وسبعمائة هجري في قرية قصر هندوان التي سميت فيما بعد (بقصر عارفان) من قرى بخارى على فرسخ منها، وفي بعض المصادر ذكر انه سيد حسيني وجده الأكبر محمد جلال الدين، وهو مريد خواجه محمد بابا السماسي وهو شيخ طريقة خواجكان، وقد اشرنا إلى أن هذه الطريقة كانت تسمى طريقة خواجكان، توفي الخواجه محمد بابا السماسي في (755) هـ.

وقد حل السماسي مع عدد من مريديه ضيفا" في قرية قصر هندوان وهي قرية محمد بهاء الدين ولم يمض ثلاثة أيام في عمر محمد بهاء الدين الطفل فاحتضنه جده وقدمه للسماسي الشيخ، ففرح به وقال إني قبلت هذا الطفل ولدا لي، وبشر مريديه بان هذا المولود سيكون إماما لزمانه ، كان جده يريد تربيته تربية صوفية فزوجه وعمره 18 سنة وأخذه في نفس السنة إلى سماس لخدمة العارف الكبير الشيخ محمد السماسي.

وتلقى الطريقة منه وبعد وفاة الشيخ السماسي في 755 هـ أخذه وذهبا إلى سمرقند للبحث عن رجل صالح قادر على تربيته ثم ذهبا إلى السيد أمير كلال خليفة الشيخ السماسي فاخذ الطريقة منه وبدأ بالسلوك وقال أمير كولال له: إن حضرة الشيخ محمد السماسي أوصاه به وقال له لا تأل جهدا بتربية ولدي محمد بهاء الدين ولا بالشفقة عليه. فبدأ بهاء الدين بالذكر والفكر والسلوك الصوفي، وتربية القلب وتزكية النفس.

و كان استعداده فوق العادة فكان يقطع مسافة شهر بيوم واحد و مسافة عام بأيام، ففي يوم من الأيام جمع السيد أمير كولال مريديه وقال لمحمد بهاء الدين أمامهم: إني نفذت وصية مرشدي الخواجه السماسي بتربيتك و لم آل جهدا في تربيتك ثم مد يده إلى صدره وقال: إني أرضعتك جميع ما في صدري فيبس ثديي فتمكنت من إخراج قلبك من قشرة البشرية وتخليصك من النفس والشيطان وأصبحت رجلا عظيما وأنبتك محل نفسي ولكن همتك تتطلب العالي وهذا منتهى مقدرتي على تربيتك وأجيزك لتبحث عن رجل أصلح مني لعله يعرج بك إلى مقام أعلى.

وقد ذكرت سابقا إن بعضاً من المريدين يتقدمون على مشايخهم كالشيخ النقشبند مع مرشده و هو السيد أمير كولال. وبعد أن ترك السيد أمير كولال وقضى سبع سنوات مع مولانا عارف الديك كراني وهو احد خلفاء كولال وصاحبه وقفى 12 سنة مع شيخ تركي اسمه (خليل آتا) فكان عاشقا للعبودية والسلوك. وكان بهاء الدين بالإضافة إلى السلوك يتنقل بين علماء الشرع ولا سيما السنة النبوية لدراستها.

وقد حج مرتين وفي إحدى سفراته ذهب إلى (هرات) فاحترمه الملك معز الدين وكانت له أسفار عديدة فسافر إلى سمرقند وريورتون وسمنان ومرو، وطوس ومشهد وتايباد وقزل رباط وكيش.

توفي الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وعمره أربع وسبعون سنة ودفن في بستانه في الموضع الذي أمر به وبنا عليه أتباعه قبة عظيمة لا تزال تزار.

وقد ربى عشرات الألوف من المريدين وقد وصل بعضهم درجة الإجازة المطلقة وقد اجتازوا درجات البقاء بعد الفناء.
وبفيض بركاته تمكن خلفاؤه ونوابه إبلاغ مريديهم إلى غاياتهم وأحدهم هو واجه محمد بارسا الذي ولد في بخارى 749 وتوفي في بلخ 148هـ فقد ترك عشرين مؤلفا منها كتاب " القدسية " وهو كتاب يضم أقوال الشيخ النقشبند.

وخلفه ابنه أبو النصر بارسا و هو من كبار مشايخ النقشبندية. ومن عظماء الطريقة النقشبندية الذين تصل إليهم سلسلتنا الشيخ محمد بن محمد المشهور بعلاء الدين العطار فقد ربى مئات من المريدين وابلغهم إلى قمم الغايات.

وفي كتاب الحدائق الوردية عشرات من أسماء مريديه وأخبار عشرات من خلفائه، وجاء فيها: وله خلفاء كنجوم السماء. وفي كتاب "القدسية" المطبوع والمحقق من قبل السيد احمد طاهر العراقي إشارة إلى المراجع المخطوطة للنقشبندية وهو مزين بصورة ضريح النقشبند الذي يقول المستشرق الدانيماركي الوفسين وكان في بخارى في أعوام 1896 ـ 1899: إن ضريح بهاء الدين هو في ركن من بستان مليء بأشجار كثيرة من التوت والمشمش وجانباه جامع ويزار.

وقال ارمينوس وهو أيضا في القرن التاسع عشر، ومستشرق مجري: يتوافد على ضريحه على الدوام خلق كثير، حتى من الصين ومن عادة أهل بخارى أنهم يزورونه يوم الأربعاء ومنهم من يظل يصلى الليل كله في جامعه وان جانب المرقد مسجد وخانقاه.

جاء في كتاب الحدائق الوردية و(الأنوار القدسية) وهي نفس الحدائق: عندما توفي بهاء الدين دفن في بستان له وبنيت قبة و جامع في جانبه وقف الملوك والعظماء كثيرا من الأملاك عليها.

قال كاتب و محقق القدسية: لبهاء الدين النقشبند عدا الرسالة القدسية، رسائل أخرى توجد في مكتبات العالم كالأوراد البهية ، والورد الصغير، ولأوراد البهائية وهي مشروحة وكذلك رسالة الواردات وتوجد نسخة منها في ايا صوفيا وكذلك كتاب "دليل العاشقين" ورسالة الحياة و هي نصائح.

كلمة النقشبند: تساءل كثيرون عن معنى هذه الكلمة و هي نقشبند و ليست "نقشبندي" وهي كلمة فارسية معناها "الناقش" كالمصور ويستعمل للحفر في الحجر والشجر يقال "النقاش" لمن صور باليد، وكلمة النقش عربية ويقال "العلم في الصغر كالنقش في الحجر".

وقيل إن أجداده كانوا نقاشين وهو غير صحيح فلو كان ذلك صحيحا لكان اسم بهاء الدين نقشبنديا و ليس بنقشبند.
وانه شخصيا طول حياته لم يسلك عملا غير السلوك الصوفي. فالمعنى متوجه إلى المعنويات أي كان بهاء الدين نقاش القلوب و قد رسخ نقش "لله" في قلبه و قلوب مريديه ونهجه كما هو واضح، عمل للمذكور ليكون في قلبه.
يقول الشاعر النقشبندي: يا رفيقاً في طريق النقشبند إنقش ذكر الحق في قلبك بجد.

وقال بعضهم: النقشبند قرية في (بخارا) وبهاء الدين من سكانها وهو غير صحيح إذ لا توجد قرية بهذا الاسم وإن حياته معروفة وواضحة ولو كانت هنالك قرية بهذا الاسم لقيل النقشبندي لا النقشبند.

والحقيقة هي أنه روج الذكر الخفي من أجل دوام المذكور في القلب ونقشه في الباطن. ومن أسمائه: محمد بهاء الدين الأويسي البخارى وهو يوضح انه من"البخارى" ولكن ما معنى الأويسي؟ يقول مؤلف كتاب "تاريخ التصوف في كردستان" نقلا عن كتاب "تاريخ السليمانية" لامين زكي، سمي أويسياً لأن خُلُقِه في التصوف هو خُلُق الأويس القُرني لذلك سمي أويسياً.

والحقيقة أن المشايخ الذين توصلوا عن طريق المشايخ المتوفين أو المشايخ الذين لم يلتقوا بهم جسديا وتربوا على أيديهم معنويا وليس جسديا يسمون بـ "الأويسي" فكما أن سيدنا أويس القرني حرم من نعمة اللقاء بالرسول صلى الله عليه وسلم وحظا بروحانيته وبركاته.

وهكذا يمكن أن يستفيد المشايخ من مشايخ توفوا أو لم يلتقوا بهم وهم أحياء.

وحيث أن النقشبند قد تلقى التربية الروحية كما قال في وصف رحلته الروحية، من روحانية الخواجه عبد الخالق الغجدواني، وكان أمير كولال قد اعترف بأنه قد أوصله إلى مقام معين قدر طاقته، و قد رفعته روحانية الشيخ الغجدواني المتوفى قبل بهاء الدين بسنين طويلة إلى هذا المقام الكبير، فهو على هذا الأساس أويسي المشرب لذلك يقال له "بهاء الدين الأويسي".
ولذلك أيضا يقال أن سلسلة بهاء الدين النقشبند تصل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد عشرة من المشايخ ويقع أمير كولال، والسماسي، وعلى رامتيني ومحمود إنجير فغنوي وعارف ريوكري بين بهاء الدين "الغجدواني" فما دامت روحانية الغجدواني هي التي ربت بهاء الدين النقشبند فيعتبر مرشدا له. وهذا المقام الأويسي لم يكن خاصا به بل كذلك الشيخ حسن الخرقاني ومن المشهور أن روحانية البسطامي ربت الشيخ حسن المتوفى في 425 هـ وتوفي بايزيد في 261 هـ كما انه من المشهور أن البسطامي من تربية الإمام جعفر الصادق المتوفى في(148) هـ.

ويقول البعض: يوجد شخصان باسم بايزيد احد هما عاش في زمن الإمام جعفر وأقصد بذلك توضيح معنى "الأويس" وإلا فان هؤلاء المشايخ الكبار قصدوا الله سبحانه وهو حاضر في كل مكان وهادي عبده "واتقوا الله ويعلمكم الله".

ومن كان له مرشد كبير مثل أمير كولال وقال إني أعطيتك كل ما أملك وأخرجتك من القالب البشري، وهذه إشارة إلى مقام البقاء بعد الفناء، فإنه يستطيع بعد ذلك شق طريقه والله سبحانه قادر على أن يأمر روحانية رجل صالح لتربية الآخرين.
ومن كبار المشايخ الذين أوصلهم النقشبند، الخواجه يعقوب الجرخي المتوفى في سنة852 وهو واحد من فرسان طريق الهداية والإرشاد وأوصل مئات من السالكين إلى غاياتهم.

وان أقوال بهاء الدين النقشبند في الإشارات وأسرار الطريقة وفي الإرشاد تكفي لتوضيح هذه الميادين الصوفية ومن أراد الإطلاع على الطريقة النقشبندية وكبار مشايخها فعليه مطالعة هذه الكتب:

1 ـ القدسية، وهي كلمات بهاء الدين النقشبند، نشرها السيد احمد طاهر العراقي باللغة الفارسية وفيها إشارة إلى مراجع أخرى كثيرة.
2 ـ رسائل أخرى للشيخ بهاء الدين النقشبند.
3 ـ مكتوبات الإمام الرباني وهو كتاب عظيم.
4 ـ نفحات الأنس للملا جامي.
5 ـ رشحات عين الحياة فخر الدين على كاشفي.
6 ـ أنيس الطالبين وعدة السالكين.
7 ـ الحديقة الندية في آداب الطريقة النقشبندية محمد بن سليمان البغدادي / مطبوعة في مصر.
8 ـ حبيب السير.
9 ـ مناهج السير لأبي الحسن المجددي طبع 1957 في دلهي.
10 ـ المواهب السرمدية في مناقب النقشبندية.
11 ـ تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب. للشيخ محمد أمين الكردي.
12 ـ الحدائق الوردية في اجلاء النقشبندية. عبد المجيد الخاني.
13 ـ الأنوار القدسية من مناقب السادة النقشبندية محمد الرخوي وهو نفس كتاب الحدائق.
14 ـ أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد.
15 ـ رياض المشتاقين لملا حامد البيساراني خليفة الشيخ عثمان سراج الدين النقشبندي مخطوطة.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



ما هي الطريقة النقشبندية


مقدمة:

الطريقة مسلك خاص من مناهج التصوف يتخذه السالك للوصول إلى غاية هي الإيمان الكامل الذي يصل إلى عين اليقين أو حق اليقين. وهنا لا يكون الإيمان تقليديا أو استدلاليا يمكن تعرضه لهزة الشك إذ يرى بعين بصيرته فلا يؤثر فيه شيء وكما قال الإمام الرباني في مكتوباته إن الفرق بين إيمان العلماء وبين إيمان المشايخ الكاملين للتصوف هو أن معرفة العلماء بالاستدلال وأن معرفة المتصوفين بالكشف والذوق وسواء كان الأساس استدلالات أو كشفا فإن الغاية هي تطبيق الشريعة المحمدية.

وكما أننا نجد في ميادين علوم الشريعة مجتهدين كباراً برزوا وتركوا مذاهب ومناهج مستقيمة فسرت للأجيال الإسلامية معاني الشريعة وأهدافها مثل الإمام مالك بن أنس (715 ـ 795)م وأبي حنيفة (699-767)م ومحمد بن إدريس الشافعي (767 ـ820)م وأحمد بن حنبل (780 ـ855)م ومجتهدين آخرين درسوا هذه العلوم وتبحروا فيها وكونوا مدارس متميزة فإننا نجد في ميادين علم التصوف رجالا فضلاء شقوا طرقا ومسالك اتخذها عشاق الروح للوصول إلى الإيمان الكامل من أمثال:

الشيخ معروف الكرخي، وأبي يزيد البسطامي، وذي النون المصري وعبد القادر الكيلاني، وأحمد البدوي وأحمد الرفاعي وبهاء الدين النقشبند، والشيخ عمر السهروردي، وأبي الحسن الشاذلي، ونجم الدين الكبروي، وجلال الدين الرومي ومعين الدين الحسني الجشتي، وأبي العباس التيجاني، وعشرات من هؤلاء الرجال الذين أسسوا طرقا خاصة لتربية السالك للوصول إلى نهاية المرام ولكنها تنبع جميعا من مصدر واحد، ومثل ذلك "في الأمور الدنيوية" إننا نصنع من الحنطة عشرات من أنواع الخبز وصوره ونصنع من اللحم والأرز عديد من الطعام ولكل مذاق يختلف عن الآخر بالرغم من وحدة الأساس والمادة ولكن الجميع يؤدي غرضا واحدا هو الشبع، والتمتع وبناء الجسم وتماسكه. وكما أن المذاهب الإسلامية تهدف إلى توضيح طرق العبادة وأحكام الشريعة والسنة النبوية لاتخاذها منهجا للحياة. فإن الطرق الصوفية تهدف أيضا إلى ترسيخ الإيمان الكامل، وإيصال السالك إلى الإيمان اليقين "عين اليقين" لكي يكون قلبه مطمئنا بالإضافة إلى دعوته لتطبيق تعاليم الشرعة. وللسلوك الصوفي النقشبندي منهج خاص لإيصال المريد إلى غايته فالطريقة القادرية مثلا تتخذ الذكر الجهري شعارا لها والطريقة المولوية تعرف بقراءة الأشعار والذكر وحفلات السماع وللنقشبندية أوراد خاصة بهم ومع اختلاف الطرق في الأوراد والذكر والشعارات فإنها تلتقي في هدف واحد هو معرفته سبحانه ورضوانه والقرب منه. وهي طرق حددها العارفون بالله من المشايخ المجتهدين في علم التصوف بهداية من ربهم سبحانه:

(وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) البقرة282

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) العنكبوت69

فقد علمهم الله وهداهم ويتولون هم إرشاد مريديهم إلى هذه الطرق ومثل ذلك مثل الطبيب الذي يكتشف دواء لمرض فيصفه لمرضاه وهؤلاء أطباء القلوب تسلقوا معالي الآمال في معرفة الله فيرشدون السالكين للوصول إلى قمم الآمال ولاشك إنها جميعا تعود إلى سنة النبي وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومصدرها جميعا هو القرآن الكريم وخاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وسلم).


المنهج النقشبندي

لا فرق بين الشريعة والطريقة ولكن الصوفي ينقطع للذكر والفكر فيصفو قلبه، يزيد إيمانه فيكون عين اليقين فيطبق الشريعة بقلب ممتلئ الإيمان. ومن انحرف عن الشريعة برأت منه الطريقة. وبعد هذه المقدمة آن لنا أن نعرف:

1 ـ ما هو المنهج النقشبندي للوصول إلى قمم الآمال الروحية؟
2 ـ كيف بدأت النقشبندية؟ وسلسلة رجالها رحمهم الله.
3 ـ متى سميت هذه الطريقة بالنقشبندية؟ ولماذا؟

نشير أولاً إلى أقوال لمشايخ التصوف قبل الشروع في الإجابة المفصلة:

قال الشيخ عبد الله الدهلوي المتوفى في (1240)هـ: إن ثمرة هذه الطريقة "النقشبندية" هي الحضور الدائم في حضرة الحق تعالى وترسيخ العقيدة الإسلامية عقيدة أهل السنة والجماعة وإتباع سنة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم).

وفي كتاب الحديقة الندية للشيخ محمد بن سلمان البغدادي يروى أن الشيخ محمد مراد الأزبكى قال: "إن الطريقة النقشبندية طريقة الصحابة الكرام باقية على أصلها، لم يزيدوا ولم ينقصوا وهي عبارة عن دوام العبودية ظاهرا وباطنا بكمال الالتزام بالسنة والعزيمة وتمام اجتناب البدعة والرخصة في جميع الحركات والسكنات من عادات ومعاملات مع دوام الحضور مع الله تعالى على طريق الذهول والاستهلاك"

ونقل في نفس المصدر عن أبن حجر الهيتمي 909 ـ 974 هـ "الطريقة العلية السالمة من كدورات جهلة الصوفية هي الطريقة النقشبندية" قال مقدم كتاب القدسية: التصوف النقشبندي إتباع السنة وهو معتدل و وسط وأساسه تطبيق الشريعة وتجنب البدع.

ويقول أيضاً: إن اعتدال السلوك النقشبندي وما فيه من إتباع الشريعة، ويسر الطريقة كان السبب في شيوع هذه الطريقة لاسيما بين علماء الدين فقلب الصوفي النقشبندي لله، وجسمه للناس. والحقيقة أن المشايخ الذين وصفوا هذه الطريقة مجمعون على أنها إتباع للشريعة أولا، والدوام على الذكر والفكر والعبودية والإخلاص والإيثار ونكران الذات ثانيا، وبالنسبة لجواب السؤال الأول نقول: جاء في كتاب إيضاح الطريق: إن النقشبنديين لهم ثلاث طرق للوصول إلى قمة المراد:

1ـ الدوام على الذكر.
2ـ المراقبة.
3ـ طاعة المرشد.

لا بد من القول أن الخطوة الأولى هي التوبة أي الإقلاع عن كل عمل سيء بشكل بات.
وتطبيق تعاليم القرآن والسنة النبوية.


1 ـ الدوام على الذكر


وللذكر صورتان:

ـ ذكر "الله" ويعني ذكر الذات أو ذكر الجلالة.
ـ ذكر "لا اله إلا الله" ويعني النفي والإثبات.

ومن المعلوم أن الذكر عند النقشبندية ذكر خفي بالقلب.


أ ـ ذكر الله:


من آدابه:

أن يكون الذاكر متوضئا وفي مكان طاهر هادئ مستقبلا للقبلة.

فيدعوه سبحانه لحفظه من وسوسة الشيطان والنفس ثم يستغفر الله. ويتذكر مرشده إن كان له مرشد. وبعد ذلك يبدأ بالذكر بقلبه. ولكن الذاكر يمكنه ذلك بكل صورة وفي أي وقت قال تعالى "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" آل عمران.

ومن آداب الذكر الصوفي النقشبندي:في البدء يلصق المريد لسانه بعرش فمه لمنعه من الحركة. ثم تذكر "الله" قلبيا. والقلب من لطائف الباطن وليس المراد به اللحم الصنوبري ولكنه تحت الثدي الأيسر قليلا ويتأمل عظمة "الله" لا شكل كتابة اسم "الله" "ليس كمثله شيء" فيؤمن أن الله موصوف بجميع صفات الكمال ومنزه عن كل نقص.

ولى الذاكر أن يكون دائم الذكر ليلا ونهارا ودون حركة من اللسان والبدن حتى يبدأ قلبه بالذكر، ويشعر هو به. ثم يتوجه إلى روحه التي في الجانب الآخر من الصدر تحت الثدي الأيمن بإصبعين. فيذكر الله به حتى يصبح الروح ذاكرا أيضاً، ثم يتوجه إلى لطيفة السر التي تقع فوق الثدي الأيسر بإصبعين مائلا إلى الصدر ثم إلى لطيفة الخفي الذي يقع وسط الصدر فيبدأ بالذكر.

وحين تبدأ لطائفة بالذكر تصبح كل لطيفة مصباحا مضيئا بنور خاص وتبدأ لطيفة النفس بالذكر وهي في الجبين وهي من عالم الخلق واللطائف الأخرى من عالم الأمر وهي لطائف معنوية يحس بها السالكون وحدهم وقد ذكرت سابقا. وبعد ذلك يبدأ دور"القالب" البدن المؤلف من العناصر إذ تبدأ كل ذرة في جسده بالذكر ويحس به السالك نفسه.

وقال الملا حامد البيساراني وهو احد علماء التصوف من النقشبنديين: منهم من يذكر الله في يوم واحد خمسة وعشرين ألف مرة واقلهم يذكر خمسة الآف مرة. وأتضح مما سبق أنهم وضعوا خمس مراحل لذكر اللطائف التي في عالم الأمر ومرحلتين للطائف عالم الخلق.

إذا للذكر سبع خطوات: وهذا معنى ما قاله الإمام الرباني "إن طريقتنا سبع خطوات" وقال بعضهم كناية: "الطريقة خطوتان" خطوة في عالم الأمر، و خطوة في عالم الخلق. وأن الدوام على الذكر يجعل اللطائف السبع وكل ذرة في الجسم تذكر "الله". وفي هذه الحال يشعر المريد بالراحة واللطافة في قلبه ووجدانه.

وتقال لهذه الحالة "سلطان الأذكار" أو "سلطان الذكر" وقد يصل إلى حالة يحس فيها الذاكر بعد مواظبته على الذكر أن العالم كله يذكر "الله" بل يسمع ذكر "الله" من كل ذرة في الكون وهذا الذكر يسمى ذكر "ماسوى". ويعني أن كل مخلوق يذكر الله سبحانه. وهذه من لطائف الطريقة الجليلة. وقد أشار إليها الشيخ عمر ضياء الدين قدس سره حين قال في إحدى قصائده الصوفية "اللطائف جميعها غارقة في ذكر الله".

ولابد من توضيح أن هذه الحالة هي ألف باء التصوف ومقدمته وهي من حالات التزكية أي تطهير اللطائف، وليست من حالات فناء اللطائف. ولكل لطيفة حالة فناء خاصة. وبعد فناء الكل يأتي البقاء وفي هذه المدة يطلع السالك على أسرار عجيبة ويمنح من ربه مواهب معنوية.

اللطائف تتحول إلى مصابيح مشرقة بالنور حين تبدأ بالذكر ويقولون: إن نور كل لطيفة تحت قدم واحد من الرسل والأنبياء أولي العزم وكل سالك يفتح له بسبب احد هذه اللطائف. فيكون له شبه بالخلق المعنوي لذلك النبي.

وهي علاقة معروفة لدى العارفين، حتى أنهم يدركون هذه العلاقة بعد موت أصحابها في قبورهم. فهذا خلقه محمدي و ذلك عيسوي ومن أدرك هذه الأمور بعين البصيرة كيف يتسلل الشك إلى إيمانه؟

- لطيفة القلب تحت قدم آدم ولون نوره اصفر.
- لطيفة الروح تحت قدم نبيين هما نوح وإبراهيم واللون احمر.
- لطيفة السر تحت قدم موسى واللون ابيض.
- لطيفة الخفي تحت قدم عيسى واللون اسود.

ولا تناقض بين النور ولون السواد فقد يكون السواد أجمل شيء كلون العين والحاجبين مثلا.

- ولطيفة الأخفى ولونها اخضر تحت قدم حضرة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). فان كان للسالك مرشد فانه ينتقل بمريده من لطيفة إلى أخرى وان تم نور اللطيفة تلألأ هذا النور في وجه المريد فيحس به هو ومرشد.

واللطائف مثلها مثل الحواس وهي في عالم المادة واللطائف من عالم الباطن وبعد تزكية لطائف عالم الأمر تبدأ تزكية النفس، وهي من عالم الخلق وليس لها لون كالماء يتلون بما يدخل فيه وتزكيتها صعبة فهي من عالم الطبيعة وهي في الأساس أمّارة بالسوء ومنها تخرج كل الرغبات الخبيثة ولكن ذكر الله سبحانه يطهرها ويروضها.

ويري مشايخ التصوف أن هذا النوع من التزكية يحتاج إلى مرشد والمقصود بالمرشد العارف العابد الذي لاشك في ولايته واجتيازه هذه المقامات وهو إنسان بالاسم ولكنه قطعة من نور وملائكي الصنعة ورباني المسلك، ومن أصحاب المقامات العالية للبقاء بعد الفناء. ومثل هذا الإنسان لا يتصور منه الخيانة لأمة محمد ولا يعقل أن يكون هدفه من الإرشاد الدرجات الدنيوية أو المكتسبات المالية.

ومن السهل أن ينقاد المرء لشخص له هذه المواهب والصفات ويجعله أستاذه ومرشده.

ب ـ ذكر "لا اله إلا الله"


وهو معروف بالنفي والإثبات وأن معظم السالكين يبدأ بذكر الله ثم بالنفي والإثبات وقد يقدم المرشد ويؤخر في ذلك حسب تشخيصه لحال السالك و هو أدرى به.

فلنعلم طريقة هذا الذكر: يتحلى بنفس الأدب والصورة التي ذكرناها من ذكر "الله" ثم يذكر بلسان الخيال كلمة "لا" ويمدها من تحت الصرة إلى الجبين وبعبارة أخرى يمد كلمة "لا"، من أسفل لطيفة الأخفى فوق لطيفة الخفى إلى لطيفة النفس في الجبين ثم من الوجه يمد كلمة (اله) إلى الثدي الأيمن إلى جانب لطيفة الروح ولطيفة أخفى ومن هناك يعيد كلمة "إلا" إلى ظهر الثدي الأيسر وهو محل لطيفة السر وبعد ذلك يضرب بالتخيل بلفظ الجلالة (الله) بقوة النفس المحبوس على سويداء القلب حتى يظهر أثرها وحرارتها في سائر الجسد بحيث يحرق جميع الأجزاء الفاسدة في البدن بتلك الحرارة، فيتنور ما فيه من الأجزاء الصالحة بنور الجلالة.

وبعد إكمال "لا اله إلا الله" بلسان الخيال وبالشكل الذي صورناه مرة أو ثلاث مرات أو أكثر يقول في حال التنفس "محمد رسول الله". وهذه صورة توضيحية لذكر لا اله إلا الله سرا وعلى الذاكر أن يفكر في المعنى لا في شكل "لا اله إلا الله" فيكون قصده في قلبه انه لا موجود بحق يستحق العبادة إلا الله وان العبودية هي هدف الذاكر.

ويقصد من قوله "لا اله" إن كل موجود فان ومن قوله "إلا الله" أن الله باق وحده. و من آداب الذكر سواء كان ذكر الله أو ذكر لا اله إلا الله : انه بعد الذكر يرتاح قليلا ومن هذه الاستراحة يقول : الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ولا اطلب من عبادتي سوى رضوانك، إني تخليت عن العالمين ولكن أرجو أن تهبني محبتك ومعرفتك. وعليه أن يتأمل بقلبه دون التفكير في الطلب المادي وهذه المراقبة تسمى بـ "الوقوف القلبي". وبمناسبة الحديث عن الوقوف القلبي نقول إن للنقشبنديين (11) مادة، أو كلمة أو أحدى عشرة درجة وعمودا وقلنا سابقا أن الذي لا يتجاوز المقامات العشرة لا يبلغ درجة الفناء والبقاء وهي عبارة عن: التوبة، الإنابة، الزهد، القناعة، الورع، الصبر، الشكر، التوكل، التسليم، الرضا. وهي ما تسمى أيضاً بمقامات اليقين.

وبعد اجتياز طريق السلوك، على السالك أن يتحلى بأحد عشر خلقا وإلا لم يحصل على شيء، ثمانية منها مأثورة عن حضرة الشيخ عبد الخالق الغجدواني (575) هـ وبعدها ثلاثة عن الشيخ الأكبر السيد محمد بهاء الدين النقشبند والمجموع 11كلمة وهي: النظر إلى القدم، السفر في الوطن، الخلوة في الجلوة، الذكر الدائم، العودة من الذكر، اليقظة عند النفس، الحضور الدائم، حفظ آثار الذكر في القلب، والوقوف القلبي و الوقوف العددي والوقوف الزماني لبهاء الدين النقشبند.

وسنذكر معانيها. ويطلب السالك الفيض والرحمة من الله سبحانه متوجها إلى السماء رعاية للأدب لان الله سبحانه فوق كل شيء ليس له مكان وليس له زمان وللوقوف القلبي شرطان أولهما: يحاول أن لا يخطر على قلبه شيء من الخيالات وثانيها، إن خطر على قلبه خيال توقف عن الذكر كاللجام وجاهد لطرد الخيالات ثم يبدأ بالذكر من جديد ويسمى "بالتوقيف" ومن الأفضل توقف التنفس وقت الذكر وحسب نصائح المرشدين.

ومن هذه الحال تنشأ حرارة القلب، وشوق في الداخل، وتتولد المحبة وتطرد الوسوسة وتزال الحجب أمام السالكين شيئا فشيئا. ويتبين من هنا أن التصوف سلوكا ينبغي معرفة بميدانه. ويعني الوقوف العددي أن يكون الذكر بالوتر، مرة أو ثلاثا أو خمسا أو سبعاً هي درجة للسلوك النقشبندي. وله اثر في كشف أسرار الطريقة.

وعلى السالك أن يحاول أن يذكر "لا اله إلا الله" (21) مرة بنفس واحد فان فعله مع المراقبة والتحلي بالآداب التي ذكرناها فانه يحصل على ثمرات معنوية ويتطهر قلبه وتكشف له أسرار يحس بها، وقد ذكرناها، وان لم تحصل هذه الثمرات فانه لم يطبق شروطه فعليه بالتفكير لاكتشاف الخطأ وإن كان له مرشد فانه يأخذ بيديه إلى لب عمله.

ولا بد من العلم بأن هذه الشروط مثل الوقوف القلبي العددي أو التوقف عن التنفس وإمرار الذكر على اللطائف تكون سهلة بعد الاعتياد عليها.

كما أن الرياضة في بدايتها صعبة ثم يتمرن المرء عليها فقد يكون من الصعب أن يرفع عشرة كيلوات أولا ثم يسهل عليه رفع 100 ك فان الرياضة الروحية كذلك ولكن ثمرة الرياضة البدنية مادية وثمرة العبودية هي رضا الخالق وان الرياضة البدنية تتعطل في عمر معين وبعد مدة ولكن الرياضة الروحية تقوى ويكون مصباحا للناس.

وان الثمرة الأساسية لهذا الخلق هي التزكية كما هي الحال في ذكر "الله" أي تزكية اللطائف إذ بذكر الله تتزكي اللطائف واحدة بعد الأخرى ويشع منها النور ومن حيث أن هذا الذكر"لا اله إلا الله " يمر باللطائف كلها فإنها جميعا تشرق بالنور معا و يبدأ بالقلب أولا ً ثم تبدأ اللطائف الأخرى بالذكر ويشع نور خاص منها ويشعر بذلك السالك نفسه.



بعد أن ذكرنا الخطوة الأولى للنقشبندية للوصول إلى قمة المراد، وهي الذكر، نأتي إلى الثانية:



2ـ المراقبة:


وكل شرط ذكرناه للذكر فهو مطلوب للمراقبة أيضاً كالتوبة والاستغفار وغيرها وهي الاستعداد والجلوس في مكان هادئ وطرد الخيالات عن القلب والتوجه إلى باب الحق ويتضرع إلى ربه بكل مسكنة وبكل عشق من الباطن دون واسطة مرشد أو الذكر ويسأل الله أن يستمطر الرحمة والفيض والبركة على قلبه وباطنه وان يشرق قلبه بنور وجهه.

وحين يصبح التوجه إلى الحق ملكة و خلقا راسخا بسبب المواظبة ليلا و نهارا على هذه الحال يصل إلى حالة تسمى في التصوف بـ "التوجه إلى المذكور لا الذكر" أي التوجه إلى صاحب الاسم وهو الله، لا الاسم وهو الذكر. وبهذا يتجلى نور ربه في قلبه وتتحقق المشاهدة.

وقال كبار المشايخ: الجذبة أي الانجذاب إلى الحق تتحقق عن طريق المراقبة بصورة أسرع من الذكر.

ويقال أيضاً: أن المواظبة على المراقبة ترفع السالك المراقب إلى درجة الوزارة المعنوية وهي أعلى الدرجات.

ومن ثمرات المراقبة إن هذا السالك المراقب يطاع في الملك والملكوت، ويكون عارفا بالباطن وآمرا على القلوب.

ومن كان خلقه المراقبة فعليه ألاّ يغفل عن الذكر والعبادة وقيام الليل وأداء الصلوات.

وقالوا أيضاً: إن الاقتراب من هؤلاء الصالحين هو سبب الفوز والنجاح قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}التوبة119 وقد تكشف أسرار لكبار السالكين في حال المراقبة فيعرفون أوضاع سلوكهم.

وهذه معنى المراقبة الخاصة في الطريقة النقشبندية وهو مراقبة النفس وكبح جماحها.



بينا اثنين من الطرق الثلاثة التي على السالك إتباعها للوصول إلى غايته وهي:

1. الذكر
2. المراقبة

والآن نبين السبيل الثالث وهو:

3. طاعة المرشد:


أي يكون السالك تلميذا لمرشد كامل، مطبقا لتوجيهاته بإخلاص وأدب كما هو الحال لتلميذ يتلقى العلم من أستاذه.
وقال كبار علماء التصوف: إن هذا السلوك أسهل وهو اقرب لنيل الغاية ويسمى ذكر"الرابطة" وهو عبارة عن مواصلة العلاقة القلبية مع الله سبحانه فمن كان له مرشد فان هذه العلاقة تتم عن طريق قلب المرشد.

وكيفية ذلك: إن قلب السالك هنا يتعلق بقلب المرشد الذي لاشك في انه نوراني ويشرق فيه نور الله سبحانه، ونوره سبحانه مصدر الأنوار. وان نور الحق يشرق دائما في قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) كالكهرباء الذي يتوزع في الجهات كلها، وكالنهر الذي تتوزع جداوله في كل الأنحاء ولكل جدول عشرات من المزارع وآلاف من الأشجار تروى بها. وكذلك يتوزع الفيض والماء الزلال على العاشقين المحبين لكي تروى مزارع قلوبهم بهذا الفيض والبركة وتُثمر ثمراتها الطيبة.

والمرشد الكامل يحصل على نصيبه من هذه البركة وتوزعه على المريدين.

وذُكر أن الشاعر الصوفي مولوى بعث قصيدة إلى مرشده الشيخ عثمان النقشبندي قال فيها:


"أنت ساقي المزارع وكفيتهم جميعا بالكفاف
(ويقصد المزرعة الروحية)
أما مزرعتي فتشكو العطش وثماري تشكو الجفاف
هذا حيف: فافتح الجداول جدولاً بعد جدول وارو مزارعي"


ولابد من بيان أن هذه العلاقات هي روحية ومعنوية ولا تدرك إلا بعين البصيرة ذلك أنها ليست بقنوات فيها المياه تجرى ولاهي علاقات مادية.

فإذا ما استقرت الرابطة وتمكن المريد من ترسيخ هذه العلاقة فانه يستمد النور والبركة منها ويكون لهذا النور انعكاسات من اللطائف فتتزكى واحدة بعد الأخرى. وتعالج العلل والأمراض واحدة بعد الأخرى كعلة الحسد، ومرض الغرور، وطول الأمل، والتهالك على جمع المال، والأمراض المعنوية الخبيثة الأخرى، وعندما يتزكى باطن السالك من الغش واشتعل نور الحق في اللطائف وتبدأ اللطائف بالذكر فان المريد يصل حالة الحضور والمشاهدة وهي الأمل المنشود وبهذه الخطوة يطمئن قلبه وباطنه وتبدأ مرحلة "الأنفس" أي التوجه نحو مرحلة الفناء للوصول إلى منزلة البقاء.

وفي مبحث الذكر اشرنا إلى أن السالك يبدأ بالذكر القلبي حتى يصبح قلبه ذاكرا، ثم يبدأ يتنقل من ذكر لطيفة إلى ذكر لطيفة أخرى ولكنه في هذه الحال يعينه المرشد بالتوجه إليه.

وكيفيته: يتوجه بقلبه إلى إحدى لطائف السالك ويربطها بلطائفه ولا ريب في أن لطيفة المرشد ذاكرة ونورانية فتنعكس على لطيفة السالك فتصبح ذاكرة ونورانية وبعد أن يستقر وضع السالك بعد مهلة في اللطيفة الواحدة يتوجه المرشد إلى لطيفة أخرى لمريده لمهلة قصيرة وإذا كان للمريد شيء من الاستعداد لما يتحلى به من الذكاء فسرعان ما يصل الغاية وتتزكى لطائفه وكذلك فيما يتعلق باجتياز المقامات حتى يصل مرحلة الفناء والبقاء.

وفي هذه المرحلة يستغنى عن المرشد ويكون كاملا بالمعنى النسبي "والكمال المطلق لله وحده" ويرفع الله درجاته مادام الله سبحانه يريد علو منزلته كما انه ليس للعلم الظاهري المادي حدود وإن العالم يظل يطلب العلم ليزداد علمه وكذلك الغني يطلب مزيدا من الغنى وكذلك ليس للطف الله حد والإنسان الكامل الذي بلغ قمة الإنسانية هو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ويليه بعده الأنبياء ثم الأولياء.

وفي عرف التصوف يعتبر السالك الذي منح درجة البقاء بعد الفناء إنسانا كاملا، وهذه الدرجة كالدكتوراه في العلوم الدنيوية أو غيرها فيصبح أستاذا ومرشدا في سلكه.

ولابد من التنبيه هنا على اشد ما يخاف منه في الطريقة النقشبندية: هو إن يأذن المرشد لمريديه بالرابطة دون أن يكون قد وصل مرتبة البقاء بعد الفناء.

وهي خطيئة كبيرة لأنها قد توقعه في شبهة الشرك أولا ويكون المرشد مسؤولا عنها، وتوقع المريد ثانيا في أمراض الوسوسة ومصائب أخرى عديدة فالإرشاد شيء وإجازة الرابطة شيء آخر. والإرشاد بمعنى "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" واجب على كل مسلم والإرشاد للشريعة واجب علماء الدين، وبالنسبة للطريقة فعلى المرشد أن يصارح مريديه قائلا: إني أنصحكم وأرشدكم إلى التوبة ولكنى لست بمرشد كامل ولا يجوز لكم الرابطة معي.

أو يقول كما قال (الأمير كولال) مرشد الشيخ النقشبند، له: إن حدود معرفتي هنا وعليك البحث عن مرشد آخر يعلمك بعدي.

وليس المقصود بالتوجه أن يكون المرشد متصلا بالمريد في المكان، ذلك أن المرشد الكامل يستطيع التوجه إلى مريده من مكان بعيد أيضاً ويدخل في قلبه المسرة الروحية ولكن القرب المكاني أفضل كما قلنا: أن التقرب من الصادقين سبب السعادة والفوز. فالرجل الصالح الولي حبيب الله والاقتراب من حبيب الله هو سبب لسعادة الدارين. فعلى المريد أن يطلب المساعدة من مرشده.

قال الشيخ عبد الله الدهلوي: مع أن الذكر اللساني لا يحقق أهداف السالك ما لم يتحول إلى ذكر قلبي ويصبح مَلَكَةً وخُلُقاً راسخاً فان الذكر اللساني مفيد وتكون للذاكر حظوة روحية معنوية إن تم حسب الشروط المذكورة.

ثم قال: على المريد أن يظل ذاكراً لله متذللا أمام باب الحق حتى في أوقات انشغاله بالإعمال الدنيوية
وقال: "بركات من الله تنزل ولكن لقلوب المؤمنين تعجل". وهذه تسمى حال "الخلوة في الجلوة" ومعناها انه مع الحق ولو كان مع الخلق وهذا معنى ما قيل: الصوفي كائن.

(بالجسم كائن مع الناس وبالروح كائن عنهم).

والخلوة في الجلوة إحدى صفات ودرجات السالكين للطريقة النقشبندية. وقد بينا سابقا أن أمراض القلب هي الصفات الخبيثة كالحسد والحقد.... وغيرها من الأمراض والمسلم الحقيقي من طهر قلبه من هذه الأمراض، ولكنه أمر صعب وإلا عولجت مشكلات الإنسان. وفي الحال التي يكون للسالك مرشد فانه يتولى معالجة هذه الأمراض وتخليص قلب مريده منها.

وإن طَبّق السالك آداب الذكر المعروفة وتمسك بذكر "لا اله إلا الله" فتسهل عليه معالجة أمراضه القلبية. وحين يقول "لا اله" يتخيل معه طرد الحسد، وان لا حسد في قلبه ولاشيء في قلبه "إلا الله" فيشعر بنظافة قلبه من الحسد وهكذا الأمر بالنسبة لكل رذيلة. ومن الناس من ليست له بعض الرذائل كالكذب والكبر مثلا فيحقق في حال نفسه وما فيها من الرذائل. وبهذا النوع من الذكر يطهر قلبه منها.

ويقول في بعض الأحيان معترفا في قلبه: أنى مبتلى بهذه الرذيلة فجنبني منها فيتخلص منها واحدة بعد الأخرى ببركة هذا الذكر. وهذا التطهير القلبي والتزكية، وإشراق اللطائف، والتنقل من خطوة إلى أخرى وهي سبع خطوات تسمى
"السفر في الوطن" أي الارتحال قلبيا من مركز إلى مركز حتى تتطهر جميعا، وهو أيضاً التأمل في النفس لكشف الأمراض لمعالجتها قال تعالى"وفي أنفسكم أفلا تبصرون" والصوفي في هذه المرحلة يعيش مع الذكر ويعاف كل شيء عدا ذكر ربه وكما قالوا: كل شيء ماعدا ذكر الله سبحانه نزع للروح ولو كان طعام السكر.

وفي القرآن الكريم "واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" الجمعة 10 ومن حصل على بركة معنوية وأحس بها فعليه العمل للمحافظة عليها، فان ذهبت عاد إلى الذكر إلى أن يستعيد البركة وتصبح البركة حالا دائما وخلقا مستمرا.

وقد ذكر في تعريف اللوامع أن المريد المبتدئ يرى شعاع النور في قلبه ولكنه يذهب ولا يستقر، ويتكرر حتى يألف ويستقر في القلب. وبعد هذا نأتي إلى "جذبة القبول". وهي اسم للسالكين يطلق عليهم عندما تتوجه إليهم حالة خاصة فينجذبون فيها إلى ربهم فيكون محمودا عند ربه فان نضجت الجذبة وظهرت تسري بين حنايا قلبه فيوضات إلهية يحس بها السالك المجذوب فتلتذ روحه ويُسَر وقد يسعد بها السالك سعادة تفقده وعيه. فان استدامت هذه الحالة فانه يقرب من حالة الحضور والفناء وهذه الحالة تسمى "حقيقة الذكر" لأنه من المرحلة الأولى لهبوب البركة كانت الصورة ومن حالة الحضور تكون الحقيقة وتسمى هذه الحال: (درج النهاية في البداية) أو اندراج النهاية في البداية وهذه لا تحصل في يوم أو مرة، ولكل شيء وقته ومدته وحسابه.

أما الثمار الطيبة المتنوعة للطائف ولكل عبادة كالتهجد وقراءة القرآن الكريم فإنها لا تعد ولا تحصى وقد ذكر الإمام الرباني في مكتوباته البركات الخاصة لكل حالة وفي الطرق الصوفية العديدة، فانه كان مرشدا للطرق القادرية، والسهروردية، والجشتية والكبروية، بالإضافية إلى كونه من كبار مشايخ النقشبندية.

قال الشيخ عبد الله الدهلوي: بركة الصالحين قد تنزل كضياء من الشمس فتدخل القلب في زاوية وقد تكون كسحاب يعم جوانب القلب، أو كصبا لطيف أو كمطر، أو نهر، أو كخيمة من حرير تشمل البدن كله أو كالندى الذي ينزل على القلب.
وقال أيضاً: قد يحصل الشوق والدفء الروحي لسالكي الطريقة الجشتية، ويحصل الصفاء واللمعان لسالكي الطريقة القادرية، ويحصل لسالكي الطريقة النقشبندية الغياب وفقدان الوعي، أما السهروردية فآثارها هي آثار النقشبندية نفسها. هذه قطرة من بحر التصوف. وباقة ورد من حديقة غناء تشمل الأرض كلها، أردت بها بيان قدر منه لكم لا الإحاطة به فان عالم التصوف في حقيقته هو عالم معرفة الله سبحانه وهو عالم لا نهاية له ولا حد له لا في أوله ولا في أخره.

ولتوضيح مصطلح "درج النهاية في البداية" أو "اندراج النهاية في البداية" نقول كما أن الاندراج يعني استقرار حقيقة الذكر في القلب وهو ما اشرنا إليه سابقا فان له صورة أخرى هي: قد ينتقل المرشد بمريده في حال توجهه إلى مقامات كبيرة فيريه إياها، أو يبقيه هناك مدة يظن فيها انه قد حل هناك فيعيده إلى مقامه الأول وهدفه تشويق المريد وحثه على العمل للوصول إليها بقلب مشتاق ملهوف.

ومثله مثل الأمور الدنيوية حين يدعى إنسان إلى قصور فخمة ويقال له انك إن وصلت إلى ذلك المقام أصبحت صاحب هذه القصور، فإذا كان ممن يرغب في الدنيا فانه يعمل بشوق اكبر للحصول عليها حقيقة. ومن صور الاندراج انه قد يحصل الكشف للسالك وتبدو له بعض الأسرار كأن يكشف له حال الميت صالحا أم لا، وهو في الحقيقة لم يصل إلى هذا الحد الذي يدرك بقوته المعنوية هذه الأحوال. وحكمة ذلك دعوته للخوف والأمل "الخوف والرجاء" ويصل إلى "عين اليقين". ومن صوره انه يجتاز المريد المراحل كلها ويقترب من الوصول حتى يصبح خليفة دون أن يكون صاحب البركات، ولكن قوته الباطنية تقع في ظل القوة الباطنية للمرشد، ويسمى اصطلاحا "في ظل المرشد" أو في ظل القطب واصطلح عليه أيضاً بضمنية المرشد، وهذا الخليفة لا يعرف إن هذه القوة ليست له وهي لمرشده، وصادف مرارا أن كبار المشايخ يرسلون خلفاءهم في هذه الحالة للإرشاد.

تبين أن درج النهاية اكبر من غيرها. فقد يحتار الناس من هذه المواهب والكرامات والبركات التي تظهر على هذا الخليفة الذي لا يختلف توجهه عن توجه شيخه وهو يعالج أمراض القلب العديدة، ويوصل السالك، ولكنها في نفس الوقت اختبار للمرشد ليكتشف قابليته فقد يسقط الخلفاء في الامتحان ويسيطر الغرور عليهم ويظنون أنها من قدراتهم وان لم ينجحوا فإنهم لن يرجعوا إلى مقاماتهم الأصلية بل قد يطردون مدة وان نجحوا يعادون إلى مقاماتهم ولكن هذه الدورة مفيدة إن اعتبر بها وحافظ على الأدب إذ يرفع درجاته وقد اطلع على المقامات العليا وعندما يرجع إلى محله السابق فانه يتنبه إلى أن هذه القوى لم تكن له وإنما هي لمرشده.

أين هو من هذه المقامات؟ فعليه عمل شاق ورياضة دائمة للوصول إليها.

وهذه الصور المختلفة لدرج النهاية في البداية تابعة لرغبة المرشد ذلك انه أستاذ القلب، وخبيره وطبيبه وهو ادري بحاجة كل مريد ومداها.

إن منهج سلوك اللطائف بشكل مقسم هو منهج الإمام الرباني، أما خلفاؤه ومنهم نجله الشيخ محمد معصوم استصعبوا هذا العمل فاكتفوا بتربية لطيفة القلب في عالم الأمر، ولطيفة النفس في عالم الخلق وإيصالها، أما اللطائف الأخرى فتربيتها بالتزكية حتى وصول مرحلة الفناء والبقاء.

وقال الشيخ عبد الله الدهلوي: نحن نأخذ بالرأي الأخير، ولذا نقول: (إن المرشد النقشبندي هو الذي يختار ما يراه الأفضل والضروري لمريده لاسيما بالنسبة لمن يجري تربيتهم عن طريق الرابطة، وعندما تبدأ اللطائف بالذكر يحظى بحضور الحق ولهذا الحضور أنواع وقد وضع كبار السالكين لكل نوع من الحضور اسماً وذلك لمعرفة وإفهام المريدين. وإن كان حضور الحق مقابل حضور الحق بحيث لم يسكرك هذا الحضور فتنسى الناس، ولم يؤثر في حضورك الناس، فيسمى "ذكر القلب" وان كان حضور الحق غالباً فهذا "ذكر الروح" وإن أنساك هذا الحضور نفسك ولكن لم تنس الخلق فهو "ذكر السر" فان أنساك حضور الحق نفسك والخلق فهو "ذكر الخفي").

فما هو الحضور؟
كيف الإحساس به؟

قال: إن استطاع المريد النظر إلى قلبه وعرف انه قريب من الله سبحانه فهذا هو الحضور وحتى إذا لم يكن دائما فانه واضح للسالك. و قد يقل الحضور بسبب انشغال المريد بكسب الدنيا وان كان حضوره بشكل "كأنك تراه" وفي كل وقت وحال، حين الكلام وحين السكوت، وعند السرور والغضب، و أصبح الحضور ملكة فهذه الحال تسمى"الوعي الدائم" وهو التذكر الدائم. وهي إحدى أسس الطريقة النقشبندية.

وتبذل هذه المحاولات، ذلك انه قد سعد بعين بصيرته بالرؤية والمشاهدة و قد يشعر السالك في هذه الحال انه يشاهد بعين البصر لا بعين البصيرة إذ يغلب عليه الحضور فيتلفظ بكلمات يفهم منها الحلول والاتحاد، والحقيقة انه في حال حضور وما يقوله يعتبر شطحات تخرج من فمه وقد يقال له انك قلت كذا وكذا فلا يصدق كما هو حال السكران بعد إفاقته.

وهذه الرؤية تشبه الرؤية المنامية التي هي رؤية خاصة. و لا يمكن رؤية الله بعين البصر في هذه الدنيا فان سمعنا أمرا مخالفا من مجذوب فعلينا أن نعلم يقصد ما يحس به في نفسه لا في الواقع.

وقال الشيخ عبد الله الدهلوي: وبعد هذه الحالة "عين اليقين" تبدأ "المراقبة المعية" كما قال سبحانه وتعالى..(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) الحديد4.

وهنا أجيز للذكر باللسان وهذا النوع من القرابة يعتبر من الولاية الصغرى وهي أول درجة الأولياء وهي قطع المسافة في ظل "أسماء الله" وهذا المقام يسمى مقام الجذبة فيتحقق له الشعور بالبركة، والخفقان، والشوق والبكاء والذوق والتوحيد الفعلي وتجليات نور الحق ورؤية الوحدة والكثرة وحالات الإنس والهيمان والوحشة والحيرة كما لا يخفى على أرباب هذه الولاية، ويتحقق أيضاً الاستغراق في بحر المعرفة فينقطع عن علاقاته بالناس وينسى ما سوى الله ويسلم قلبه من الخطرات والوساوس.

وهذه تتحقق في مرحلة الولاية و يتحقق هنا أيضاً فناء القلب أي الدوام على حالة السكر الروحي وطرد ما سوى الله في قلبه. ويقول احد الشعراء بهذه الدرجة ما معناه:

متى افترق عن نفسي ولا يبقى أنا وأنت والباقي هو الله وهذه حالة المعية أو المراقبة المعية.

سبق أن ذكرنا إن الله قريب منا وفي القرآن الكريم "نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" والعبد أيضاً لسبب تزكية باطنه يشعر بهذا القرب والحقيقة أن كل عبد قريب منه و لكن الطاهر يحس بالقرب أما الذي لم يتزك قلبه فانه لا يشعر بنعم الله، و تحدث الشيخ عبد الله عن أربعة أنواع من الفناء فقال:

1_ فناء الخلق: وهو أن لا يخاف من أحد ولا يرجو أحد إلا الله.

2_ فناء الرغبة: فالسالك هنا لا يرغب إلا في القرب منه سبحانه.

3_ فناء الإرادة: فلا تبقى له ويكون كالميت فلا يطلب شيئا.

4_ فناء الأفعال: لا تبقى له قدرة على أي فعل فيريد كل شيء من ربه أو عندما تنتهي قدرته على الفعل يتولى الله سبحانه أعماله، وهذه إشارة إلى الحديث القدسي "ما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها".

كما ذكرنا سابقا:

يقول النقشبنديون إن مقام الولاية عبارة عن عشرة مقامات هي:

التوبة، الإنابة، الزهد، القناعة، الورع، الصبر، الشكر، التوكل، التسليم، الرضا.
(والتي تُسمى أيضاً بمقامات اليقين)
ahmed1981
2008/03/21
وفي النقشبندية أن مقام الولاية وفناء القلب لا يكفي ليكون الشيخ مرشدا ولا يكون كذلك إلا بعد فناء النفس وتحقق كمالات الولاية الكبرى فيكون صالحا للإجازة المطلقة في الإرشاد.

إن في حال فناء القلب تزول الخطرات من القلب فتنزل في النفس وفي حال فناء النفس التي مكانها في الجبين لا يبقى مكان للخطرات.

وهذه الدرجات التي يقطعها السالك في رحلته إلى الله سبحانه من أولها إلى الدرجة التي لا يعلمها إلا الله وقد يحس بها السالك شبهت بالدوائر.

وهذه الدوائر تشتمل على جميع اللطائف والمنح والمواهب في مقدمتها تسمى دائرة الإمكان وفي آخرها دائرة اللا تعيين، وهي عشرون دائرة، وفي هذه الدوائر قال بعضهم: إذا أزيل حجاب على خد المحبوب يظهر حجاب آخر، وإذا قطع حجاب يظهر حجاب آخر.

وقد تحدث الإمام الرباني في مكتوب انه والشيخ عبد الله الدهلوي في كتابه إيضاح الطريق عن هذه الدوائر وهي اسم معنوي ولكنه يشبه فعلا الدوائر وواضح عند سالكي الطريقة النقشبندية وسأتناولها باختصار:

على السالك قبل كل شيء أن يقطع دائرة الإمكان وهي تمام عالم الخلق والأمر والعروج بتزكية هذا العالم، وهو عبارة عن تزكية اللطائف الخمس وتزكية النفس والعناصر الأربعة وطبيعة الجسم، فإن أكمل مسيرة هذه الدائرة بالتزكية تخلص من دائرة الإمكان ووصل إلى الدائرة الثانية و هي الولاية الصغرى التي هي ولاية الأولياء وفي هذه الولاية يبدأ السير والعروج نحو قمة المطلوب في ظلال الأسماء والصفات ومن هذا الموطن يتحقق الشروع في حقيقة الفناء "الجذبة" من ثمراته.
وبعد العروج من الدائرة السابقة بطريقة السير في ظل أسماء الله يكون ذلك شروعا في الولاية الكبرى وهي مخصوصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالأصالة و وصول أصحابهم الكرام إلى هذه الدائرة بالتبعية ومن وصل إلى هذه الدائرة فقد اجتاز مقام "فناء النفس". إن فناء النفس وفناء القلب يختلفان عن تزكية القلب أو تزكية النفس فالتزكية هي للابتداء وهي تهيئة للقلب ليس إلا، ولكن فناء اللطائف مقام أعلى وهو آخر درجة، ودائرة الولاية الكبرى لها ثلاث دوائر وقوس واحد أي ثلاث دوائر ونصف دائرة يحس بها السالك وعليه أن يجتازها واحدة بعد الأخرى بكل قوة ورجولة كما هو حال السالك في طريق جبلي أو طريق صحراوي.

والسالك نفسه يعرف أين هو!! ويتم السير في هذا الطريق في ظل الأسماء والصفات و ثمار السالك من هذه الدائرة هي الفناء الحقيقي، حقيقة الإسلام، وشرح الصدر، ومقام دوام الشكر والرضا، دائرة الولاية العليا وهي دائرة الملا الأعلى من الملائكة والأرواح وتحصل للصالحين بالتبعية.

وفصل الإمام الرباني ذلك فقال: أن عمر الإنسان كله لا يكفي لاجتياز خطوة في هذا الميدان لولا عناية الله سبحانه، و في هذا الموضوع يشير إلى قوله تعالى "تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" المعارج 4.
فلا يمكن العروج إلى هذا المقام إلا بعون منه سبحانه ومن ثماره النور الذي يحصل للسالك فيتذكر الوقت الذي كان في سلطان الأذكار وحصل له مثله ولكن أين هذا النور من ذلك؟ وهو مقام عظيم ورفيع. وحيث أن هذه الولاية أصلا للملأ الأعلى فتحصل للسالك علاقة بالأرواح والملائكة ويدرك الأسرار التي كانت من ثمار لطيفة السر، ولطيفة الأخفى، فهنيئا لأرباب النعيم نعيمهم. ثم تبدأ الرحلة في دائرة كمالات النبوة. وفي هذه الدائرة يحصل التجلي الذاتي دون غطاء الأسماء والصفات.

ويقول: إن تقدم خطوة هنا أفضل من مقامات الولايات، إذ يتحقق الحضور دون تردد أو خفقان قلب ويتحقق برد اليقين، وهو لا يبلغه الحال ولا المقام، وهنا أيضاً تظهر له علوم الشريعة وهي مقام خاص بالأنبياء أساسا يرثه الأولياء بإتباع طريقهم. واقتبس هنا مما كتبه الشيخ عبد الله الدهلوي في كتابه إيضاح الطريق مكتفيا ببعض الأمور المهمة في هذا الموضوع، والدوائر الأخرى هي سير في الكمالات حيث يحصل كمال بعد كمال لكبار رجال التصوف مثل:


- دائرة كمال الرسالة،
- دائرة كمال أولى العزم،
- دائرة حقيقة الكعبة،
- دائرة حقيقة القرآن،
- دائرة حقيقة الصلاة،
- المعبودية المحضة.

ومن هنا يتوقف السير بالقدم ويبدأ السير النظري فيرى بعين البصيرة هذه المقامات، فيرون بهذه العين "دائرة الخلية" وهي مقام سيدنا إبراهيم خليل الله، والأنبياء الآخرون تابعون له في هذا المقام "اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً" النحل123 كما تقول في الصلاة "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" ومعنى كما صليت هو التبعية.

وتمسى هذه الدائرة بالحقيقة الإبراهيمية. ثم دائرة "المحبة الصرفة الذاتية" التي تظهر لكبار السالكين و يقع من مركزها الحقيقة الموسوية وهي دائرة حقيقة موسى، ثم دائرة المحبية والمحبوبية الممتزجتين وهي:

- دائرة الحقيقة المحمدية، وهي دائرة عظيمة.

- ثم الدائرة المحبوبية الصرفة الذاتية وهي الحقيقة الأحمدية

- ثم دائرة الحب الصرف ويأتي بعدها "اللا تعيينية" وهي الدائرة التي لا يبلغها احد بالسير القدمي بل بالسير النظري. وقد يحظى السالك بمقام معين (بالتبعية) وهي في اصطلاحهم كالضمنية والظلية ومعناه: إن صاحب المقام (البركة) يأخذ صديقه المحبوب بالتبعية إلى مقام ليس له فهو تابع وليس بصاحب مقام و هو يحترم في هذا المقام تقديرا لمضيفه ، كما هو الحال في أمور الدنيا وعلاقاتها، وأساسه هو حب أبي بكر رضي الله عنه لسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث قال صلى الله عليه وسلم "ما صب الله شيئا في صدري إلا وصببته في صدر أبي بكر".

ثم قال الشيخ عبد الله الدهلوي في آخر الموضوع: إن درجات الولاية الثلاث (الصغرى الكبرى العليا) والكمالات الثلاثة النبوة والرسالة وأولي العزم، والحقائق السبع (حقيقة الكعبة، القرآن، الصلاة، الإبراهيمية، الموسوية، المحمدية، الأحمدية) وبعدها دوائر المحبة الصرفة واللا تعيينية، لا تحصل لكل من سلك من إتباع الطرق.

بعضهم يبلغ ولاية القلب وقد لا يتجاوز دائرة الإمكان، وبعضهم يصل إلى الولاية الكبرى وقليل منهم يبلغ الولاية العليا، و الأقل منهم يبلغ الكمالات الثلاثة وأين من يبلغ الحقائق السبع وأعلاها ؟؟



الكلمات الإحدى عشرة في الطريقة النقشبندية


إن مبنى الطريقة النقشبندية على العمل بإحدى عشرة كلمة وقاعدة صوفية استمدت من التجربة السلوكية لمشايخ الطريقة ثمان منها مأثورة عن الشيخ عبد الخالق الغجدواني (575 هـ) وثلاث منها مأثورة عن الشيخ الأكبر محمد بهاء الدين النقشبند (717ـ791 هـ). وقد عُلِمَ أن النقشبندية أُسست على القلب، والذكر هو التأمل في اسمه تعالى حتى يبدأ القلب وكل الجسد بالذكر وثمرته تطهير القلب من الرذائل ودوام الحضور.

والحقيقة أن المقصود هو المذكور والقرب من الحق والذكر وسيلة للقرب وحين يتجلى نور الله في القلب ويتحقق الحضور لا يبقى الذكر إذ يكون المذكور حاضرا وهذا القرب كما قلنا ليس بقرب الذات من الذات وليس بقرب الجسد من ذات الله سبحانه بل بقرب الباطن من نور الله سبحانه وهذا القرب يدرك بعين القلب لا بعين الرأس أي بالبصيرة لا بالبصر. وكما قلنا إن المثال على ذلك هو الرؤية في المنام. فبأي عين نرى في المنام؟ وبذلك نقرب المعنى في نفوسنا. وهذه الكلمات هي:

1 ـ اليقظة عند النفس
2 ـ النظر إلى القدم
3 ـ السفر في الوطن
4 ـ الخلوة في الجلوة
5 ـ الذكر الدائم
6 ـ العودة من الذكر إلى الذات
7 ـ حراسة القلب من الغفلات والخواطر، أو الحضور الدائم
8 ـ حفظ آثار الذكر في القلب
9 ـ الوقوف الزماني
10 ـ الوقوف العددي
11 ـ الوقوف القلبي


1 ـ اليقظة عند النفس (هوش دردم):

ومعنا حفظ النَفَس عن الغفلة عند دخوله وخروجه وبينهما ليكون قلبه حاضرا مع الله في جميع الأنفاس فلا تتوزع خيالاته على أمور دنيوية. قال النقشبند: إن عمل السالك متعلق بنفسه، فعليه أن يعلم فيما إذ أمر نفسه مع الحضور أو مع الغفلة لكي يبقى السالك في الذكر ولا يتوزع باله على الماضي أو المستقبل في حال الغفلة.

قال الشيخ عبيد الله الأحرار 809 ـ 895 هـ وهو احد كبار النقشبندية: أهم عمل في الطريقة النقشبندية هو مراقبة النفس حتى لا يخرج في الغفلة، ومن لم يفكر فيها يقال له انه (فقد نفسه). وقال الشيخ سعد الدين الكاشغري وهو معاصر الشيخ عبيد الله: معنى اليقظة عند النفس هو أن لا يغفل السالك من نفس إلى نفس وان يتنفس مع الحضور وان لا يخلو النفس عن الحق. وباختصار تعنى هذه الكلمة عند رجال الطريقة النقشبندية اليقظة والدقة والفكر عند التنفس وهو درجة من درجات الطريقة وإذا أضاع السالك نفسا له فكأنه ارتكب ذنبا، إن ضياع النفس هو ضرر له.

2 ـ النظر إلى القدم (نظر بر قدم):

يرى البعض أن معناه: على الصوفي في حال مشيه في الطريق أن يكون نظره مركزا على موضع قدمه حتى لا يتوزع باله وعقله على أنحاء كثيرة، وحتى يكون عقله وفكره مع الله فلا يغتر بجمال ومتاع الدنيا وهذا عمل محمود ولكن الإمام الرباني يقول: النظر على القدم هي حال"السفر في الوطن" وهما معنويان والمقصود بهذه الكلمة: هو أن السالك قبل أن يسير من مقام إلى مقام أعلى عليه أن ينظر بعين البصيرة إلى هذا المقام قبل أن يخطو على قدمه المعنوي. وفي مبحث الدوائر اشرنا إلى أن المسيرة بالقدم تصل إلى نهاية مقامات الحقائق وآخرها حقيقة الصلاة ثم تبدأ الرحلة النظرية. وقال الإمام الرباني، إن السير النظري كالاستطلاع للسير على القدم لعروج المقامات وقبل أن يخطو بقدمه إلى المقام الجديد فعليه أن يتحقق فيه ويعرف مكانه، فيخطو إلى المقام الجديد، ويقال لهذا التحقق في المقام الجديد "النظر إلى القدم" لذلك يشبه حالة السفر في الوطن ذلك أن النظر على القدم يعنى الرحلة من مقام إلى مقام وهي نفس معنى السفر في الوطن. والتحقق في موضع القدم في حال السفر يعني النظر على القدم وهو تبصير السالك بدرجته ومنزلته في مستقبله. وبعد مرحلة الرحلة على القدم تبدأ مرحلة نظر السالك، والسالك يرى المقامات الكبرى بالنظر فقط.

يقول فخر الدين الكاشفي في الرشحات: النظر على القدم يشير إلى مدى تقدم السالك في مسلك التصوف للعروج إلى مقامات الوجود، وتجاوز عقدة الأنانية. وله كتاب مهم موسوم بـ (الأصول النقشبندية) محفوظ في المكتبة الوطنية الفرنسية.



3 ـ السفر في الوطن (سفر در وطن) وله معان:

المعنى الأول:

لا نشك في أن السفر بالمعنى المعروف مفيد لرفد الخبرة وتوسعة الإدراك، والسير في الأرض يورث العبرة في النظر إلى المخلوقات، ويوجه أبصار الإنسان إلى عظمة خالقه. فالسفر باعث للتفكر وقد مدح الله سبحانه المتفكرين في خلق السموات والأرض وقرنهم بالذاكرين قال تعالى "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض" آل عمران 191 ثم مدح السائحين في الأرض وقرنهم بالتائبين العابدين. فقال سبحانه "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله" التوبة 112 وفي سورة التحريم "تائبات عابدات سائحات".

وفي القرآن الكريم عناية خاصة بالسائرين في الأرض للاعتبار بما جرى على الأرض عقابا للمعتدين، أو دلالة على التغيرات في أمور الحياة. يقول سبحانه في أربعة مواضع من القرآن الكريم "أفلم يسيروا في الأرض".
وفي ثلاثة مواضع "قل سيروا في الأرض".
وفي موضعين "أو لم يسيروا في الأرض".
وهي حث للمسلمين على السفر وعلى التجول في الأرض ليزداد إيمانهم بالله سبحانه. ألا يعنى ذلك أن أساس هذه القاعدة الصوفية النقشبندية هو الخلق الإسلامي القرآني ؟؟

المعنى الثاني:

هو البحث عن المرشد الصالح فقد أوصى كبار المشايخ بسفر المريدين للبحث عن مرشد كامل ولكنهم قالوا فعند ذلك على السالك أن يطيع كل ما يأمر به المرشد وان رحلة مولانا خالد النقشبندي من العراق إلى الشام والحجاز، ومن الحجاز إلى كردستان ومنها إلى إيران والأفغان وكابل وقندهار إلى أن يصل إلى حضرة الشيخ عبد الله الدهلوي ويحظى بأمنيته في حضرة هذا المرشد الكامل تعتبر من الرحلات الصوفية المهمة في هذا المجال وكذلك رحلة الإمام الغزالي من طوس إلى بغداد ومنها إلى الشام والحجاز للبحث عن مرشد مثال آخر لهذه الرحلات.


المعنى الثالث:

وهو المعنى المعنوي في المصطلح النقشبندي: يقول النقشبنديون إن المعنى المعنوي لهذه الكلمة عبارة عن محاولة السالك للانتقال من الصفات البشرية الخسيسة إلى الصفات الملكية الفاضلة وهو سفر من عالم الخلق إلى الحق وهو ابتعاد عن مغريات الدنيا والتقرب من مالك الدارين وهو سفر من حال ومقام إلى حال ومقام أحسن وأعلى.



4 ـ الخلوة في الجلوة (خلوت در انجمن):

ومعناه أن جسده مع الخلق وقلبه مع ربه.

والخلوة نوعان:

والنوع الأول (خلوة مادية): وهي عبارة عن انتقال السالك إلى زاوية معزولة للتعبد والتأمل وهذه نافعة للسالك لضبط حواسه وإمكان التركيز على قلبه والانهماك في حال قلبه ومن المعلوم انه كلما استطاع تعطيل الصفات الخارجية من العمل تزداد الصفات الباطنية نشاطا وعملا وبهذا يقرب من عالم الملكوت بشكل أحسن.

والنوع الثاني (خلوة القلب): بحيث لا يغفل عن ذكر ربه حتى إذا كان مع الناس ومشغولا بالكسب والذهاب والإياب فيبقى قلبه ذاكرا ولا يغفل عن ربه قال تعالى "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" النور37 والمقصود هنا المعنى الثاني. قال الشيخ محمد أمين الكردي في كتابه تنوير القلوب "فمعناه أن يكون قلب السالك حاضرا مع الحق في الأحوال كلها غائبا عن الخلق مع كونه بين الناس".

ويستحسن معظم كبار علماء التصوف أن يبقى قريبا من الناس، عاملا بالكسب الحلال بعد أن يستقر السالك ويتقدم في سلوكه. قال الشيخ أبو سعيد الخراز المتوفى279هـ: (ليس الكامل من صدر عنه أنواع الكرامات وإنما الكامل الذي يقعد بين الخلق يبيع ويشتري معهم ويتزوج ويختلط بالناس ولا يغفل عن الله لحظة واحدة).

ويقولون (الصوفي كائن بائن) أي بالظاهر والجسم كائن مع الخلق والباطن والقلب بائن عنهم.

قال الإمام الرباني: الخلوة في الجلوة فرع للسفر في الوطن ذلك انه متى يتيسر السفر في الوطن يسافر في خلوة الوطن أيضاً في نفس الجلوة ولا تتطرق تفرقة الافاق إلى حجرة الأنفس. وقال: هذا العمل في البداية صعب ولكنه سرعان ما يسهل وقال: هذه الموهبة في طريقتنا للمبتدئين أما في الطرق الأخرى فهي للمنتهين.
ذلك أنها تحصل في السير في الأنفس وهي بداية الطريقة النقشبندية والسير الافاقي يحصل مع السير في الأنفس والسالكون من الطرق الأخرى عليهم أن يكملوا السير الافاقي ثم يبدءوا بالسير في الأنفس.

وللتوضيح نقول: أن السير الآفاقي هو سير في عالم المادة وفي عالم الخلق.

إما السير في الأنفس فهو عبور المقامات القلبية الباطنية وتسمى اللطائف وهي من عالم الأمر، والأسرار والأنوار التي تكشف خارج القلب هي من عالم الخلق أي الآفاقي وما تكشف في القلب وترى فهي للأنفس وعالم الأمر. والتحلي بهذه الصفات والقدرة على تحقيق هذه الأعمال هي من مواهب هؤلاء السالكين الذين ملكوا هذه الدرجات بما قدموا من الذكر والعبودية والصدق والمجاهدة.



5- الذكر الدائم (يادكرد):

والذكر بالمعنى العام الذي يشمل ذكر اسم الجلالة والتأمل، والصلاة وقراءة القرآن الكريم والدعاء هو أساس السلوك الصوفي، والغالب الشائع من معانية هو ذكر اسم الجلالة "الله" والتأمل. والذكر قد يكون جهرا وقد يكون سرا والسلوك النقشبندي يعتمد الذكر السري وله صورتان: ذكر "الله" عز وجل، والنفي والإثبات "لا اله إلا الله" وفي الحديث الشريف (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا اله إلا الله).

وهذه الطريقة كانت تسمى الطريقة الخواجية، باسم مرشدها الأكبر المعروف بخواجه عبد الخالق الغجدواني، هو الذي أسس الذكر السري في الطريقة النقشبندية وروجه وابتكر هذه النصائح التي نحن بصدد بيانها، وقد ظل الذكر الجهري معمولا به بجانب الذكر الخفي عند السالك إلى عهد الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي وهو رئيس الطريقة النقشبندية إذ قرر أن الطريقة هي الذكر القلبي لا غير، وأضاف ثلاث نصائح أخرى إلى كلمات الغجدواني وهي: الوقوف القلبي والوقوف العددي والوقوف الزماني فأصبحت(11) كلمة أو نصيحة.

والمقصود بالذكر هنا هو مداومة الذكر والتذكر، والفائدة في الذكر القلبي انه لا يحتاج إلى صوت أو حرف أي القول باللسان فيستطيع أن يذكر السالك حتى في خضم العمل ولكن الذكر اللساني لا يتحقق في حال العمل ولاسيما في حال الكلام مع الناس.
وهذا الذكر القلبي يتطلب المداومة حتى يتحقق للذاكر السالك الحضور الدائم مع المذكور وهو الله سبحانه وهدفه هو هذا الحضور وحينذاك يدرك السالك بحسه الباطني وبعين بصيرته أنه حاضر أمام ربه ويرى البركات وهي حالة المشاهدة.
وقد ذكرنا إن منهم من يذكر الله في يوم واحد(25)ألف مرة واقل الذكر بالنسبة للمبتدئين(5) آلاف مرة، وبعد أن يبلغ مرحلة الحضور لا يبقى للعدد مفهوم وكذلك الذكر اللساني ذلك أن المذكور، وهو الله قد أحاط بقلبه والسالك يقطع المقامات.

6- العودة من الذكر إلى الذات (بازكشت):

ومعناها رجوع الذاكر من النفي والإثبات "لا اله إلا الله" بعد إطلاق نفسه إلى المناجاة بهذه الكلمة الشريفة باللسان أو بالقلب "الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي" وذلك لطرد كل الخيالات من قلبه حتى يفنى من نظره وجود جميع الخلق.


7- حراسة القلب من الغفلات أو الحضور الدائم (نكاه داشت):

ومعناه أن يحفظ المريد قلبه من دخول الخواطر ولو لحظة فان خطر على قلبه شيء حق أم باطلا فعليه يوقف ذكره حتى ينتهي من طرد الخواطر فيبدأ بالذكر من جديد. وجاء في كتاب(مناهج السير) للسيد أبي الحسن زيد المجددي الفاروقي مطبوع في دلهي 1957: إن هذا التوقف معناه انه على السالك أن يحافظ على الثمار من البركات التي حصل عليها بمداومة الذكر أو على درجة الحضور والمشاهدة التي حصل عليها باستقامته على الذكر فلا يسمح بتسلل الخطرات إلى قلبه.

وفي كتاب رشحات عين الحياة (المطبوع1912في كانبيرا) ينقل فخر الدين على الكاشفي عن سعد الدين الكاشغري: على السالك أن يتمرن ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات يوميا حسب طاقته على حبس ذهنه وفكره القلبي بحيث لا يخطر في قلبه شيء ولا يبقى في قلبه غير الله سبحانه ويرى بعضهم أن التوقف خاص بذكر النفي والإثبات (لا اله إلا الله) وهو أن يرسخ معنى الذكر في قلبه ويحبسه لكي يدوم المعنى وهو انه "لا اله إلا الله" فان لم يستطع فلا يحصل له الحضور القلبي. وان هذه المحاولة كما يبدو تهدف إلى دوام الحضور، ذلك أن حضور القلب وحفظ الباطن عن كل الخطرات والخيالات من أهم مقاصد الصوفية يرعاها المتصوفون، وهي درجة من درجات التصوف. وللمشايخ أقوال ونصائح عديدة في هذا المجال. ويجب أن نعلم بأنه ليس المقصود أن لا يمر أي خاطر في القلب ولكن معناه هو أن لا يستقر ويكون كالأوراق التي تمر سريعا على الماء الجاري ولا تتوقف.

وفي كتاب الحدائق الوردية للسيد عبد المجيد الخاني رواية عن علاء الدين العطار يقول "إن منع الخطرات والخيالات عن التسلل إلى القلب صعب وشاق ولكن عليكم العمل على طردها وعدم إبقائها". وقال: إني حرست قلبي عشرين سنة من الخطرات والخيالات ومع ذلك تسللت إلى قلبي بعد كل هذه المدة ولكنها لم تستقر.


8- المشاهدة (ياد داشت):

التوجه الخاص لمشاهدة أنوار الذات، وتسمى أيضاً عين اليقين، والشهود.

قال الشيخ محمد أمين الكردي: هي كناية عن حضور القلب مع الله تعالى على الدوام في كل حال من غير تكلف ولا مجاهدة وهذا الحضور في الحقيقة لا يتيسر إلا بعد طي مقامات الجذبة وقطع منازل السلوك.

وقال أيضاً: والحق انه لا يستقيم إلا بعد الفناء التام والبقاء السابغ فالمشاهدة "يادداشت" هي ثمرة عمل السالك وهي عبارة عن حال المريد بعد الوصول إلى غايته وقد تكون ثمرة الذكر أو المراقبة أو مساعدة المرشد، ويصلها السالك بعد قطع كل الحواجز.

قال الشيخ عبيد الله الأحرار: تعني هذه الكلمة "المشاهدة يادداشت" مشاهدة الحق بالحب الذاتي، وهو حضور لا غياب فيه، يغطي الحب السالك بصورة دائمة وقيل أيضاً (يادكرد) هو الدوام على الذكر و"الرجوع" بمعنى انه بعد أي توقف من الذكر يعود السالك إلى قلبه ليقول: (الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي) و"التوقف" (حراسة القلب) هي حراسة هذه الحالة دون أن يذكر شيئا. فالمشاهدة هي دوام حراسة هذه الحالة والمحافظة على الحضور.


أما الكلمات الثلاث التي أضافها الشيخ النقشبند إلى القواعد الثماني فهي:


9- الوقوف الزماني:

وهو المحاسبة القلبية ومعناه انه ينبغي على السالك بعد مضي كل ساعتين أو ثلاث إن يلتفت إلى حال نفسه كيف كان في هاتين الساعتين أو الثلاث فان كانت حالة الحضور مع الله تعالى شكر الله تعالى على هذا التوفيق وان كانت حالة الغفلة استغفر منها وأناب.

وجاء في كتاب الرشحات أن الشيخ بهاء الدين النقشبند قال: الوقوف الزماني هو أن يكون السالك واعيا لحاله عارفا بما هو فيه هل يستحق الشكر عليه أو يجب عليه الاعتذار فان كان حسنا شكر الله عليه وان كان غير ذلك اعتذر
قال مولانا يعقوب الجرخي وهو احد المريدين الكبار للشيخ النقشبند: أن الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند كان ينصح السالك الذي ابتلي بحال القبض بالاستغفار وينصح السالك الذي أسعده الله بحال البسط بان يشكر الله سبحانه. فالوقوف الزمني هو مراقبة الحالين القبض والبسط ويفهم أيضاً أن حالة البسط أساسها اليقظة وحالة القبض أساسها الغفلة.

10- الوقوف العددي:

وهو المحافظة على عدد الو ترفي النفي والإثبات ثلاثا أو خمسا "لا اله إلا الله" ومنهم من يستطيع الذكر (21) مرة بنفس واحد، فهذه المراقبة العددية تسمى الوقوف العددي فالسالك واقف متيقظ بضبط نفسه على الذكر بالوتر وهذا الذكر بالقلب وبالباطن وكذلك عده بالقلب وبالباطن وليس باللسان ولهذا الوقوف ثمرة معنوية كبيرة وقد جربه المشايخ والمريدون وهو من بديهيات الطريقة.

قال الشيخ عبد الرحمن الجامي (817 ـ 898 هـ) (وهو مؤلف نفحات الإنس) في رسالته النورية (وهي مخطوطة في دار الكتب المصرية):
حكمة الوقوف العددي هي معرفة السالك متى وفي أي عدد من الذكر تحصل له ثمرته؟ فان بلغ (21) مرة ولم يشعر بالثمرة المعنوية فان علامة واضحة لنقصان شروطه وانه يراقب العدد ليعرف فيما إذ حصلت له البركة أم لا .... فان لم تحصل البركة من (21) مرة فعليه أن يبحث عن سر نقص عمله.

قال الشيخ النقشبند: إن هذا الوقوف العددي هدفه ضبط فكر السالك وعقله لكي لا يشتط ويذهب إلى هناك أو هنا.
قال علاء الدين العطار: ليس المهم من الثمرة كثرة الذكر بل المهم هو التيقظ والمراقبة ويتحقق في الوقوف الزمني والعددي.

11- الوقوف القلبي:
قال الشيخ عبد الله الدهلوي: انه عبارة عن تنبه السالك لحال قلبه بمراقبته ومحاولة الاطلاع على انه ذاكر أم لا وعليه أن يتوجه بقلبه إلى ذاته سبحانه دون أن يتصور القلب، أو الاسم.

فالوقوف القلبي هو حراسة القلب لكي يذكر الله دائما ولا يغفل عنه ويكون القصد من الذكر، (المذكور لا الكلمة) وينتظر السالك البركة متوجها إلى السماء ومع أن الله سبحانه في كل مكان فان السماء بالاعتبار الإنساني هي مركز العلو والبركة.

ويرى الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند: إن الوقوف القلبي أفضل من الوقوف الزماني والوقوف العددي، ذلك انه مع أهمية الوقوفين الزمني والعددي لإستحصال البركات فان فقد إنهما لا يؤثر في السلوك الصوفي، ولكن الوقوف القلبي ضروري فان فقده السالك الذاكر وأصبح ذكره مجرد حركة اللسان أو القلب دون الوعي فانه لا يحصل على شيء.

متى سميت هذه الطريقة بالنقشبندية؟ و لماذا؟



إن الطريقة النقشبندية إتباع مطلق وكامل للدين الإسلامي الحنيف والسنة المطهرة. ومعلوم أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين تميز عن الآخرين بمداومة الذكر والعبادة والجهاد ولكن شرف الصحبة أعلى وأجمل لذلك سموا جميعا بالأصحاب وكذلك الأمر مع التابعين الذين ظهر الميل إلى العزلة الصوفية في عهدهم، فان لقب التابعين ظل هو السمة الأظهر للجميع وفي منتصف القرن الثاني الهجري بدأ وصف حياة العزلة والانزواء. وفي أواخر القرن الثاني الهجري أطلق الصوفي لأول مرة على العابدين الذين لم تخدعهم مغريات الدنيا وظلوا مستقيمين على العبودية المطلقة لله سبحانه كما كان كبار الأصحاب و التابعين.

ولاشك بعد هذا التحقيق في أن لباس الصوف الملائم لهذا الميل وهذه الحياة هو السبب في إطلاق اسم "الصوفي" على هؤلاء العابدين الناسكين في الزاوية المعزولة.

قالت رابعة العدوية شهيدة العشق الصوفي وهي في سكرات الموت لصاحبة لها: إذا مت اغسليني وكفنيني في عباءتي هذه التي من الصوف.

وفي كتاب تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار: 513 – 586 يقول: كان الحسن البصري لا يبدأ بالوعظ إلى أن تحضر رابعة العدوية

وكان يقول: إن بركة وعظي تأتي من هذه العجوز التي تغطي نفسها بالصوف. واقصد إن هذه المرأة الصوفية كانت تلبس الصوف مع إن البصرة حارة!!

وهنا مقصدان آخران من هذه المقدمة أولها:

أن اسم الطريقة ليس موجودا ومعروفا، والمتداول من الألقاب المميزة: الأصحاب والتابعون كما إن اسم المذاهب لم يكن موجودا أو معروفا ثم تجدد المذهب والطريقة باسم قادته وكبار مؤسسيها، فلولا أبو حنيفة والشافعي لما وجد المذهب الحنفي والشافعي ولولا عبد القادر الكيلاني وبهاء الدين النقشبندي لما وجدت الطريقة القادرية والنقشبندية.

ويقول أصحاب الطريقة النقشبندية أن طريقتهم كانت تسمى "الصدّيقية" نسبة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم سميت "الطيفورية" نسبة إلى أبي يزيد البسطامي واسمه طيفور. ولا يعني ذلك أن أبا بكر وعليا سمى مذهبا خاصا والمقصود أن السلسلة من ما تحلى بسيدنا أبو بكر الصديق بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "ما صب الله في صدري شيئا إلا و صببته في صدر أبي بكر" وهذا ليس بمادي بل حب معنوي يعني المعرفة والحكمة، وهي أسرار تسبب السعادة وتسمى هذه الحالة في علم التصوف، بـ (الضمنية) فيشاركه في هذه النعمة. وسميت بعد ذلك بالنقشبندية نسبة إلى بهاء الدين النقشبند.

وقد سميت هذه الطريقة أيضا بعد نقشبند باسم أشهر الرجال فيها، مثل عبيد الله الأحرار والإمام الرباني المجدد ومولانا خالد النقشبندي، فقيل، الأحرارية، المجددية، الخالدية، ويلاحظ أن أحدا منهم لم يستطع إخفاء اسم "النقشبند"، حتى الإمام الرباني، ولا تزال النقشبندية هي العلم: ولم يدع احد منهم أنهم وصلوا مقاما أعلى من مقامه، كما أن أحدا لم يدع الوصول إلى مقام الشيخ عبد القادر الكيلاني إلى الآن.


انتشار الطريقة


تنتشر الطريقة النقشبندية في جميع أنحاء العالم خصوصا في بلاد القوقاز وبخاري وسمرقند وتركمان صحراء في (الاتحاد السوفيتي) سابقا حيث أن سادات الطريقة النقشبندية من تلك البلاد.

وتنتشر الطريقة في معظم البلاد العربية خصوصا في بلاد الشام:

في دمشق ونواحيها الشيخ احمد كفتارو أطال الله بعمره (رحمه الله تعالى،حيث توفي بعد طباعة هذا الكتاب) , له الفضل في نشر الطريقة في منطقة الجزيرة الشيخ الخزنوي رحمه الله, كان له الفضل في نشر الطريقة في منطقة دير الزور الشيخ عبد الله أحرار كان له الفضل في نشر الطريقة في تلك المناطق في منطقة الرقة الشيخ محمد أمين الفواز أطال الله بعمره له الفضل الكبير في نشر الطريقة في منطقة حلب الشيخ بدر الدين حسونة له الفضل في نشر الطريقة في لبنان هنالك الآلاف من المريدين موزعين على جميع المناطق اللبنانية.

وفي العراق هنالك الآلاف من المريدين موزعين في جميع أنحاء العراق وخاصة بغداد ومنطقة طويلة مسقط رأس الشيخ عثمان سراج الدين الأول وضريحه هنالك وبيارة الشريفة حيث ضريح الشيخ محمد علاء الدين والشيخ عمر ضياء الدين والشيخ نجم الدين, ومنطقة السليمانية حيث يوجد الآلاف من المريدين
ahmed1981
2008/03/21
ثالث و عشرون: بشر الحافى

كنيته: بشر الحافي

اسمه : هو أبو نصر بشر بن الحارث الحافي أصله من مرو وقد سكن بغداد ومات فيها وكان كبير الشأن من أغني أغنياء بغداد وقد كان قمّاراً خمّاراً زمّاًرا وكان لا يتورع عن فعل المنكرات والمحرمات الكبيرة

أسباب توبته

حدث يوماً أن كان الإمام الكاظم ماراً من أمام بيت بشر وكانت أصوات اللهو والطرب تملأ المكان فصادف أن فتحت جارية باب الدار لإلقاء بعض الفضلات وحين رمت بها في الطريق سألها الإمام............... ?

قائلاً : يا جارية....! هل صاحب هذه الدار حر أم عبد.......؟!

فأجابته الجارية وهي مستغربة سؤاله هذا بشر رجل معروف بين الناس

وقالت: بل هو حر............!!

فقال الإمام : صدقتي لو كان عبداً لخاف من مولاه

قال الإمام قال هذه الكلمة وانصرف.

فعادت الجارية إلى الدار وكان بشر جالساً إلى مائدة الخمر

فسألها: ما الذي أبطأك....... ؟ فنقلت له ما دار بينها وبين الإمام وعندما سمع ما نقلته من قول الإمام صدقت لو كان عبداً لخاف من مولاه . اهتز هزاً عنيفاً أيقظته من غفلته وأيقظته من نومته نومة الغفلة عن الله.

ثم سأل بشر الجارية عن الوجهة التي توجه إليها الإمام فأخبرته فانطلق يعدو خلفه حتى أنَّه نسي أن ينتعل حذاءه وفعلاً ذهب إلى منزل الإمام فتاب على يده واعتذر وبكى ثم هوى على يدي الإمام يقبلها

وهو يقول: سيدي أريد من هذه الساعة أن أصبح عبداً ولكن عبداً لله لا أريد هذه الحرية المذلة التي تأسر الإنسانية فيّ وتطلق العنان للشهوة الحيوانية لا أريد حرية السعي وراء الجاه والمنصب لا أريد حرية الخوض في مستنقع الذنوب وأغدوا أسيراً لها. لا أريد أن تؤسر فيّ الفطرة السليمة والعقل السليم

ومن هذه الساعة أريد أن أصبح عبداً لله ولله وحده حراً تجاه غيره.

وتاب بشر على يد الإمام الكاظم. ومنذ تلك اللحظة هجر الذنوب ونأى عنها وأتلف كل وسائل الحرام، وأقبل على الطاعة والعبادة.

ومن أسباب توبته أيضا

أنه أصاب في الطريق ورقة مكتوب فيها اسم الله عز وجل وقد وطئتها الأقدام

فأخذها وإشترى بدرهم كان معه نوع من الطيب فطيب بها الورقة وجعلها في شق

حائط فرأى فيما يرى النائم كأنّ

قائلا يقول: يقول لك إلهك: يا بشر طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة .






بشر بن الحارث الحافي

يكنى أبا نصر ولد في سنة خمسين ومائة.

عن أيوب العطار قال قال لي بشر بن الحارث الحافي احدثك عن بدو امري بينا أنا امشي رأيت قرطاسا على وجه الأرض فيه اسم الله تعالى فنزلت إلى النهر فغسلته وكنت لا املك من الدنيا إلا درهما فيه خمسة دوانق فاشتريت بأربعة دوانيق مسكا وبدانق ماء ورد وجعلت اتتبع اسم الله تعالى واطيبه ثم رجعت إلى منزلي فنمت فاتاني آت في منامي فقال يا بشر كما طيبت اسمي لاطيبن اسمك وكما طهرته لاطهرن قلبك.

وعن محمد بن بشار قال سمعت بشر بن الحارث يقول أنا لله عشت إلى زمان ان لم اعمل فيه بالجفاء لم يسلم ديني.
وعن الحسين بن محمد البغدادي قال سمعت أبي يقول زرت بشر بن الحارث فقعدت معه مليا فما زادني على كلمة قال ما اتقى الله من أحب الشهرة وعن أحمد بن نصر قال كنا قعودا قدام بشر بن الحارث نفسين قال فجاء الثالث فقام فدخل.
وعن أحمد بن الفتح قال سمعت بشرا يقول بعث إلى عاصم بن علي بأبي زكريا الصفار فقال يا أبا نصر ان أبا الحسن يقرأ عليك السلام ويقول قد اشتد شوقي إليك حتى لقد كدت ان اتيك من غر إذن فعلمت كراهيتك لمجيء الرجال فان رأيت ان تاذن لي فاتيك لاسلم عليك فلعل الله ان ينفعني برؤيتك قال فقلت له قد فهمت رسالة الشيخ فابلغه السلام وقل له لا تأتني فان في مجيئك الي شهرة علي وعليك.


وعن أبي حفص عمر بن موسى قال سمعت بشر بن الحارث يقول لقد شهرني ربي في الدنيا فليته لا يفضحني في القيامة ما اقبح بمثلي يظن في ظن وأنا على خلافه إنما ينبغي لي ان اكون اكثر ما يظن بي اني اكره الموت وما يركه الموت إلا مريب ولولا اني مريب لاي شيء اكره الموت.

وقال أحمد بن الصلت سمعت بشر بن الحارث يقول غنيمة المؤمن غفلة الناس عنه واخاء مكانه عنهم.

أبو بكر محمد بن الفياض قال سمعت زريقا الدلال يقول سمعت بشر بن الحارث يقول اللهم استر واجعل تحت الستر ما تحب فربما سترت على ما تكره قال ثم التفت الي فقال يا أخي بادر بادر فان ساعات الليل والنهار تذهب الاعمال.
وعن محمد بن يوسف الجوهري قال سمعت بشر بن الحارث يقول يوم ماتت أخته ان العبد إذا قصر في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه.

وعن محمد بن قدامة قال لقى بشر بن الحارث رجل سكران فجعل يقبله ويقول يا سيدي يا أبا نصر ولا يدفعه بشر عن نفسه فلما ولى تغرغرت عينا بشر وقال رجل أحب رجلا على خير توهمه لعل المحب قد نجا والمحبوب لا يدري ما حاله.
وقال رجل رأيت بشر بن الحارث وقف على أصحاب الفاكهة فجعل ينظر.

فقلت يا أبا نصر لعلك تشتهي من هذا شيئا قال لا ولكن نظرت في هذا إذا كان يطعم هذا من يعصيه فكيف من يطيعه.
وعن أبي بكر المروزي قال سمعت بعض القطانين يقول اهدى الي استاذي رطبا وكان بشر يقيل في دكاننا في الصيف فقال له استاذي يا أبا نصر هذا من وجه طيب فان رأيت ان تأكل قال فجعل يمسه بيده ثم ضرب بيده إلى لحيته وقال ينبغي ان استحي من الله اني عند الناس تارك لهذا وآكله في السر? وعنه قال سمعت أبا حفص ابن أخت بشر قال سمعت بشرا يقول ما شبعت منذ خمسين سنة.

وعنه قال سمعت قرابة بشر الحافي يقول قدم بشر بن عبادان ليلا أو قال من سفر وهو متزر بحصير.
عن يحيى بن عثمان قال كان لبشر بن الحارث في كل يوم رغيف.

قال وقال لي بشر كان لي سنور فكنت إذا وضعت طعامي بين يدي جاءت فعيناها في عيني فآكل وارمي لها قال فقلت اليك عني تأكلين قوتي.

وعن أبي بكر بن عثمان قال سمعت بشر بن الحارث يقول اني لاشتهي شواء منذ أربعين سنة ما صفا لي درهمه.
وعن أبي عمران الوركاني قال تخرق ازار بشر فقالت له أخته يا أخي قد تخرق إزارك وهذا البرد فلو جئت بقطن حتى اغزل لك قال فكان يجيء بالاستارين والثلاثة قال فقالت له يا أخي ان الغزل قد اجتمع افلا تسلم ازارك قال فقال لها هاتيه قال فأخرجته الي فوزنه فأخرج ألواحه فجعل يحسب الاساتير فلما رآها قد زادت فيه قال لها كما افسدته فخذيه.
وعن الحسن بن عمرو بن الجهم قال سمعت أبا نصر التمار يوم مات بشر يقول لولا ان بشرا قد مات ما حدثتكم بهذا.
اتاني ليلة فقلت يا أبا نصر الحمد لله الذي جاء بك جاءنا قطن من خراسان فغزلته الابنة وباعته لفلان واشترت به لحما وأشياء على ان افطر عليه فالحمد لله الذي جاء بك فقال يا أبا نصر لا تكثر علي فلو أكلت عند أحد من أهل الدنيا أكلت عندك ثم قال اني لاشتهي الباذنجان منذ ثلاثين عاما. قلت فإن فيها باذنجانا. فقال: حتى تصفو لي حبة الباذنجان من أي هي? وعن إبراهيم بن هاشم قال سمعت بشر بن الحارث يقول اني لاشتهي شواء ورقاقا منذ خمسين سنة ما صفا لي درهمه.

الفتح بن شحرف قال قال عمر ابن أخت بشر سمعت خالي بشرا يقول لأمي جوفي وجع وخواصري تضرب علي فقالت له أمي ائذن لي حتى أصلح لك قليل حسا بكف دقيق عندي تتحساه يرم جوفك فقال لها ويحك أخاف ان يقول من أين لك هذا الدقيق فلا ادري أي شيء اقول له فبكت أمي وبكى معها وبكيت معهم.

قال عمر ورأت أمي ليلة ما به من شدة الجوعت وجعل يتنفس تنفسا ضعيفا فقالت له أمي يا أخي ليت امل لم تلدين فقد والله تعطع كبدي مما ارى بك.

فسمعته يقول لها وأنا فليت امك لم تلدني وإذ قد ولدتني لم يدر لها ثدي علي.

قال عمر وكانت أمي تبكي عليه الليل والنهار.

عبد الله بن خبيق قال رجل لبشر ما لي اراك مغموا قال ما لي لا اكون مغموما وأنا رجل مطلوب.
وعن أبي الحسن أحمد بن محمد الزعفراني قال سمعت أبي يحكي عن بشر انه قال ربما رفعت يدي في الدعاء فاردها أو قال فاستلها.
اقول إنما يفعل هذا من له عنده وجه.


صفحة : 253

وعن الفتح به شحرف قال كنت جالسا عند بشر إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فاطرق مليا ثم رفع رأسه ثم اطرق ثم رفع رأسه فقال اللهم انك تعلم اني أخاف ان أتكلم اللهم انك تعلم اني أخاف ان اسكت اللهم انك تعلم اني أخاف ان تأخذني فيما بين السكوت والكلام.

وعن زبدة أخت بشر بن الحارث قالت دخل بشر علي ليلة من الليالي فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارج الدار وبقي كذلك يتفكر حتى أصبح فلما أصبح قلت له في ماذا تفكرت طول الليلة قال تفكرت في بشر النصراني وبشر إليهودي وبشر المجوسي ونفسي واسمي بشر فقلت ما الذي سبق منك حتى خصك فتفكرت في تفضله علي وحمدته علي ان جعلني من خاصته والبسني لباس أحبائه.

وعن أحمد بن نصر قال سمعت بشرا يقول يا مازني ليت لا يكون حظي من الله هذا الذي يقول الناس بشر بشر و رأيت اشفار عينيه قد ذهبت من البكاء وعن الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول لو علمت ان رضاه ان اشد في رجلي حجرا ثم القي نفسي في البحر لفعلت.

وعن عباس بن دهقان قال قلت لبشر بن الحارث أحب ان اخلو معك قال إذا شئت فبكرت يوما فرأيته قد دخل قبة فصلى فيها أربع ركعات لا احسن ان أصلي مثلها فسمعته يقول في سجوده اللهم انك تعلم فوق عرشك ان الذل أحب الي من الشرف اللهم انك تعلم فوق عرشك ان الفقر أحب الي من الغنى اللهم انك تعلم فوق عرشك اني لا اوثر على حبك شيئا فلما سمعته أخذني الشهيق والبكاء فلما سمعني قال اللهم انك تعلم اني لو اعلم ان هذا ههنا لم أتكلم.

وقال أحمد بن حنبل والله ان بين اظهركم رجلا ما هو عندي بدون عامر بن عبد الله يعني بشر بن الحارث.
وعن أحمد بن عبد الله بن خالد قال سئل أحمد بن حنبل عن مسألة في الورع فقال أنا استغفر الله لا يحل لي ان أتكلم في مسألة في الورع أنا أكل من غلة بغداد.

لو كان بشر بن الحارث صلح ان يجيبك عنه فانه كان لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد يصلح ان يكلم في الورع.
وعن أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن المروزي قال سمعت بشرا يقول ان الجوع يصفي الفؤاد ويورث العلم الدقيق وسمعت بشرا يقول طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره.

وعن أحمد بن الصلت قال سمعت بشر بن الحارث يقول حادثوا الامال بقرب الاجال.

وعن أبي بكر الباقلاوي قال سمعت أبي يقول سمعت بشر بن الحارث ونحن معه بباب حرب واراد الدخول إلى المقبرة فقال المةنى داخل السور اكثر منهم خارج السور.

وعن أحمد بن الصلت قال سمعت بشر بن الحارث يقول ليس من المودة ان تحب ما يبغض حبيبك.

وعن عمرو بن موسى بن فيروز قال رأيت بشرا ومعه رجل فتقدم إلى بئر ليشرب منها فجذبه بشر وقال تشرب من البئر الأخرى حتى جاوز ثلاثة ابار فقال له الرجل أبا نصر أنا عطشان فقال له بشر اسكت فهكذا ندفع الدنيا.

وعن إبراهيم الحربي قال سمعت بشر بن الحارث يقول بحسبك ان اقواما موتى تحيا القلوب بذكرهم وان أقواما أحياء تعمى الأبصار بالنظر إليهم.

وعن عمرو بن موسى الأحول قال سمعت بشرا يقول يكون الرجل مرائيا في حياته مرائيا بعد موته قيل كيف يكون مرائيا بعد موته قال يحب ان يكثر الناس على جنازته.

وعن الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد ثم قال ذاك يركب ويرجع ويراه الناس وهذا يعطي سرا لا يراه إلا الله عز وجل.

وسمعت بشرا يقول ما اقبح ان يطلب العالم فيقال هو بباب الأمير.

وعن أبي عبد الله الاسدي قال قال لي بشر الحافي يوما:

قطع الليالي مع الأيام في خـلـق والنوم تحت رواق الهم والقـلـق
أحرى واعذر لي من ان يقال غـدا اني التمست الغنى من كف مختلق
قالوا قنعت بذا قلت القنوع غـنـى ليس الغنى كثرة الاموال والـورق
رضيت بالله في عسري وفي يسري فلست اسلك إلا اوضح الـطـرق

رحل بشر بن الحارث رضي الله عنه في طلب العلم إلى مكة والكوفة والبصرة وسمع من وكيع وعيسى بن يونس وشريك بن عبد الله وابي معاوية وابي بكر بن عياش وحفص بن غياث واسماعيل بن علية وحماد بن زيد ومالك بن انس وابي يوسف القاضي وابن المبارك وهشيم والمعافى بن عمران والفضيل بن عياض وابي نعيم في خلق كثير.
غير انه لم يتصد للراوية فلم يضبط عنه من الحديث إلا اليسير.


صفحة : 254

وقد ذكرنا ما وقع الينا من حديثه وأخباره في كتاب افردناه لمناقبه وأخباره فلذلك اقتصرنا ههنا على ما ذكرنا.

وتوفي رضي الله عنه عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الاول وقيل لعشر خلون من المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين وقد بلغ من العمر خمسا وسبعين سنة وقيل سبعا وسبعين.

عن يحيى بن عبد الحميد الحماني قال رأيت أبا نصر التمار وعلي بن المديني في جنازة بشر بن الحارث يصيحان هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة.

وذلك ان بشرا خرجت جنازته بعد صلاة الصبح ولم يجعل في القبر إلا في الليل وكان نهارا صائفا ولم يستقر في القبر إلى العتمة.
وعن الكندي قال رأيت بشر بن الحارث في النوم فقلت له ما فعل الله بك فقال غفر لي واقعدني على طيار من لؤلؤة بيضاء وقال لي سر في ملكي.

وعن الحسن بن مروان قال رأيت بشر بن الحارث في المنام فقلت يا أبا نصر ما فعل الله بك قال غفر لي وغفر لكل من تبع جنازتي قال قلت ففيم العمل قال افتقد الكسرة.

وقال ابن خزيمة لما مات أحمد بن حنبل بت من ليلتي فرأيته في النوم فقلت له ما فعل الله بك قال غفر لي وتوجني والبسني نعلين من ذهب وقال لي يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي قلت فما فعل بشر فقال لي بخ بخ من مثل بشر تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام والجليل مقبل عليه وهو يقول له كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب وانعم يا من لم ينعم رحمه الله ورضي عنه.



(صفة الصفوة لامام أبن الجوزي)


وفي البداية والنهاية لامام ابن كثير الشافعي:

بشر الحافي
الزاهد المشهور ، وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي نزيل بغداد .

قال ابن خلكان وكان اسم جده عبد الله بعبور ، أسلم على يدي علي بن أبي طالب قلت : وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة ، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد ، وعبد الله بن المبارك ، وابن مهدي ، ومالك ، وأبي بكر بن عياش ، وغيرهم .

وعنه جماعة ؛ منهم أبو خيثمة زهير بن حرب ، وسرى السقطي ، والعباس بن عبد العظيم ، ومحمد بن حاتم .
قال محمد بن سعد : سمع بشر كثيرا ، ثم اشتغل بالعبادة ، واعتزل الناس ولم يحدث ، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهده وورعه ونسكه وتقشفه .

قال الإمام أحمد يوم بلغه موته : لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس ، ولو تزوج لكان قد تم أمره ، وقال إبراهيم الحربي ما أخرجت بغداد أتم عقلا ، ولا أحفظ للسانه منه ، ما عرف له غيبة لمسلم ، وكان في كل شعرة منه عقل ، ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء ، وما نقص من عقله شيء .

وذكر غير واحد : أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره ، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال : سيدي اسمك هاهنا ملقى يداس ! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية ، وضمخ تلك الرقعة منها ، ووضعها حيث لا تنال فأحيا الله قلبه ، وألهمه رشده ، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة .
ومن كلامه : من أحب الدنيا فليتهيأ للذل . وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له : بماذا تأتدم ؟ فقال : أذكر العافية فأجعلها أدما . وكان لا يلبس نعلا بل يمشي حافيا ، طرق يوما بابا ، فقيل : من ؟ فقال بشر الحافي فقالت جارية صغيرة : أما وجد هذا دانقين يشتري بهما نعلا ويستريح من هذا الاسم . قالوا : وكان سبب تركه النعل أنه جاء إلى حذاء ، فطلب منه شراكا لنعله ، فقال له : ما أكثر كلفتكم على الناس ! فطرح النعل من يده ، وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا .
قال ابن خلكان وكانت وفاته يوم عاشوراء . وقيل في رمضان ببغداد . وقيل : بمرو . قلت : الصحيح ببغداد في هذه السنة . وقيل : في سنة ست وعشرين . والأول أصح . والله أعلم .

وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم ، فأخرج من بعد صلاة الفجر ، فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة ، وكان علي بن المديني ، وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة : هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخره . وروي أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكن فيه ، وأنه رآه بعضهم في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ، ولكل من شهد جنازتي ، ولكل من أحبني إلى يوم القيامة .

وذكر الخطيب البغدادي أنه كان له أخوات ثلاث ؛ وهن مخة ، ومضغة ، وزبدة ، وكلهن عابدات زاهدات مثله ، وأشد ورعا أيضا . ذهبت إحداهن فاستأذنت على أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، فقالت : إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل ، فإذا كان ضوء القمر غزلت فيه فعلي عند البيع أن أميز هذا من هذا ؟ فقال لها : إن كان بينهما فرق فأعلمي به المشتري ، وقالت له مرة إحداهن : ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات ، فخلصني من ذلك ، فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار . وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى ؟ قال : لا ، إنما هو شكوى إلى الله عز وجل ، ثم خرجت . فقال لابنه عبد الله : يا بني اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة ؟ قال عبد الله : فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر الحافي وإذا هي أخته .

، وروى الخطيب البغدادي أيضا عن زبدة قالت : جاء ليلة أخي بشر ، فدخل برجله في الدار ، وبقيت الأخرى خارج الدار ، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح ، فقيل له : فيم تفكرت في بشر النصراني ، وبشر اليهودي ، وبشر المجوسي ، وفي نفسي واسمي بشر فقلت : ما الذي سبق منك حتى خصك بالإسلام من بينهم ؟ فتفكرت في تفضيله علي ، وحمدته على أن جعلني من خاصته ، وألبسني لباس أحبابه .

وقد ترجمه الحافظ بن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير ملال ، وقد ذكر ابن عساكر أشعارا حسنة ، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات
تعـاف القـذى فـي الماء لا تستطيعه

وتكـرع مـن حوض الذنوب فتشرب

وتؤثــر مـن أكـل الطعـام ألـذه

ولا تذكـر المختـار مـن أين يكسب

وترقـد يـا مسـكين فـوق نمـارق

وفـي حشـوها نـار عليـك تلهـب

فحــتى متــى لا تسـتفيق جهالـة

وأنـت ابـن سـبعين بـدينك






لأنى وجدته عالما .. فاهماً .. ووجدت ان ما سبق لا يُكفيه حقه .. فاردت ان استزيدكم .. لنرى كيف سبق هؤلاء في الطريق
وكذلك لتبيين انه لم يكن فقط زاهداً .. متقشفاً .. جائعاً .. حافياً ..!!!

والله كأنى اذهل كلما توغلت في سيرة هذا العالم الجليل .. وعندما تقرأوا ستفهموا ما فهمته انا ايضاً !!



المُستغنى ...

كانت فكرة الإستغناء تشكل جماع تفكيره الصُوفي وهى تعنى الاستغناء بالله عن كل شيء عداه ..
فإيمانه بالله هو مصدر وجوده , قوه استمراره وبه يجد سعادته الوحيده المنشوده .. ولقد اختار باستغنائه بالله وايمانه التام به وتوكله المطلق عليه واضح السبيل
وقد جمع استغناؤه بالدنيا والمال في أبيات شـعـر كان يقولها مُبيناً غناه وسعادته في تصوفه ..


وكما تميز الصوفيه بعدم الإنخداع للدنيا فإن بشرا الحافي كان يدعو الى الاستغناء عن الدنيا التى تدخر للمرء (مهما منحته لـذتها ) ساعه الذبح .. ولذلك فاليأس منها هو امكانية تجاوزها.
وقد يرى المتصوفه البعد المأساوى في الفصل الاخير من علاقة الدنيا بالإنسان , فصل الموت , او يرى البعد الماساوى اليومي الماثـل في عذابات الفقر والحرمان في ظل جور اهل الزمان من الامراء والاغنياء والتجار الجشعين الذين يجعلون الرزق الحلال اشد واصعب الصوبات

فاعتياد النفس على اليأس مع اوضاع الدنيا المأساويه في حين يجلب الانخداع بها عذابات مضاعفه ..
وقد دمج بشر الحافي هذا اليأس بجوهر تفكيره الصوفى الداعي الى التفرغ الى العبوديه والطاعه في حضرة الله .. فالغنى هو الاستغناء باليأس كما قال في هذه الابيات :



أقسم بالله لرضخ النوى وشرب ماء القـُلبُ المالحه

أعز للإنسان من حرصه ومن سؤال الأوجه الكالحه

فاستغن باليأس تكن ذا غنا مغتبطا بالصفقة الرابحه

اليأس عــزٌ والتُقى سؤدد ورغبة النفس لها فاضحه

من كانت الدنيا به برّةً فإنها يوما لـه ذابـحه


فمبدؤه الاستغناء عن الناس عز المؤمن .. وتُعد رسالة بشر الى على بن خُشرم تلخيصاً وافيا لتقواه وزهده واستغناؤه عن الناس وعن الدنيا وعن الجاه وعن الثروه.. فهى الرساله المُشبعه بالحكمة الصوفيه وبالموعظة الجليله التى تناسب تجربة المؤمن الصُوفي الورع .

فهى خلاصة خبره حياة صوفيه وانسانيه معاً ترتكز على محور الإيمان والتضرع لله وعدم الابتلاء بالشهره وبأغوار الدنيا التى قد تُنسي النور الالهى

وحين ينوه بشر الحافي بالعُزله فإنه يقرن ذلك بنوع المرحله التى يعيش فيها فهو يقول " وارى ان الفضل اليوم ما هو إلا في العُزله "

ولأهمية الرساله ..سأنقلها لكم

الى ابى الحسن على بن خشرم.. السلام عليك :

فإنى احمد إليك الله الذي لا اله الا هو, اما بعد ,فانى أسأل الله ان يتم ما بنا وبكم من نعمة وان يرزقنا واياكم الشكر على احسانه

وان يُميتنا ويحيينا واياكم على الاسلام ,وان يسلم لنا ولكم خلفا من تلف , وعوضا من كل رزيه , أوصيك بتقـوى الله يا علي ولزوم أمره والتمسك بكتابه, ثم اتباع آثار القوم الذين سبقونا بالإيمان وسهلوا لنا السُبل فاجعلهم نصب عينيك ,
واكثر من عرض حالاتهم عليك تأنس بهم في الخلاء , ويغنوك عن مشاهدة الملأ فمثل حالهم كأنك تشاهدهم فمجالسة أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أوفق في مجالسة الموتى ,

ومن يرقب عنك زلتك وسقطتك إن قدر عليها , فإن لم يقدر عليها جعل جليساً ان رآه عندك عيبك فرماك بما لم يره الله منك , واعلم علمك الله الخير وجعلك من اهله ان اكثر عمرك فيما ارى قد انقضى ومن يرضى حاله قد مضى وانت لاحق بهم ,

وانت مطلوب ولا تعجز طالبك وانت أسير في يديه وكل الخلق في كبريئه صغير وكلهم إليه فقير , فلا يشغلنك كثرة من يحبك وتضرع اليه ذليل الى عزيز وفقير الى غني وأسير لا يجد ملجأ ولا مـقرا يفـر اليه عنا .

وخائف مما قدمت يداه غير واثق على ما يقدم , لا يقطع الرجاء , ولا يدع الدعاء ولا يأمن من الفتن والبلاء, فلعله ان رآك كذلك عطف عليك بفضله وأمدك بمعونته

وبلغ بك ما تامل من عـفـوه ورحمته فافزع اليه في نوائبك واستعنه على ما ضعفت عنه قوتك فإنك اذا فعلت ذلك قربك بخضوعك له ووجدته اسرع اليك من أبويك , وأقرب اليك من نفسك, وبالله التوفيق.

واياك أسأل خير المواهب لنا ولك واعلم يا علي ان من ابتلي بالشهرة ومعرفة الناس فمصيبته جليله , فجبرها بالخضوع والاستكانه والذُل لعظمته , وكفانا وإياك فتنتها وشر عافيتها ,

فانه تولى ذلك من أوليائه ومن أراد توفيقه, وارجع الى أقرب الامرين بك , والى ارضاء ربك, ولا ترجعن بقلبك إلى محمدة اهل زمانك ولا ذمهم فان كان من يتقي ذلك منه قد مات

وإنارة احياء القلوب من صالح اهل زمانك , فتوار مما لا يُستضاء فيها بنور الله ولا يستعمل فيها إلا من عصم الله , ولا تبال بمن تركك منهم , ولا تأس على فقدهم ,

واعلم ان حظك في بعدهم أوفر من حظك في قربهم وحسبُك الله فاتخذه أنيساً ففيه الخلف منهم.

فاحذر اهل زمانك , وما العيش مع من يُظن به في زمانك الخير ولا مع من يسيئ به الظن خير !!!!

وما ينبغى أن يكون طلعة : ابغـض الى عاقـل تهمة نفسه من طلعة إنسان في زمانك لأنك منه على شرف فـتـنه ان جالسته , ولا تامن البلاء إن جانبته ,
وللموت في العُـزلة خير من الحياه , وان ظن رجل انه ينجو من الشـر يأمن خوف فـتنه فلا نجاة له ان امكنتهم من نفسك .. آثموك وان جانبتهم اشركوك ..
فاختر لنفسك واكره لها ملابستهم وارى ان الفضل اليوم ما هو إلا في العزله لأن السلامة فيها وكفى بالسلامة فضلا

اجعل اذنك عما يُؤثمك صماء وعينك عنه عمياء, احذر سوء الظن فقد حذرك الله تعالى ذلك وذلك بقوله تعالى "ان بعض الظـن إثم " والسلام عليكم



عن حلية الاولياء ج 8 لأبي نعيم الاصبهانى


ومن اقواله ..رضى الله عنه

" لا ينبغى لأحد ان يذكر شيء من الحديث في موضوع يكون له حوائج من الدنيا يريد ان يتقـرب به ولا يذكر العلم في موضوع ذكر الدنيا وقد رأيت مشايخ قد طلبوا العلم للدنيا فافتضحوا وآخرين طلبوه فوضعوه مواضعه وعملوا به وقاموا به فأولئك سلموا فنفعهم الله تعالى "

ان دعوته الى ربط العلم بعمل الخير وبالهدف الإنسانى وبتزكية النفس وبناء المجتمع بناءً إسلاميا سليما, هى الفكره التى ثابر على المناداة بها وبسببها شن حملة على زمرة العلماء الذين يتعاركون ويتزاحمون حول المطامع الدنيويه الرخيصه
ولقد نعى على العصر - عصره – فقدانه الرجال العاملين بالمعروف والناهين عن المنكر فطردت العُمله الرديئه العمله الجيده تعبيرا عن ازمة العقل والعقلاء وهيمنة الأشياء الزائفه فكان يُسمع
قائلاً رضي الله عنه

ذهب الرجال المُرتجى لفعالهم والمنكرون لكل امرٍ منكر
وبقيت في خـلفٍ يزّين بعضهم بعضا ليدفـعَ مـِعـورٌ عن معور

وليس من عجب ان يقول بعد هذا "شاطرٌ سخيٌ احب إلىَّ من قارئ لئيم "

وكان من طبيعة الحياه حينئذ انها تسمح الاستغناء عن علماء السوء وفقهاء الأمراء وتجار العلم ومحترفي الكلمه .
وفي معرض ادانته لظاهرة توظيف العلم في خدمة الطبقات المستغله ..

اصبح متشددا في رواية الحديث ولذلك لم يُنقل عنه من الحديث إلا القليل وكان يلوم المُكثرين منه ويقول طأدوا زكاة الحديث , فاستعملوا من كل مائتى حديث خمسة احاديث "

فهو يدعو إلى الغربله والتدقيق لإنتشال الصحيح من الأحاديث , كما انه يدعو الى تلاؤم رواية الحديث مع تطبيقه فالعمل بالحديث الصحيح هو المقياس وليس الامر أمر روايه.

ان زهده في رواية الحديث تعكس حذره من الالتباس والاختلاط وإصراره على الدقه والالتزام ..
مع التزامه بالمعارف , قضى زمناً طويلاً في طلب العلم من مصادره الرئيسيه ..سبق ذكرها

ولقد كان يكبح رغبه الحديث حسب طبيعته في معاكسة هواه .

قال رجل لبشر لما لا تُحدث ؟قال: انا اشتهى أحدث ,وإذا اشتهيت شيئا تركته ..
الخطيب البغدادى "تاريخ بغداد" ج7

كان بشر نموذجا للحكيم العاقل , معترفاً به اتم عقلا واكثر رجحانا من سواه .

وقد استغنى عن كتبه التى ألْـفـّها .. "لأن الآخره أنسته كل ما هو ليس بسلاح الآخره"
قال " وان لي كتـباً كثيره قد ذهبت واراها توطأ ويُرمى بها فما آخذها وانى لأهم بدفنها وانا حيّ صحيح .. "!!!

وبوحى من مبادئه الإسلاميه كانت افكاره تحث على العمل واكتساب الرزق الحلال فكان يقول "انظر خبزك ولا تعرض لحمك للنار "

وكانت لديه توجيهات يدعو فيها إلى الإقتصاد في النفقه قال يوصى أحد أصحابه " عليكم بالرفق و الإقتصاد في النفقه فلأن تبيتوا جياعاً ولكم مال خير منان تبيتوا شباعاً وليس لكم مال .."

ويبدومن ذلك انه كان مُتاثرا بأفكار القُطب الصوفي سفيان الثوري شأنه شأن معروف الكرخي غير انه يختلف عن معروف في حضور ولائم الطعام وقبول الهدايا .

فمعروف الكرخي كان يقبل ما يُهدى إليه من طيبات الطعام فيأكل منها في حين يروى عن بشر بن الحارث انه كان مدعواً , فوضع بين يديه طعام , فجهد ان يمد يده فلم تمتد ثم جهد ثلاث مرات فقال رجل ممن كان يعرفه : ان يده لا تمتد الى طعام حرام أو فيه شُبهه, ما اغنى صاحب هذه الدعوه ان يدعو هذا الرجل الى بيته "

قيل لمعروف الكرخي "إن اخاك بشرً لا يأكل من هذا فيقول "اخي بشر قد قبضه الورع وانا بسطتنى المعرفه وإنما انا ضيف في بيت مولاي إذا أطعمنى أكلت وإذا جوعنى صبرت , مالي والإعتراض والتخير ."

ويظهر من الروايات انه كان يقف على احوال السوق مستفسراً عن اسعار الدقيق التى كان يهمه امرها , لأن التلاعب بالاسعار هو شر انحراف عن الصراط الإسلامي العادل .

جاء في الروايه انه خرج الى السوق "فما مرّ بواحد أو اكثر الا رفع صوته وقال السلام عليكم ثم وقف على رجل دقلق فسأله عن سعر الدقيق بالامس فقال ناقص فأبشر يا أبا نصر , فحمد الله و اخذ "
ابو نعيم الاصبهانى حلية الاولياء ج8

وقد يُذكـّر بالموت لإستبعاد هم الغلاء "اذا اهتممت لغلاء السعر فاذكر الموت فإنه يُذهب عنك هو الغلاء "

ورع بشر ..

ان احتماءه بالاستغناء عن الدنيا وزهده بها هو تحقيق للإيمان القلبي الذي أظهر معانيه ومعالمه في سلوكه الورع فتحقيق الإيمان حد تطابق بين الظاهر والباطن إذ لا مجال للخدعه والمُخادعه قال

وليس من يروق لي دينه يغـرني يا صاح تبريقه
من حقق الإيمان في قلبه يوشك أن يظهر تحقيقه

فاللإيمان القلبي نبته طاهره في قلب طاهر , ثمرته سلوك ظاهر فكار بشر يرى في إصلاح السريره أساساً وقاعده فقال " أصلح سريرتك واعبده حيث شئت "

وكان اول ما عـمل للحفاظ على هذه المُضغه(القلب) اخضاع النفس للمحاسبه فهو يلجأ الى معاندة ومعاكسة هوى النفس إذلالاً لها , كيما تكون بيد التوكل سائرة في ركـب الطاعـه وقد اشتهر بش بالمعاكسه فكان اذا حلّـت به رغبة الكلام صمت واذا حلت به رغبة الصمت تكلم.

عن طريق تخفيف السيطره الذاتيه التى تمكنه من تطبيق برنامجه الإنضباطي الـمريـر.

وكان يدعو الى اتباع التمارين الأولى في تحقيق الثقه بالذات لإمتطاء صهوتها بإرادة الطاعه لله ورفض كل أشكال المعصيه وفي مقدمتها عدم الاستسلام لأنطباع الناس فمعاكسة هذا الانطباع, مثل معاكسة رغبات الذات ليس دليلاً على المروق بل دليل على الإيمان باإراده الحره , ذلك الإيمان الذي لا يحتاج إلى تزكية من أحد.

قال كلمه ذات معنى كبير,
حيث الاطمئنان الى حقيقة النفس العميقه بدلالتها هى لا بدلالة تصديق الناس بذلك وان ارباك انطباعات الناس والسير – بصلابه – على طريق الإهتداء الداخلي العميق , هو خطوه في بدء طريق لا نهايه لخطواته.

قال "ان استطعت ان تكون في موضع يحسبون انك لص فافعـل , وان استطعت ان تـزيد ولا تنقص "
حلية الاولياء ج8

فالحريه مرهونة بارادته الشخصيه وبقـراره هو لا بإقرار الآخرين فكان تعويل الحافي على الحريه, رفعاً للحجاب بين النفس والنفس ذلك الحجاب الذي هو مجموعه من احكام البيئه الاجتماعيه وتقاليدها الموروثه وشروطها القاسيه .

والحريه المقصوده هى التخلى عن الانسان المصنوع بالعوده الى الانسان المطبوع " يقصد الفطره " بجوهـره الانسانى الصحيح قال بشر لتلميذه السرى السقطى "ان الله خلقك حراً , فكن كما خلقك, لا تُــرائي اهلك في الحضر ولا رفقتك في السفـر , اعمل لله ودع الناس عنك ."
دائرة المعارف الاسلاميه مادة تصوف

ان اساس زهد بشرالحافي ورعه ,., وقد أقـر له الخليفه المأمون بالورع قال "لم يبق في هذه الكوره احد يُستحى منه غير هذا الشيخ بشر بن الحارث "
ابو عبد الرحمن السلمي

وشهد له بذلك أحمد ابن حـنـبـل .. وكان يغـتبط لتقـييم بشـر بن الحارث- في موقف ما - ويقول الحمد لله الذي ارضى بشراً بما صنعـناه

ويروى محمد ابن المثنى انه سأل أحمد بن حنبل : ما تقول في هذا الرجل ؟ فقال أي الرجال ؟ فقلت له : بشر فقال : سألتنى عن رابع سبعة من الابدال أو عامر بن قيس .
ما مثله عندى إلا رجل ركز رمحاً في الارض ثم قعد على السنان فهل ترك لأحد موضعاً يقعد فيه؟ حلية الاولياء ج2

وكان احمد بن حنبل يقول لأخت بشر " آه يا آل بشر لا عدمتكم, لا ازال اسمع الورع الصافي قبلكم " ج8

من مأثوراته الحكيمه :

يأتى على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم . .. يأتى زمان يكون فيه للحمقى على الأكياس .

"اعمل في ترك التصنع ,ولا تعمل في التصنع "

لا تكون كاملاً حتى يأمنك عدوك , وكيف يكون فيك خير وانت لا يأمنك صديقك "

" الصبر الجميل الذي هو لا شكوى فيه إلى الناس "

لا تجد حلاوة العباده حتى تجعل بينك وبين الشهوات حائـطاً من حديد "

" الدعاء ترك الذنوب "

" المُتقلب في جوعه , كالمُتشحط في دمه في سبيل الله , وثوابه الجنـّـه "

قال يحيى ابن أكثم ... مات بشر بن الحارث يوم الاربعاء قبل استخلاف المعتصم بأيام وشهد جنازته خلق كثير من اهل بغداد وكان نهاراً صافياً صائـفاً وكان هذا شرف الدنـيا قبل شرف الآخره يدل دلاله قاطعه على منزلة بشر وحُـب النـّاس وتقديرهم له .

ابن الجوزى صفوة الصفوه ج2
ahmed1981
2008/03/21
رابع و عشرون : معروف الكرخى

الشيخ معروف الكرخي ( قدس الله سره العزيز )

محرم حرم العرفان ، مأخذ الطريقة والإيقان ، شيخ أهل العلم والصوفية ، جامع الكمالات العلية لأستار الأسرار .

لقبه

الكرخي ، نسبة إلى الكرخ ببغداد .

اسمه

معروف بن الفيروزان .

كنيته

أبو محفوظ .

ولادته

في بغداد .

بداياته

يذكر أن أخاه عيسى قال ( كنت أنا وأخي معروف في الكتاب وكنا نصارى وكان المعلم يعلم الصبيان ( أب ، وابن ) فيصيح أخي معروف : أحد أحد ، فيضربه المعلم على ذلك ضرباً شديداً حتى ضربه يوماً ضرباً عظيماً فهرب على وجهه فكانت أمي تبكي وتقول : لأن رد الله عليَّ أبني معروفاً لاتبعنه على أي دين كان فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة ، فقالت له : يا بني ، على أي دين أنت ؟
قال : على دين الإسلام .
قالت : أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله .
فأسلمت أمي واسلمنا كلنا .

رواياته

روى عن داود الطائي وابن السماك وعلي الرضا وبكر بن خنيس

معاصريه

السري السقطي وأحمد بن حنبل وابن معين .

مسكنه

الكوفة ثم بغداد .

طريقته

أخذ الطريقة من طريقين :الأول : عن الشيخ داود الطائي عن الشيخ الحبيب العجمي عن الشيخ الحسن البصري عن الإمام علي .

والثاني: عن الإمام علي الرضا عن الإمام موسى الكاظم عن الإمام جعفر الصادق عن الإمام محمد الباقر عن الإمام علي زين العابدين عن الإمام الحسين عن الإمام علي .

حياته كراماته

كان الشيخ معروف مجاب الدعوة وكان كثير الصيام والمجاهدة وكان كثير الكرامات ، منها : أنه كان يمشي على الماء ، فقيل له أنك تمشي على الماء . فقال : ما مشيت قط على الماء ولكن إذا هـممت بالعبور ، يجمع لي طرفاها فاتخطاها .
وعن إبراهيم بن الاطرش قال : كان معروف الكرخي قاعداً على دجلة ببغداد ، إذ مرّ بنا احداث في زورق يضربون الملاهي ويشربون ، فقال له اصحابه : أما ترى أن هـؤلاء في هـذا الماء يعصون الله ؟ ، ادع عليهم .

فرفع يده إلى السماء وقال : الهي وسيدي ، أسألك أن تفرحهم في الجنة كما فرحتهم في الدنيا . فقال له أصحابه ، ألم قلنا لك ادع عليهم ، لم نقل لك ادع لهم . فقال : إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا ولم يضركم شيء .

عن عامر بن عبد الله الكرخي أنه قال : كان في جواري نصراني فقال لي : ما حصلت من عمري ثمرة ولا ولد لي فأنطلق إلى ولي ليهب لي ربي ولداً فأتيت به إلى مجلس معروف الكرخي فذكرت حاله ، فكلفه أولا بالإسلام فقال النصراني : ما تقدر على إسلامي بغير هـداية الله تعالى . فدعا الشيخ ورفع كفيه وقال : اللهم أنى أسألك أن ترزقه ولداً يكون باراً بوالديه ويكون سبب إسلامهما . فاستجاب الله دعوة الشيخ ، وولد له ولد فشب وصار لايقاً للتعليم فأجلسه أبوه عند معلم ، فقال المعلم : القلب ما أقول ، فقال الولد : لساني عن التثليث معقول وقلبي بحب الواحد مشغول . فقال المعلم : حصل الذي عليه ملتك ودع الذي لا دليل له فإن لساننا كليل عن ذلك . فلما ابتدأ بحروف الهجاء قفا كل حرف بتوحيد الله تعالى فوافق التوفيق المعلم فأجرى كلمة الشهادة في قلبي وذهب بالصبي إلى أبويه ووصف لهما فطنته وذكاءه وكمال عقله واستدلاله ودعاهما للاسلام فكسرا الصليب واسلما وتبعهما قدر خمسمائة نفس للاسلام . فهذا ببركة رعاية وفيض انفاسه لذلك الصبي .

وفاته

توفى ببغداد سنة 200 هـ وقبره يزار ، ويقال عنه قبر معروف ترياق مجرب (1) .

--------------------------------------------------------------------------------
الهوامش : - جواد المرابط – التصوف والامير عبد القادر الحسيني الجزائري – ص 55 –57 .
- ابن الجوزي - صفة الصفوة – ج 2 – ص 210 – 214 .
- الشيخ عبد الرؤوف المناوي - الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية – ج 1 – ص 268 – 269.
- مرتضى بن محمد آل نظمي البغدادي – تذكرة الأولياء –ص 160 – 163 .



سيدي معروف الكرخي

كما تشرق الشمس بعد ظلمة الليل بالسنا الوضاء لتغمر آفاق الكون بالضياء يشرق نور المعرفة في قلب الولي بعد انقشاع الحجب التي كانت تحول بينه وبين مصدر الاستشراف . فأذا بجوهر العبد يتحول من إنيته الترابية إلى روح نيرة وشفافة متصلة بالله واذا بتلك الروح تصفو وتترقى في معاريج الصفاء في رحلة النور الى منتهى الغايات وان الى ربك المنتهى .
وممن أنتهت غاياتهم الى الله وشربت أرواحهم من معين الحب الإلهي الإمام العارف : سيدي أبو محفوظ معروف الكرخي .

فهو أحد من حظوا من الله تعالى بموفور العناية وكمال الرعاية فجالت أرواحهم في ملكوت الله سابحة في النور الإلهي عابدة أوابة تستمطر الفيوضات الربانية وتستلهم اللطائف الرحمانية , إنهم جنود الله وحراسه على شريعته وطريقته وحقيقته .
وسيدي معروف هو شيخ التصوف بالعراق في عصره , وقد أنتهه اليه تربية المريدين وإمامة المربين , وقد شهد له مشايخ عصره بأنه لم يكن في زمنه من يربي المريدين مثله . وناهيك بمن هو شيخ للسري السقطي الذي هو شيخ الإمام الجنيد سيد الطائفة الصوفية لذا فهو يعتبر بحق شيخا للسلسلة الصوفية التي نهلت من نبع آل البيت واستمدت من أنوارهم ضياءها .


فسيدي معروف هو واسطة العقد النفيس بين ال البيت وأقطاب التصوف , وقد امتدت حياته في القرن الثاني حتى نهايته حيث أرخ لوفاته بسنة مائيتن أو احدى أو اربع ومائتين هـ والاول هو الصحيح كما حققه الذهبي .

ولقد كانت حياة سيدي معروف وقفا على طاعته لربه وعبوديته الصادقة لله فلم تشبها رائحة الدنيا , ولم يكن فيها متسع لمأرب آخرسوى الاتصال بالله فقد نذر حياته لله تعالى ولم يأل جهدا في وفائه بحق هذا النذر فلم تسترع الدنيا منه ادنى التفاتة , لانه أدرك انها دنيا , ومن تعلق بها قلبه فهو دني الهمة آبق من سيده , فار من ساحة الميدان .

وحينما نتصفح سيرة الإمام الكرخي نقف في السطور الاولى من تاريخ حياته على احداث عدة تلقى أضواءها على هذه الشخصية الفذة التي توافرت لها سبل الرعاية الإلهية والعناية الربانية .

فلقد ولد من أبوين كانا يعتنقان النصرانية وما أن بدأ يستقبل بواكير صباه حتى أسلمه أبواه للمعلم ليلقنه تعاليم النصرانية . فأخذه وصار يقول له قل : ثالث ثلاثة.

فيقول له : بل إله واحد , فيكرر عليه المعلم قولته , وتصمد الفطرة المؤمنة أمام كلمة الكفر حتى لم يجد المعلم بدا من اللجوء الى القوة والاكراه فضربه ضربا مبرحا ليكرهه على دينه جبرا وتعسفا فهرب سيدي معروف منه ومن أبويه , او بالاحرى فر الى ربه , فألقت به العناية الالهية في احضان بيت النبوة إذ التقى بفرع الدوحة النبوية سيدي علي بن موسى الرضا وعنا به . فتلقنه يَدُ حانية لتمسح عنه آلامه ثم لتغسل عنه أدرانه ثم لتملأ قلبه بالنور , فعب من نبع الهدى والصفا وشرب من منهل الحنيفية السمحاء , ولما أفتقد والداه صارا يقولان : ليته يرجع الينا على أي دين شاء فنوافقه عليه . وذات يوم دق الباب . فقيل من ؟
قال معروف .
فقالا له :على أي دين انت ؟

فقال :على الاسلام . فأسلم أبواه . وبذا سجل العارف معروف أول فتح للاسلام على يديه مبتدئا بأبويه , وحين اخذ مفتاح فتوحه من سيدي علي الرضا كان قد بدأ حياة جديدة قوامها الجهاد الاكبر وهو جهاد النفس في طاعة الله واقتفاء أثر السلف الصالح وتزود لكل ذلك بالعلم فتضلع منه حتى كان مرجعا للائمة في عصره فقد ذكر الإمام الغزالي ان الإمام احمد بن حنبل كان يختلف اليه هو وابن معين ويسالانه ولم يكن في علم الظاهر مثلهما – فيقال لهما :مثلكما يفعل ذلك , فيقولان كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله وقد قال المصطفى سلوا الصالحين .

وكان الإمام الكرخي ذا رواية في الحديث , ويذكر الحافظ ابو نعيم ان من مسانيد حديثه هذا الحديث الذي رواه عن عبد الله بن موسى عن عبد الاعلى بن أعين عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن السيدة عائشة فقالت قال رسول الله الشرك أخفى في امتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه ان تحب على شيء من الجور أو تبغض على شيء من العدل . وهل الدين الا الحب في الله والبغض في الله ؟ قال الله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله .

وكان الإمام معروف الكرخي – وهو شيخ وامام في علوم القوم- ذا منهج خاص في التربية الصوفية ويتضح هذا المنهج من تتبع أقوله الماثورة في التصوف والتي تنبئ عن علو قدمه في ميدان المعرفة .

فقد سئل سيدي معروف عن حقيقة الوفاء فقال , حقيقة الوفاء : إفاقة السر عن رقدة الغفلات وفراغ الهم من فضول الافات .
وخلاصة جوابه هي تخلية السر لله وتصفية القلب من الغفلة ومن كل ما من شأنه ان يشغل عن الله .
وسئل : بم تخرج الدنيا من القلب ؟

فقال : بصفاء الود وحسن المعاملة . وللصفاء علامات ثلاث , وفاء بلا خلاف وعطاء بلا سؤال ومدح بلا جود .
ويقول : ( وعلامة الأولياء ثلاثة : همومهم لله , وشغلهم فيه وفرارهم اليه )

وساله ابو سليمان الداراني عن الطائعين بأي شيء قدروا على الطاعة ؟

فقال : بأخراج الدنيا من قلوبهم , ولو كان منها شيء في قلوبهم ما صحت لهم سجدة ) !! .

ارأيت الى هذا المعراج السامي في مراقي الحقائق ؟ ان الإمام معروف الكرخي لم ينطق بهذه الكلمات الا بعد ان تحقق بها , لذلك فان كلماته تنفذ الى القلب لانها من القلب ولانها صدرت عن اخلاص لله وبغير ذلك لا يمكن ان تثمر الكلمات . ولقد ترجم سيدي معروف سلوكه مع الله في هذه الكلمات التي فيها غذاء القلب وقوت الروح .

انه يقول : ( توكل على الله حتى يكون هو معلمك ومؤنسك وموضع شكواك , ويكن ذكر الموت جليسك لا يفارقك ) .
ان من يفعل ذلك فقد صار محلا لولاية الله وهنا تتنزل عليه الرحمات وتفيض عليه الالهامات وتخرق له العادات لانه صار ربانيا يسمع بالله ويبصر بالله ويفعل كل شيء بالله ويفعل كل شيء بالله ولانه جاهد في الله حق جهاده . ومما وقع لسيدي معروف من الكرامات ما رواه صاحب الحلية عن ابراهيم بن عبد الله بن اسحق عن محمد بن اسحق النقنى قال سمعت ابا سليمان الرومي يقول سمعت خليلا الصياد يقول : غاب ابني محمد فجزعت امه جزعا شديدا فأتيت معروفا فقلت : يا أبا محفوظ .

قال : ما تشاء ؟
قلت :- ابني محمد غاب وجزعت امه جزعا شديدا فادع الله ان يرده عليها .
فقال : اللهم ان السماء سماؤك والارض أرضك وما بينها لك فأت به .
قال خليل : فأتيت باب الشام فاذا ابني محمد قائم منبهر.
قلت : محمد ؟
قال :- يا أبت كنت الساعة بالانبار !!

وليس عجيبا ان يجيب الله دعاء من أطاعه مهما كان خارقا للعادة , وليس عجيبا أن تخرق العادة لمن خرج عن مالوف عادته بجهاده لنفسه في طاعة الله بل أن خرقه للعادة أقل القليل بالنسبة لعطاء هؤلاء الصفوة الخواص , انهم أهل الحضرة الالهية وضنائن الله في خلقه .

يقول العارف السري السقطي ( رايت معروفا الكرخي في النوم كانه تحت العرش والباري جلت قدرته يقول لملائكته : من هذا ؟ ووهم يقولون انت أعلم يا ربنا منا فقال هذا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق الا بلقائي !!)

هذه هي منزلة سيدي معروف قد أراها الله لخليفته سيدي السري الذي أخذ عنه الطريق . ومنازل الاولياء في الحقيقة لا يعلمها الا الله وانما هي اشارات تقربنا منهم وتدلنا عليهم وتخبرنا بمدى صدقهم مع الله .

ولقد عرف الصوفية الطريق الى الله تعالى فسلكوه ولم يلتفتوا عنه طرففة عين وحسبنا من العلم وبمنازلهم أنهم آثروا الله على كل شيء فمنحهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

ان الإمام العارف سيدي معروفا الكرخي قد أجمعت آراء صفوة العارفين على إمامته في علوم القوم وعلى انه كان فريدا في عصره علما وذوقا وسلوكا وشرب من واحة آل البيت حتى أرتوى وأروى وفاضت من ينبوع معرفته لطائف الاشارات التي قادت قلوبا وارواحا الى الله تعالى وهو الذي استغرقت محبة الله روحه وانفاسه فعاش عيشة الابرار ولقى ربه مع المصطفين الاخيار ورضي عنا به وأمدنا ببركاته دنيا وآخرة آمين , لقد كان الإمام معروف كما قال الحافظ الذهبي في صدارة ترجمته ( علم الزهاد . بركة العصر ) ولا يدلك على العارف الا عارف مثله .

فقد روى عن سيدنا سفيان بن عينية انه قال لمعاصره اسماعيل بن شداد : ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم ببغداد ؟
فقال من هو ؟
قال : أبو محفوظ معروف .
قال : بخير .
فقال الإمام سفيان الثوري : ( لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقى ) .

كما ذكر الحافظ الذهبي من كرامات سيدي معروف ان ابن شيرويه قال : قلت لمعروف : بلغني أنك تمشي على الماء .
فقال له ما وقع هذا , ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفا النهر فاتخطاه .

ان سيدي معروفا ممن لهم جاه عظيم يتوسل به الى الله , فقد روى الإمام القشيري انه قال لمريده الإمام السري السقطي ( إذا كانت لك حاجة الى الله فاقسم عليه به ) !!

الا وان جاهه عند الله لم ينقطع بوفاته , فقد قال أبو عبد الرحمن السلمي في ترجمته : ( وهو من جلة المشايخ وقدمائهم و والمذكورين بالورع والفتوة كان استاذ السري السقطي : صحب داود الطائي , وقبره ببغداد ظاهر يستشفى به ويتبرك بزيارته ) . ثم روى عن ابراهيم بن الجوزي انه كان يقول ( قبر معروف الترياق المجرب ) وقد من الله على فقيره مؤلف هذا الكتاب بزيارة مقام الإمام معروف الكرخي ببغداد سنة 1990 م حيث كان في مؤتمر للمجلس الاعلى للشئون الإسلامية , افاض الله علينا ببركاته وحشرنا في زمرته .





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



هو ابومحفوظ معروف الكرخي واسم ابيه فيروز او الفيرزان واصله من نهربان من قرى واسط .كان معروف من المشهورين بالصلاح في دينه ومشهورا با لاجتهاد في العباده والورع والزهادة وكان الناس في زمانه وبعد مضيه يتحدثون بسبيله انه مستجاب الدعوه وصاحب الكرامات

عاصر هارون الرشيد وصاحب داود بن نصير الطائي وصحبه وتتلمذ عليه السري السقطي فهو استا ذه وكان محدثا سمع الحديث من اعاظم شيوخ عصره .لزم معروف عليا الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق رضي الله عنهم وكان من مواليه واسلم على يديه وعاش مع ابنائه وتلقى علم اهل البيت فنال من ذلك حظا وافرا حتى عرف بلسان اهل البيت المبين ثم لقب بامام بغداد وزاهدها

علم معروف بان المسلم الحق قوة دافعه ودوامه متحركه نحو موراد الخير وان وقوفه على هامش الحياة يسلبه صفه المسلم فيقول (( ان الوالي لايكون الا اذا قام بواجبه حيال الامه الاسلاميه مصلحا لامورها مفرجا لهمومها وكروبها راحما لافرادها )) .كان معروف الكرخي رضي الله عنه مباركا في حياته فقد سبقت له الحسنى ومن اياته انه كان مجاب الدعوه كما بشره ابن السماك

فكان اهل بغداد يهرعون اليه عند الاحداث والملمات يسالونه الدعاء وكان غالب دعائه لجميع المسلمين يرجو لهم الخير ويدعو لهم الصلاح فيقول (( ان من صالح الدعاء ان يدعو الانسان للامه المحمديه مع كل ذكر وتسبيح))ومن اروع ما كان يدعو ابه الدعاء (( اللهم لاتجعلنا بثناء الناس مغرورين ولا بالستر منك مفتونين اجعلنا ممن يومن بلقائك ويرضى بقضائك ويقنع بعطائك ويقنع بعطائك ويخشاك حق خشيتك اللهم اوف ظنون المسلمين فينا ووفقنا لوفاء ظنونهم واجعلنا خيرا مما يظنون ولاتواخذنا بما يقولون انت تعلم وهم لايعلمون )) وعن محمد بن منصور الطوسي قال سمعت معروف الكرخي يقول (( اللهم اجعلنا صادقين حتى نكون صالحين)) وعن القاسم بن محمد البغدادي قال :كنت جار معروف الكرخي وفي ليلة في السحر سمعته يبكي وينشد :


اي شي تريد مني الذنوب شغفت بي فليس عني تغيب

ما بضر الذنوب لو اعتقتني رحمة لي فقد علاني المشيب





ذكر مرضه ووفاته


عن ابي بكر الزجاج يقول (( قيل لمعروف الكرخي ماذا توصي ؟ فقال اذا مت فتصدقو ا بقميصي هذا فاني احب ان اخرج من الدنيا عريا نا كما دخلت اليها عريانا)) عن ابي عبدالله احمد بن هارون قال مات ابو نواس فا خرجت جنازته وجنازة معروف في يوم واحد فخرج الناس مع جنازة معروف ولم يخرج مع جنازة ابي نواس غير رجل واحد فلما رجع الناس من جنازة معروف راوا جنازة ابي نواس فسالوا عنه فقالوا : الحسن بن هاني فما التفت احد منهم عليه فقال يعني القائل اليس قد جمعنا واياه الاسلام ولعل باطنه كان اجمل من ظاهره فلا تؤيسوه من رحمة الله فرجع الناس فصلوا عليه)) عن ابي القسم النصري قال حدثني ابي قال (( بلغني انه صلى على معروف ثلئمائة الف انسان فاطلع عليهم راهب من الدير فقال لو ان احدكم فعل فعله لكان مثله))

مات معروف رضي الله عنه ببغداد سنة مائتين للهجره ((816م)) ودفن في مقبرة (( باب الدير)) فشيد فوق قبره مقام ثم مسجد
رؤي معروف في المنام بعد موته فقيل له ما صنع الله بك فقال


موت التقي حياة لانقطاع لها
قد مات قوم وهم في الناس احياء



سيدنا السري السقطي خال سيدنا الجنيد يقول ذهبت الى معروف الكرخي وقلت له ياامام اقرأ على قلبي او ادعوا الله لي ان يخرج من قلبي حب الدنيا يقول فقرأ على قلبي فما رفع يده عن قلبي الا وخرجت الدنيا من قلبي

وفي كتاب طبقات الحنابلة

حكى إسماعيل بن شداد قال: قال لنا سفيان بن عيينة من أين أنتم قلنا من أهل بغداد قال: ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم قلنا من هو قال: أبو محفوظ معروف قال: قلنا بخير قال: لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم.

وقال إمامنا أحمد للمروذي إذا أخبرت عن معروف بشيء من أخبار السماء فاقبله.

ومعروف كان أستاذ سري السقطي وصحب معروف داود الطائي، وقال إبراهيم الحربي قبر معروف الترياق المجرب.
وقال عبد الله بن العباس الطيالسي قال: لي ابن أخي معروف قال: لي عمي معروف إذا كان لك إلى الله حاجة فتوسل إليه بي.

وقال عبد الوهاب الوراق ما رأيت أحداً أخوف لله عز وجل من معروف الكرخي وعن واضحة معرف كلام العبد فيما لا يغنيه خذلان من الله له.

وقال محمد بن منصور مضيت يوماً إلى معروف ثم عدت إليه من غد فرأيت في وجهه أثر شجة فهبت أن أسأله عنها وكان عنده رجل آخر أجرأ عليه مني فقال: يا أبا محفوظ كنا عندك البارحة ومعنا محمد بن منصور فلم نر في وجهك هذا الأثر فقال: له معروف خذ فيما نحن فيه وما تنتفع به فقال: له أسألك بالله فانتفض معروف وقال له ويحك وما حاجتك إلى هذا مضيت البارحة إلى البيت الحرام فصليت ثم عشاء الآخرة ثم صرت إلى زمزو فشربت منه فزلت قدمي فنطح وجهي الباب فهذا الذي تراه من ذلك.

وقال رجل لمعروف أوصني. فقال: توكل على الله، وأكثر ذكر الموت حتى لا يكون لك جليس غيره، واعلم أن الشفاء من البلاء إذا نزل بك: كتمانه، وأن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك، ولا يعطونك ولا يمنعونك.

وقال معروف: إذا كان يوم القيامة أنبت الله عز وجل لأقوام من المؤمنين أجنحة في قبورهم فإذا نفخ في الصور طاروا من قبورهم فصاروا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون لهم من أنتم فيقولون نحن المؤمنون نحن من أمة محمد نحن من أمة القرآن فيقولون لهم هل رأيتم الصراط فيقولون لا فيقولون هل رأيتم الجمع فيقولون لا فيقولون هل رأيتم الجليل عز وجل فيقولون قد رأينا نوره.
ahmed1981
2008/03/21
خامس و عشرون: حاتم الأصم

حاتم الأصم: هو أبو عبد الرحمن حاتم بن علوان المعروف بالأصم من أكابر مشايخ خرسان، كان تلميذ شقيق البلخي وأستاذ أحمد بن خضرويه، ويقال: إنّه لم يكن أصم وإنّما تصامم مرة فسمي بذلك.

قال الأستاذ أبو الدقاق رحمه الله تعالى: "جاءت امرأة فسألت حاتمًا عن مسألة فاتفق أنّه خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت فقال حاتم: ارفعي صوتك، فأرى من نفسه أنّه أصم، فسرّت المرأة بذلك، وقالت: إنّه لم يسمع الصوت، فغلب عليه اسم الأصم".

حكي أن حاتما الأصم كان رجلا كثير العيال، وكان له أولاد ذكور وإناث، ولم يكن

يملك حبة واحدة، وكان قدمه التوكل. فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم
فتعرضوا لذكر الحج، فداخل الشوق قلبه، ثم دخل على أولاده فجلس معهم يحدثهم، ثم
قال لهم: لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجا، ويدعو لكم،
ماذا عليكم لو فعلتم؟ فقالت زوجته وأولاده: أنت على هذه الحالة لا
تملك شيئا، ونحن على ما ترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك ونحن بهذه الحالة؟ وكان
له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له، ولا يهمكم ذلك، دعوه يذهب حيث
شاء فإنه مناول الرز ق، وليس براز ق، فذكرتهم ذلك. فقالوا: صدقت والله هذه
الصغيرة يا أبانا، انطلق حيث أحببت. فقام من وقته وساعته واحرم بالحج، وخرج
مسافرا وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم، كيف أذنوا له بالحج،
وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة، ويقولون: لو
سكت ما تكلمنا. فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي عودت
القوم بفضلك، وأنك لا تضيعهم، فلا تخيبهم ولا تخجلني معهم. فبينما هم على هذه
الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيدا فانقطع عن عسكره وأصحابه، فحصل له عطش شديد
فاجتاز بيت الرجل الصالح حاتم الأصم فاستسقى منهم ماء، وقرع الباب فقالوا: من
أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم. فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: الهي
وسيدي سبحانك، البارحة بتنا جياعا، واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا، ثم
أنها أخذت كوزا (وعاء صغير للشرب) جديدا وملأته ماء، وقالت للمتناول منها:
اعذرونا، فأخذ الأمير الكوز وشرب منه فاستطاب الشرب من ذلك الماء فقال: هذه
الدار لأمير، فقال: لا والله، بل لعبد من عباد الله الصالحين عرف بحاتم الأصم.
فقال الأمير: لقد سمعت به. فقال الوزير: يا سيدي لقد سمعت أنه البارحة احرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله
شيئا، وأخبرت أنهم البارحة باتوا جياعا. فقال الأمير: ونحن أيضا قد ثقلنا
عليهم اليوم، وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم. ثم حلّ الأمير منطقته
من وسطه ورمى بها في الدار، ثم قال لأصحابه: من أحبني فليلقِ منطقته، فحل جميع
أصحابه مناطقهم ورموا بها إليهم ثم انصرفوا. فقال الوزير السلام عليكم أهل
البيت لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق، فلما نزل الأمير رجع إليهم الوزير،
ودفع إليهم ثمن المناطق مالا جزيلا، واستردها منهم. فلما رأت الصبية الصغيرة
ذلك بكت بكاء شديدا فقالوا لها: ما هذا البكاء إنما يجب أن تفرحي، فإن الله
وسع علينا. فقالت: يا أم، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعا، فنظر
إلينا مخلوق نظرة واحدة، فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا
يكلنا إلى احد طرفة عين، اللهم انظر إلى أبينا ودبره بأحسن تدبير. هذا ما كان
من أمرهم.

وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم فإنه لما خرج محرما، ولحق بالقوم توجع أمير
الركب، فطلبوا له طبيبا فلم يجدوا، فقال: هل من عبد صالح؟ فدلّ على حاتم، فلما
دخل عليه وكلمه دعا له فعوفي الأمير من وقته، فأمر له بما يركب، وما يأكل، وما
يشرب. فنام تلك الليلة مفكرا في أمر عياله، فقيل له في منامه: يا حاتم من أصلح
معاملته أصلحنا معاملتنا معه، ثم أخبر بما كان من أمر عياله، فأكثر الثناء على
الله تعالى، فلما قضى حجه ورجع تلقاه أولاده فعانق الصبية الصغيرة وبكى ثم
قال: صغار قوم كبار قوم آخرين وإن الله لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى
أعرفكم به فعليكم بمعرفته والاتكال عليه، فإنه من توكل على الله فهو حسبه......
اللهم ارني حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك يا ألله......


روى عن شقيق البلخي انه قال لحاتم الاصم : قد صحبتني مدة ...فماذا تعلمت ؟

قال : ثمان مسائل :

أما الاولى : فاني نظرت الى الخلق ... فاذا كل شخص له محبوب ,فاذا وصل الى القبر فارقه محبوبه ... فجعلت محبوبي حسناتي لتكون معي بالقبر .

والثانيه : فاني نظرت الى قوله تعالى : ( ونهى النفس عن الهوى ) فأجهدتها في دفع الهوى حتى استقرت على طاعه الله .

والثالثه : فإني رأيت كل من معه شيئ له قيمة عنده يحفظه .. فنظرت إلى قوله تعالى ( ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ) فكلما وقع معي شيئ له قيمة وجهته إلى الله ليبقى لي عنده .

والرابعه : فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف ... وليست بشيء .. فنظرت الى قوله تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) فعملت بالتقوى حتى أكون عند الله كريما .

والخامسه : فإني رأيت الناس يتحاسدون , فنظرت إلى قوله تعالى ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) فتركت الحســـــــد .

والسادسة : رأيت الناس يتعادون , فنظرت إلى قوله تعالى ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) فتركت عداوتهـــم ,واتخذت الشيطان وحده عــدوا .

والسابعة : رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق , فنظرت إلى قوله تعالى ( وما من دابة على الارض إلا على الله رزقها ) فاشتغلت بما له علي , وتركت ما لي عنـــــــده .

والثامنة : رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحه أبدانهم , فتوكلت على الله .. ( فإذا عزمت فتوكل على الله )



وصية حاتم الاصم (رحمه الله) حيث ساله سائل عن صلاته فقال... اذا حانت الصلاة:

ـ اسبغت الوضوء.

ـ واتيت الموضع الذي اريد الصلاة فيه.

ـ فاقعد فيه حتى تجتمع جوارحي.

ـ ثم اقوم الى صلاتي.

ـ واجعل الكعبة بين حاجبي.

ـ والصراط تحت قدمي.

ـ والجنة عن يميني.. والنار عن شمالي.

ـ وملك الموت ورائي.

ـ واظنها اخر صلاتي.

ـ ثم اقوم بين الرجاء والخوف.

ـ واكبر تكبيرا بتحقيق.

ـ واركع ركوعا بتواضع.. واسجد سجودا بتخشع.



وقال حاتم الأصم :

كان يقال العجلة من الشيطان الا في خمس :
إطعام الضيف إذا حل.
وتجهيز الميت إذا مات .
وتزويج البكر إذا أدركت .
وقضاء الدين إذا حل ووجب .
والتوبة من الذنب إذا وقع .
ahmed1981
2008/03/21
سادس و عشرون: سرى السقطى

مع العارفين




السري بن المغلس السقطي




يكنى أبا الحسن خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه .



( الدعاء المستجاب )

دعا له معروف الكرخي رحمه الله وقال أغنى الله قلبك فوقع الزهد في قلبه حينئذ .

عن أبي القاسم سليمان بن محمد الضراب قال حدثني بعض أخواني أن سريا السقطي مرت به جارية معها إناء فيه شيء فسقط من يدها فإنكسر فأخذ سري شيئا من دكانه فدفعه إليها بدل ذلك الإناء فنظر إليه معروف الكرخي فأعجبه ما صنع فقال له معروف بغض الله إليك الدنيا .

وعن مظفر بن سهل المقري قال سمعت علان الخياط وجرى بيني وبينه مناقب سري السقطي فقال علان كنت جالسا مع سري يوما فوافته امرأة فقالت يا أبا الحسن أنا من جيرانك أخذ ابني الطائف وأنا أخشى أن يؤذيه فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه .

قال علان فتوقعت أن يبعث إليه فقام وكبر وطول في صلاته فقالت المرأة يا أبا الحسن الله الله فيَّ !! هو ذا أخشى أن يؤذيه السلطان فسلم وقال لها أنا في حاجتك .

قال علان فما برحت حتى جاءت إمرأة إلى المرأة فقالت الحقي قد خلوا ابنك .



( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ )


قال علان وأي شيء يتعجب من هذا اشترى كرلوز بستين دينارا وكتب في روزنامجة ثلاثة دنانير ربحه فصار كراللوز بتسعين دينارا فأتاه الدلال وقال أريد ذاك اللوز فقال خذ فقال بكم قال بثلاثة وستين دينارا قال له الدلال إن اللوز قد صار الكر بتسعين فقال له قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله ليس أبيعه إلا بثلاثة وستين دينارا فقال له الدلال إني قد عقدت بيني وبين الله تعالى لا أغش مسلما لست أخذ منك إلا بتسعين دينارا فلا الدلال اشترى منه ولا سري باعه فكيف لا يستجاب دعاء من هذا فعله .



( حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه ... )


وعن إبن أبي الورد قال دخلت على سري السقطي وهو يبكي ودورقه مكسور فقلت مالك قال إنكسر الدورق فقلت أنا أشتري لك بدله فقال لي تشتري بدله وأنا أعرف من أين الدانق الذي تشتري به الدورق ومن عمله ومن أين طينه وأي شيء أكل عامله حتى فرغ من عمله .

وعن سعيد بن عثمان قال سمعت سري بن المغلس يقول غزونا أرض الروم فمررت بروضة خضرة فيها الخيار وحجر منقور فيه ماء المطر فقلت في نفسي لأن أكلت يوما حلالا فاليوم فنزلت عن دابتي وجعلت آكل من ذلك الخيار وشربت من ذلك الماء فإذا هاتف يهتف بي يا سري النفقة التي بلغت بها إلى ها هنا من أين .

وعن الجنيد قال سمعت سري بن المغلس يقول أشتهي منذ ثلاثين سنة جزرة أغمسها في الدبس وآكلها فما يصح لي
وعن حسن المسوحي قال دفع إلي سري السقطي قطعة فقال اشتر لي باقلي من رجل قدره داخل الباب فطفت الكرخ كله فلم أجد إلا من قدره خارج الباب فرجعت إليه فقلت خذ قطعتك فإني لا أجد إلا من قدره خارج

وعن أبي عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي قال سمعت سريا السقطي يقول إني لأذكر مجيء الناس إلي فأقول اللهم هب لهم من العلم ما يشغلهم عني فإني لا أريد مجيئهم ولا أن يدخلوا علي

وعن علي بن عبد الحميد الغضائري قال سمعت السري السقطي ودققت عليه الباب فقام إلى الباب فسمعته يقول اللهم اشغل من يشغلني عنك بك

قال إبن المقري وزادني بعض أصحابنا عنه أنه قال فكان من بركة دعائه أني حججت أربعين حجة على رجلي من حلب ذاهبا وراجعا

وعن جنيد قال دخلت على سري وهو جالس يبكي وبين يديه كوز مكسور فجلست حتى سكت فقلت ما يبكيك قال كنت صائما فجاءت ابنتي بكوز فيه ماء فعلقته هناك فقالت يبرد لك لتفطر عليه فحملتني عيني فرأيت كأن جارية قد دخلت علي من هذا الباب عليها قميص فضة وفي رجليها نعلان لم أر قدما قط في نعل أحسن منهما فقلت لها لمن أنت قالت لمن لا يبرد الماء في الكيزان الخضر وضربت بكمها الكوز فرمت به وهو هذا ثم إنتبهت
قال جنيد فمكثت أختلف إليه مدة طويلة أرى الكوز بين يديه مكسورا عليه التراب وهو لا يرفعه .
وعنه قال قال لي سري إن أمكنك ألا تكون آلة بيتك إلا خزفا فافعل قال لي الجنيد وهكذا كانت آلة بيته وسمعت سريا يقول رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل قال وكان سري إذا جن عليه الليل دافع أوله ثم دافع ثم دافع فإذا غلبه الأمر أخذ في النحيب والبكاء



( التواضع )


جعفر بن محمد بن نصير يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري قال ما أرى لي على أحد فضلا قيل ولا على المخنثين قال ولا على المخنثين .



( زمان العزلة )


قال السلمي وسمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا عمر الأنماطي يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول من أراد أن يسلم دينه ويستريح قلبه وبدنه ويقل غمه فليعتزل الناس لأن هذا زمان عزلة ووحدة .
وعن الجنيد بن محمد قال سمعت سريا يقول لولا الجمعة والجماعة لسددت على نفسي الباب ولم أخرج .



( الدنيا فضول إلا ..... )


وعن عبدوس بن القاسم قال سمعت السري يقول كل الدنيا فضول إلا خمس خصال خبز يشبعه وماء يرويه وثوب يستره وبيت يكنه وعلم يستعمله .



( معرفة وعلم )


وعن علي بن عبد الحميد الغضائري قال سمعت السري يقول من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم ومن هانت عليه المصائب أحرز ثوابها .



( بين السُنّة والبدعة )


وعنه قال سمعت السري يقول قليل في سنة خير من كثير في بدعة كيف يقل عمل مع تقوى .




( ابدأ بنفسك )


وسمعته يقول أقوى القوة غلبتك نفسك ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز ومن أطاع من فوقه أطاعه من دونه ومن خاف الله خافه كل شيء .


( المغبون !! )


فقال إن إغتممت بما ينقص من مالك فابك على ما ينقص من عمرك .


( الغافل الأعمى )


وقال من قلة الصدق كثرة الخلطاء ومن علامة الاستدراج العمى عن عيوب النفس .


( علامات .... )


وعنه قال سمعت السري يقول أجلد الناس من ملك غضبه ، ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله ، ولن يكمل رجل حتى يؤثر دينه على شهوته ، ولن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه .


( لا تكشف الستر عنا )


وعن الجنيد قال سمعت سريا يقول ما أحب أن أموت حيث أعرف أخاف ألا تقبلني الأرض فأفتضح .


( كما حسنت خلقي حسن خلقي )


وقال سمعت سريا يقول إني لأنظر إلى أنفي في كل يوم مرتين مخافة أن يكون قد اسود وجهي .


( لباس الشهرة )


أحمد بن عبد الله قال أخبرني جعفر بن محمد في كتابه قال سمعت الجنيد قال سمعت السري بن مغلس يقول لو أحسست بإنسان يريد أن يدخل علي فقلت بلحيتي كذا وأمر يده على لحيته كأنه يريد تسويتها من أجل دخول الداخل لخفت أن يعذبني الله على ذلك بالنار .


( الشهوة العزيزة )


وسمعته يقول أحب أن آكل أكلة ليس لله علي فيها تبعة ولا لمخلوق علي فيها منة فما أجد إلى ذلك سبيلا .


( كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ )


وسمعته يقول اللهم ما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب


( المرابطون )


وسمعته يقول إذا فاتني جزء من وردي لا يمكنني أن أقضيه أبدا .
وعن جنيد قال سمعت سريا يقول إذا فاتني شيء من وردي لم أقدر أن أعيده .
قال جنيد كان سري متصل الشغل وكان إذا فاته شيء لا يقدر أن يعيده وكذا كان عمر بن الخطاب لم يكن له وقت ينام فيه فكان ينعس وهو قاعد فقيل له يا أمير المؤمنين ألا تنام فقال كيف أنام إن نمت بالنهار ضيعت أمور المسلمين وإن نمت بالليل ضيعت حظي من الله عز وجل .
وعن الجنيد قال ما رأيت أعبد لله من السري السقطي أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت .


( الطريق القويم )


وسمعته يقول إذا ابتدأ الإنسان ثم كتب الحديث فتر وإذا ابتدأ بكتبه الحديث ثم تنسك نفذ .


( المريض الغريق )


وذكر له أهل الحقائق من العباد فقال أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى .


( الحذر .. الحذر )


وسمعته يقول احذر لا تكون ثناء منشورا وعيبا مستورا .


( علامة الإخلاص )


وسمعته يقول وقد ذكر الناس فقال لا تعمل لهم شيئا ولا تترك لهم شيئا ولا تعط لهم شيئا ولا تكشف لهم عن شيء يريد بهذا أن تكون أعمالك كلها لله تعالى .


( بم يعرف الشيوخ ؟ )


قال وسمعت الحسن البزار يقول سألت أحمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر فقال أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء قلت بلى فقال هو على سترة عندنا قبل أن يخرج .
وقد كان السري يكثر من ذكر طيب الغذاء وتصفية القوت وشدة الورع حتى انتشر ذلك وبلغ أحمد بن حنبل .


( اغتنم خمسا ً )


قال الجنيد وكان السري يقول لنا ونحن حوله أنا لكم عبرة يا معشر الشباب أعملوا فإنما العمل في الشبيبة .


( من الناس ؟ )


وكان يقول من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما إنزجر النصف الآخر ولا أحسبني إلا منهم .
هذا ويقول الجنيد : ما رأيت أعبد لله من السري السقطي أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت !!!! .


( بين السابقة والخاتمة )


وسمعت السري يقول قلوب المؤمنين معلقة بالسوابق وقلوب الأبرار معلقة بالخواتيم هؤلاء يقولون بماذا يختم لنا وأولئك يقولون ماذا سبق من الله لنا .


( العصفور الواعظ )


وعن أبي عباس المؤدب قال دخلت على سري السقطي يوما فقال لأعجبنك من عصفور يجيء فيسقط على هذا الرواق فأكون قد أعددت له لقيمة فأفتها في كفي فيسقط على أطراف أناملي فيأكل فلما كان في وقت من الأوقات سقط على الرواق ففتت الخبز في يدي فلم يسقط على يدي كما كان ففكرت في سري ما العلة في وحشته مني فوجدتني قد أكلت ملحا مطيبا فقلت في نفسي أنا تائب من الملح المطيب فسقط على يدي فأكل وانصرف .


( الأخسرين أعمالاً !! )


وعن أبي عبيد بن حربويه قال سمعت السري السقطي يقول من النذالة أن يأكل الإنسان بدينه .


( المحاسب الحيي )


وعن علي بن عبد الحميد قال سمعت السري السقطي يقول من حاسب نفسه إستحيا الله من حسابه .




( التاجر الكيّس والتاجر العاجز )


وسمعته يقول من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل .
وعن إبراهيم بن السري السقطي قال سمعت أبي يقول عجبت لمن غدا وراح في طلب الأرباح وهو مثل نفسه لا يربح أبدا .



( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ )


وعن أبي عبيد بن حربويه قال سمعت سريا السقطي يقول سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أودائه لأنه لم يرضها لهم .



( انقطاع واتصال )


وعن أحمد بن محمد الصوفي قال سمعت السري بن مغلس يقول انقطع من انقطع عن الله بخصلتين واتصل من اتصل بالله بأربع خصال فأما من انقطع عن الله فإنه يتخطى إلى نافلة بتضييع فرض والثاني عمل بظاهر الجوارح لم يواطىء عليه صدق القلوب وأما الذي إتصل به المتصلون فبلزوم الباب والتشمير في الخدمة والصبر على المكاره وصيانات الكرامات .



( الشغل المنسي )


وسمعته يقول إن في النفس لشغلا عن الناس .



( حب لأخيك ما تحب لنفسك )


وعن محمد بن علي الحربي قال سمعت سريا يقول حمدت الله مرة وأنا أستغفر الله من ذلك الحمد منذ ثلاثين سنة قيل وكيف ذلك قال كان لي دكان وكان فيه متاع فوقع الحريق في سوقنا فقيل لي فخرجت أتعرف خبر دكاني فلقيت رجلا فقال أبشر فإن دكانك قد سلم فقلت الحمد لله ثم أفكرت فرأيتها خطيئة .



( حلّ أو ارتحل )


وعن الجنيد بن محمد قال دخلت على سري السقطي فسلمت وجلست فقال لي إقرب مني فقربت منه فأخذ بيدي وقال لي إعلم يا بني أن الشوق والأنس يرفرفان على القلب فإن وجدا هنالك الهيبة والإجلال حلا وإلا رحلا .



( كمال الإيمان في ثلاث )


وعن إبن مسروق قال سمعت سريا يقول ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل وإذا قدر لم يتناول ما ليس له .



( آداب الخلوة )


وعنه قال أخبرنا سري السقطي قال صليت ليلة ثم جلست ساعة ومددت رجلي فنوديت في سري يا سري من جالس الملوك ينبغي أن يحسن الأدب .


( أمان لأهل الأرض )


وعن حسن البزار قال كان أحمد بن حنبل ها هنا وكان بشر بن الحارث ها هنا وكنا نرجو أن يحفظنا الله بهما ثم ماتا وبقي سري فإني أرجو أن يحفظنا الله بسري .



( إياك والركون للنفس )


وعن القاسم بن عبد الله البزار قال سمعت سري بن المغلس يقول لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله تعالى من الأشجار عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار فخاطبه كل طائر منها بلغته وقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كانت في يدها أسيرا .



( فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً )


وسمعت أبي يقول لو أشفقت هذه النفوس على أديانها شفقتها على أولادها لاقت السرور في معادها .



( الأيام الثلاثة )


وعن إبن مسروق قال سمعت سريا يقول لأخوانه الدهر ثلاثة أيام يوم مضى بؤسه وشدته وغمه لم يبق منه شيء واليوم الذي أنت فيه صديق مودع لك طويل الغيبة عنك سريع الرحلة عنك وغدا في يديك تأميله ولعلك من غير أهله .وقال أمس أجل واليوم عمل وغدا أمل



( العبودية الحقة )


وقال الجنيد كنت نائما عند سري رحمه الله فأنبهني فقال لي يا جنيد رأيت كأني قد وقفت بين يدي الله تعالى فقال لي يا سري خلقت الخلق فكلهم إدعى محبتي وخلقت الدنيا فهرب مني تسعة أعشارهم وبقي معي العشر وخلقت الجنة فهرب مني تسعة أعشار العشر وبقي معي عشر العشر فسلطت عليهم ذرة من البلاء فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر فقلت للباقين معي لا الدنيا أردتم ولا الجنة أخذتم ولا من النار هربتم فماذا تريدون قالوا إنك تعلم ما نريد فقلت لهم فإني مسلط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي أتصبرون قالوا إذا كنت أنت المبتلي لنا فأفعل ما شئت فهؤلاء عبادي حقا .



( المحب السقيم )


وعنه قال كنت يوما عند السري بن مغلس وكنا خاليين وهو متزر بمئزر فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دنف مضنى كأجهد ما يكون فقال أنظر إلى جسدي هذا لو شئت أن أقول إن ما بي من المحبة لله تعالى لكان كما أقول وكان وجهه أصفر ثم أشرب حمرة حتى تورد ثم اعتل فدخلت عليه أعوده فقلت له كيف تجدك فقال


كيف أشكوا على طبيبي ما بي ... والذي بي أصابني من طبيبي


فأخذت المروحة أروحه فقال لي كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل ثم أنشأ يقول


القلب محترق والدمع مستبق ... والكرب مجتمع والصبر مفترق


كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والشوق والقلق


يا رب إن كان شيء فيه لي فرج ... فأمنن علي به بي ما دام بي رمق





( الوصية الأخيرة )


وعنه قال دخلت على سري السقطي وهو في النزع فجلست عند رأسه فوضعت خدي على خده فدمعت عيناي فوقع دمعي على خده ففتح عينيه فقال لي من أنت قلت أنا خادمك الجنيد فقال مرحبا فقلت له أيها الشيخ أوصني بوصية أنتفع بها بعدك قال إياك ومصاحبة الأشرار وأن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار .

أسند سري عن هشيم وأبي بكر بن عياش ويزيد بن هارون وغيرهم وصحب معروفا الكرخي

قال أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي توفى سري بن المغلس يوم الثلاثاء لست خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين

وعن أبي عبيد بن حربويه قال حضرت جنازة سري السقطي فسررت فحدثنا رجل عن آخر أنه حضر جنازة سري السقطي فلما كان في بعض الليل رآه في النوم فقال له ما فعل الله بك قال غفر لي ولمن حضر جنازتي وصلى علي فقلت فإني ممن حضر جنازتك وصلى عليك قال فأخرج درجا فنظر فيه فلم ير لي فيه إسما فقلت بلى قد حضرت قال فنظر فإذا اسمي في الحاشية رحمه الله ورضي عنه .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




فهو أبو الحسن سري بن المغلس السقطي، أحد الأوتاد. كان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد، ملازماً بيته لا يخرج منه ولا يراه إلا من يقصده. وكان تلميذ معروف الكرخي. قيل: كان يوماً في دكانه، فجاء معروف ومعه صبي يتيم، فقال لي: "اكسه!". قال سري: فكسوته، ففرح به معروف، فقال: بغض الله إليك الدنيا، وأراحك مما أنت فيه!". قال: "فقمت من الدكان وليس شئ أبغض إلي من الدنيا وما فيها، وكل ما أنا فيه من بركاته". مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، علي الأصح. ودفن بالشونيزية.


أقواله

"ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا ضي لم يخرجه رضاه إلي الباطل؛ وإذا قدر لم يتناول ما ليس له " الشكر ثلاثة أوجه: للسان، وللبدن، وللقلب. فالثالث أن يعلم أن النعم كلها من الله، الثاني ألا يستعمل جوارحه إلا في طاعته بعد أن عافاه الله، والأول دوام الحمد عليه من أراد أن يسلم دينه، ويستريح قلبه وبدنه، ويقل غمه، فليعتزل الناس، لأن هذا زمان عزلة ووحدة

الأدب ترجمان العقل

من خاف اللهَ خافه كلُّ شيءٍ من علامة الاستدراج للعبد عماه عن عيبه واطلاعه على عيوب الناس
إياكم ومجاورة الأغنياء وقراء الأسواق والأمراء، فإنهم يفسدون كل من جالسهم

سيرته

ومكث سري عشرين سنة، يطوف بالساحل، يطلب صادقاً، فدخل يوماً إلى مغارة، إذا زمني قعود وعميان ومجذمين، قال: فقلت: "ما تصنعون ها هنا!" قالوا: "ننتظر خصاً يخرج لينا فنعافى!". فقلت: "إن كان صادقاً فاليوم!". فقعدت فخرج كهل معليه درعة من شعر، فسلم وجلس، ثم مر يده علي عمي هذا فأبصر، وأمر يده علي مانة هذا فصح، وأمر يده علي جذام هذا فبرئ. ثم قام مولياً، فضربت بيدي اليه، فقال لي: سري!. خل عني، فانه غيور. لا يطلع علي سرك فيراك وقد سكنت إلي غيره، فتسقط من عينه".

وقال الجنيد: "ما رأيت أعبد من خالي!. أني عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤى مضطجعاً إلا في علة الموت".

دخلت عليه، وهو في الترع، فجلست عند رأسه، ووضعت خدي علي خده، فدمعت عيناي، فوقع دمعي علي خده، ففتح عينيه، وقال لي: "من أنت" قلت: "خادمك الجنيد!" فقال: "مرحباً". فقلت: "أوصني بوصية أنتفع بها بعدك!" قال: "إياك مصاحبة الأشرار، وأن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار


أصحابه

إبراهيم النصراباذي، وأحمد النوري و أبا أحمد القلانسي



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



شيخ صوفية العراق سيدي الامام السري السقطي

على بساط الانس والمشاهدة شرب العارفون من رحيق النور الازلي وارتووا من معين الوصل الالهي فهامت ارواحهم في سرادقات الجلال والجمال مستغرقة في عظمة المولى فانية في وجوده متنعمة بشهوده , انها ارواح مختصة بالعطاء وقلوب سجلت لهم العناية مراسيم الولاء , تلك منح وعطايا وهبها الله تعالى لاحبائه الاولياء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفور العظيم .

ومن خواص اهل الولاية والاصطفاء والعناية والاجتهاد الامام العارف والصوفي الشامخ سيدي ابو الحسن السري بن المغلس السقطي , احد ائمة الصوفية العظام الذين تفجرت عيون مواردهم في المعارف الالهية وفاضت مناهل عرفانهم بالنفحات القدسية .

وناهيك بمن هو شيخ الامام الجنيد سيد الطائفة الصوفية فهو خاله واستاذه وهو امام التصوف بالعراق في عصره وهو كما قال الامام القشيري في رسالته : ( اوحد زمانه في الورع واحوال السنة وعلوم التوحيد ) .

ويقول عنه ابو عبد الرحمن السلمي في طبقاته : ( وهو اول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد وحقائق الاحوال وهو امام البغداديين وشيخهم في وقته ) .

فالامام السري اذا يعد رائد عصره في كشف حقائق التصوف وعلومه . ثم هو امام زمانه في احوال القوم واخلاقهم ومناهجهم السلوكية التي ترتقي بالعبد الى قمة الوصول .

والعارف ابو الحسن السري بغدادي المولد كما انه بغدادي الوفاة ,, اذ توفى في سنة احدى وخمسين ومائتين هجرية , مقامه بالشونزية ظاهر يزار وتلتمس منه البركات .

وقد من الله تعالى علي بزيارة ضريحه في بغداد سنة 1411 هـ سنة 1990 م حيث كنت عضوا بالمؤتمر الاسلامي ضمن وفد المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية .

وقد تلقى القطب السري طريقته عن قطب عصره الامام العارف سيدي معروف الكرخي الذي يعد شيخ التصوف بالعراق في زمنه والذي تلقى بدوره الطريق عن سليل البيت النبوي سيدي علي بن موسى الرضا وقد استمد الامام السري المدد الصوفي من سيدي معروف ليسرى اليه نور هذه السلسلة المنتهية الى بيت النبوة ثم منه الى الامام ابي القاسم الجنيد الملقب بسيد الطائفة الصوفية .

وعن قصة البداية في الطريق الصوفي الامام السري مع شيخه سيدي معروف : يروي الامام القشيري بسنده عن ابي العباس بن مسروق يقول : ( بلغني ان السري السقطي كان يتجر في السوق – وهو من اصحاب معروف المكرخي – فجاءه معروف يوما ومعه صبي يتيم فقال :اكس هذا اليتيم .

قال سري : فكسوته.

ففرح به معروف وقال : ( بغض الله اليك الدنيا واراحك مما انت فيه) , فقمت من الحانوت وليس شيء ابغض الي من الدنيا وكل ما انا فيه من بركات معروف .

وعلى اثر هذا الحادث واستجابة لدعوة سيدي معروف توجه الامام السري الى الله وترك تجارة الدنيا ليشرع في تجارة الاخرة , بل ليستقبل عهده مع الله في محراب العبادة والعبودية يعبده تقربا اليه لا طمعا في ثوابه ولا خوفا من عذابه كما هو الشأن في عبادة الاحرار .

ولقد سلك الامام السري طريق القوم على تعطش للعبادة والمعرفة فاقبل على الطاعات بروح تواقة شغوفة بالتحرر من الانية والغيرية . دؤوبة على الخدمة والعكوف بباب المولى حتى يؤذن لها بالدخول .

واخبار عبادات الامام السري تثير العجب وتفوق الخيال : يقول الامام الجنيد : ( ما رأيت أعبد من السري , أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعا الا في علة الموت ) .

اي طراز هذا من الرجال ؟؟ انه الطراز الملائكي الذي يقتات من العبادات ويتنفس بالطاعات كما قال تعالى في حق الملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ

وهذا هو دأب العارف السري , وقد كان يوصي به اصحابه ومريديه , ولقد سمعه الامام الجنيد يقول : ( اني اعرف طريقا يؤدي الى الجنة قصدا فقيل له ما هو يا أبا الحسن ؟

فقال : ( ان تشتغل بالعبادة وتقبل عليها حتى لا يكون لك فيها فضل ) .

لقد فسر هو بنفسه معنى قوله : ( حتى لا يكون لك فيها فضل ) عمليا وذلك بعبادته المتصلة ثمانية وتسعين عاما امضاها بين صيام وقيام وذكر وفكر حتى لقد كان يقول : ( اذا فاتني جزء من وردي لا يمكن ان اقضيه ابدا ) .
وعلل ذلك الامام الجنيد قائلا : ( لان السري كان متصل التنفل ) .

وكان يقول ( من قام بين يدي الله في الظلام نشرت له يوم القيامة الاعلام ) .

ولقد كان المنهج السلوكي عند العارف السري ذا جوانب متعددة عميقة الغور والابعاد . وكانت تلك الجوانب في مجموعها تمثل حلقات متصلة بحيث تفضي هذه الجوانب في النهاية الى بلوغ قمة النضج الروحي حيث تحلق الروح في سماء المعرفة والولاية .

ففي مجال النفس مثلا : تطالعنا عند الامام السري صفحات مضيئة يكاد سنا برقها يذهب بالابصار . يقول : ( ان نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة او اربعين سنة ان اغمس جزرة في دبس – اي عسل التمر وعسل النحل – فما أطعتها ) .
انها مجاهدة النفس في شهوة حلال من اجل قطع ماربها لكي يصفو الجو للروح فتنطلق الى معاريج الوصول .
ولقد دخل عليه الامام الجنيد يوما فقال له : يا جنيد عصفور يجيء كل يوم أفت له الخبز في يدي فياكله فنزل الساعة ولم يسقط على يدي فتذكرت اني اكلت ملحا بابراز فآليت الا اكله بعدها فعاد كما كان ) .

ولطالما تحرى الامام السري الحلال مع شدة الورع حتى تحمل في ورعه الكثير والكثير وكان يقول دائما : ( آه على لقمة ليس لله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة ) !!

ومن تلك الوقائع التي تجلي فيها ورع سيدي السري ما رواه الامام الشعراني في طبقاته اذ قال : وقال علي بن الحسين بعثني ابي للسري بشيء من حب السعال لسعال كان به . فقال لي : كم ثمنه ؟ فقلت له : لم يخبرني بشيء . فقال اقرأ عليه السلام وقل له : نحن نعلم الناس منذ خمسين سنة ان لا يأكلوا باديانهم افتراني اليوم آكل بديني ؟؟؟ ولم يأخذ منه شيئا !!! .

ويؤكد صاحب الحلية هذا المرتقى السامي عند الشيخ السري قائلا ( وسمعت ابا علي الحسن البزاز يقول سألت ابا عبد الله احمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر فقال : أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء ؟ قلت بلى قال هو على سيره عندنا قبل ان يخرج .

ثم يقول ابو نعيم : وقد كان السري يعرف بطيب الغذاء وتصفية القوة وشدة الورع حتى انتشر ذلك عنه , وبلغ ابا عبد الله احمد بن حنبل فقال : (الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء ) .

وقد كان منهج السري في الورع منطويا على جواهر الحكم السلوكية الصوفية فها هو ذا يقول : ( لا يقوى على الشهوات الا من ترك الشبهات ) .

ويؤيده ما ورد في الحديث الشريف , فمن اتقى الشبهات فقد تبرأ لدينه وعرضه , وأيضا فقد كان العارف السري يقول : ( تصفية العمل من الافات اشد من العمل ) .

ثم الى جانب الزهد والورع فقد كانت المراقبة في اعلى درجاتها متمثلة في سلوك الامام السري . والمراقبة هي احدى مرتبتي الاحسان الوارد معناه في الحديث الشريف إذ قال سيد الوجود : الاحسان ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك , فالشق الاول للمشاهدة والثاني المراقبة , والمراقبة عند العارفين لها درجات ومنازل , ولقد تربع سيدي السري في قمة المراقبة والحضور , يقول : ( صليت وردي ليلة فمددت رجلي في المحراب فنوديت , يا سري كذا تجالس الملوك قال : فضممت رجلي ثم قلت : وعزتك لا مددت رجلي أبدا ) !!

انه نداء المراقبة من قبل الحضرة العلية للعارف السري ولقد عرف نفس النداء مع سيدي ابي يزيد البسطامي وسيدي ابراهيم بن ادهم .

ومع المراقبة هناك التوكل والرضا , ولكل مفهومه عند العارف السري , فهو يعرف التوكل بانه : ( الانخلاع من الحول والقوة ) .

ثم يقول عن الرضا والورع والعبادة والشكر ( رأس الاعمال الرضا عن الله وعمود الدين الورع , ومخ العبادة الجوع , وضبط اللسان حصن حصين , ومن شكر الله جرى في ميدان الزيادة ) .

ويرى الامام السري السقطي ان التجرد لله تعالى هو أقرب ما يوصل الى الحضرة الالهية , فلقد سئل يوما , كيف الطريق الى الله ؟
فقال : ( ان اردت العبادة فعليك بالصيام والقيام , وان اردته فاترك كل ما سواه تصل اليه ) .

اي ان هناك طريقين موصلين الا ان اقربهما للوصل هو ترك السوى , ولقد ترك الامام السري كل ما سوى الله فوصل الى الله , وصل اليه على جناحي المحبة والشوق , وللمحبة عند العارف السري مقام لا يرام بالكلام ولا يسطر بالاقلام يقول الامام الجنيد ( سألني السري يوما عن المحبة فقلت : قال قوم هي الموافقة , وقال قوم الايثار , وقال قوم : كذا فاخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد , ثم قال : وعزته لو قلت ان هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت . ثم غشي عليه فصار وجهه كأنه قمر مشرق وكان السري به أدمة _ اي سمرة ) .

ومصداق لمنطق هذه الواقعة فلقد رفع السري الى الامام الجنيد يوما رقعة وقال له : انظر ما فيها فاذا فيها :

اذا ما شكوت الحب قال كذبتني
فما لي ارى الاعضاء منك كواسيا
فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا
وتذبل حتى لا تجيب المناديا

ولقد جاء رجل وقال يوما للعارف السري : كيف أنت ؟

اجابه قائلا :

من لم يبت والحب حشو فؤاده
لم يدر كيف تفتت الاكباد

انها محبة العبد لسيده ومولاه , هي القوت والغذاء , وهي الخمر وهي الكأس وهي النعيم وهي السرور فأعجب لنعيم يفتتت الاكباد ويذيب المهج ويلصق الجلد بالحشا ويقطع المحب عن كل شيء سوى محبوبه .

ولقد ارتفع سيدي السري بمحبته الى درجة العشق , حتى انه مرض يوما ولم ير عليه تغير . فأخذ الامام الجنيد بوله فذهب الى طبيب نصراني فتأمله وقال : هذا بول عاشق !! فصعق الامام الجنيد وأغمى عليه ثم أخبر شيخه السري فقال : قاتله الله ما أخبره ! ما كنت أظن ان الحب يظهر في هذا !!! .

وما من شك في ان غاية المحب ومناه في الوصال .

ومن ثم فالحجاب عن المحبوب هو أشد ما يعانيه المحب من العذاب , لذلك كان الامام السري يتضرع الى ربه ويناجيه قائلا : ( اللهم مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب ) .

ان الاولياء ينشدون الوصال دائما فهو مطلبهم الاسمى ومع الوصال يكون الانس والرضا والهيبة والجلال , وكلها مقامات لها ِشأنها عند أهلها , وقصارى ما يمكن ان نصل اليه هو المدلول النظري عن طريق التعرف والبحث . اما الادراك الصوفي العملي فهو وقف على اهله الذين اصطفاهم ربهم واجتباهم , وقد أوجد البون الشاسع بين النظر والتطبيق عقبة منيعة في التصديق , ولكن لا يسعنا الا نشدان الحقيقة والتعرف عليها من اي الوجوه والزوايا .

وفي مقام الانس والهيبة يقول الامام السري : ( يبلغ العبد من الهيبة والانس الى حد لو ضرب وجهه بالسيف لا يشعر ) .
ويعلق الامام الجنيد على كلام شيخه قائلا : ( وكان في قلبي منه شيء حتى بان لي الامر كذلك , وذلك لان الهيبة والانس حالتان فوق القبض والبسط ) .

والقبض و البسط , فوق الخوف والرجاء , فالهيبة مقتضاها الغيبة والدهشة فكل هائب غائب حتى لو قطع قطعا لم يحضر من غيبته الا بزوال الهيبة عنه .

والانس مقتضاه الصحو والافاقة , ثم انهم يتفاوتون في الهيبة والانس , وقيل ادنى مرتبة في الانس انه لو القي في النار ما تكدر انسه , الا ترى الى قول السري : ( يبلغ العبد من الهيبة والانس الى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر ) ولذلك لان الانس يتولد من السرور بالله , ومن صح انسه بالله استوحش مما سواه .

فمهذه مقامات العارفين السابحين في بحار القرب الفائزين برضا الرب الناعمين بالولاية الربانية والمجتبين للمعرفة الالهية , وللمعرفة علامات ابان عنها العارف السري اذ قال : ( من علامة معرفة الله القيام بحقوق الله وايثاره على النفس فيما امكنت فيه القدرة ) .

والايثار بصفة عامة خلق من اخلاق الكمل من الرجال , وقد نال الامام السري منه الغاية القصوى وهي الفتوة في الطريق , وحمل اثقال المسلمين وتقديم مصلحتهم على الجانب الشخصي , فلقد اثر عن سيدي السري انه كان يقول : ( وددت ان احزان الخلق كلهم علي ) .

انه يريد ان يتحمل وحده عناء و احزان الخلائق شفقة منه عليهم وايثارا لهم على نفسه وذلك هو عين المشرب المحمدي وأنعم به من مشرب .

ومن النماذج التطبيقية لخلق الفتوة عند الشيخ السري ما ذكره الامام القشيري في رسالته قائلا : ويحكي السري انه قال : ( منذ ثلاثين سنة انا في الاستغفار من قولي ( الحمد لله ) مرة , قيل وكيف ؟

فقال : وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجل فقال : نجا حانوتك , فقلت الحمد لله فمنذ ثلاثين سنة انا نادم على ما قلت حيث اردت لنفسي خيرا مما حصل للمسلمين ).

لله درك ايها العارف هذه هي اخلاق المسلم التي ارتفع بها صرحه وساد العالمين , وبها تتحقق ذاتية المسلم الكامل الوارث لاخلاق النبوة . ان هذا السمو الاخلاقي هو وليد التربية الصوفية التي تنزع من العبد نفسه الامارة بالسوء وتمحو منه انانيته لكي يصفو ويسمو حيث يحلق في اجواء الحب النقي الطاهر لله الواحد الاحد , ولقد وضع اقطاب الصوفية في مناهجهم السلوكية اكمل المبادئ والاسس الاخلاقية التي ترتقي بالعبد الى مصاف الابرار المقربين .

يقول الامام السري : ( ثلاث من اخلاق الابرار : القيام بالفرائض واجتناب المحارم , وترك الغفلة , وثلاث من اخلاق الابرار يبلغن بالعبد رضوان الله : كثرة الاستغفار , وخفض الجناح , وكثرة الصفات , وثلاث من ابواب سخط الله : اللعب , والمزاح , والغيبة , والعاشر من هذه الثلاث : عمود الدين وذروة سنامه : حسن الظن بالله )

انها مدارج الكمال ومعاريج الاتصال يصفها العارف سيدي الامام السري كما يحدثنا عن عقبات الوصول ووسائل الاتصال بالله تعالى قائلا : ( انقطع من انقطع عن الله بخصلتين واتصل من اتصل باربع خصال . فأما من انقطع عن الله بخصلتين : فيتخطى الى نافلة بتضييع فرض . والثاني عمل بظاهر الجوارح لم يواطئ عليه صدق القلوب , واما الذي اتصل به المتصلون : فلزوم الباب والتشمير في الخدمة , والصبر على المكاره , وصيانة الكرامات ) .

ولمعنى الصبر تحليل جميل عند العارف السري , اذ يقول : ( معنى الصبر ان تكون مثل الارض تحمل الجبال وبني ادم وكل ما عليها لا تأبى ذلك . كذلك الصابر يحتمل كل ما كرهته النفوس لا يأبى ذلك ولا يسميه بلاء بل يسميه نعمة وموهبة من الله سبحانه وتعالى) .

ثم لقد تعرض العارف السري لبيان اخلاق الصديقين . فقد قال الامام الجنيد : ( دخلت يوما فقال لي : ما اوائل احوال الصديقين؟
قلت : لا ادري .

قال ثلاثة : ان يكونوا بما في ايديهم مع اخوانهم سواء , ويطالبوا نفوسهم بما للناس عليهم , واذا عرض امران لله فيهما رضا حملوا انفسهم على اصعبهما وأشدهما وان كان فيه تلف نفوسهم ) ويعقد الامام السري مقارنة صوفية بين الابرار والمقربين قائلا ( قلوب المقربين معلقة بالسوابق , ماذا سبق من الله لنا ) .

واما عن اخلاق الابدال من الاولياء فيقول : ( اربع من اخلاق الابدال : استقصاء الورع , وتصحيح الارادة ,وسلامة الصدر للخلق , والنصح لهم ) .

تلك اشارات ولطائف رقيقة نورانية اتصف بها قوم في الذروة العليا من الصفاء والطهر والنقاء , وتكلم بها امام في المعرفة تفجرت في قلبه ينابيع الحكمة فتحدث عن موارد القلوب . يقول الامام الجنيد : ( بعثني السري يوما في حاجة فابطأت عليه , فلما جئت قال لي: ( اذا بعث بك رجل يتكلم في موارد القلوب في حاجة فلا تبطئ عليه . فانك تشغل قلبه ) انه امام فذ في عصره فريد من طرازه وقد كانت نظرة عصره اليه نظرة المأموم للامام . فلقد روى صاحب الحلية ان الامام الجنيد سمع الحسن البزاز يقول ( كان احمد بن حنبل ها هنا وكان بشر بن الحارث ها هنا وكنا نرجو ان يحفظنا الله بهما . ثم انهما ماتا وبقي السري وأني ارجو ان يحفظنا الله بالسري ) .

ولقد كان للامام السري مع الامام احمد بن حنبل – في حياته – شأن جليل في أمور الحقائق , ومن ذلك ما ذكره الامام الغزالي قائلا : ( وأرسل السري الى احمد بن حنبل شيئا فرده .

فقال له : احذر آفة الرد فانها اشد من آفة الاخذ .

فقال : أعد علي ما قلت , فأعاده .

, فقال : ما رددت الا لان عندي قوت .
فأحبسه عندك وأرسله بعد شهر ) .

لقد تلاقى علم الشريعة وعلم الحقيقة في اعلى قمتين شامختين في العصر كله , واتفقت الكلمتان وتوحدتا وما كان لهما ان تختلفا او تتفرقا ابدا برغم ما يقوله اهل الزور من اعداء الصوفية الذين عميت بصائرهم عن رؤية الحقيقة , ولقد أوضح الامام السري الحقيقة بجلاء في قوله : ( من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكيم فهو غالط ) ولنعم ما قاله اهل الله تعالى : ( الشريعة ان تعبده ,والطريقة ان تقصده ,والحقيقة ان تشهده ) ولكن ما ذنب الشمس في ان يحجب عنها أعمى او لا يحس بها فاقد لجوهر الحياة ؟؟ فليبك المحجوبين على انفسهم بدلا من ان يصبوا احقادهم على المتنعمين بشهود الجمال القدسي , فالذين رفعت لهم اعلام الولاية لن يضيرهم عداء اهل الظلمة والغواية .

ولننتقل الى جانب الكرامات عند قطب الاقطاب العارف المعرف سيدي السري السقطي : ( ولن نضع في حسباننا الذين ينكرون على الاولياء كراماتهم برغم ورودها في صحيح الكتاب والسنة : - يروي صاحب الحلية بسنده عن علي ابن عبد الحميد الغضائري يقول : ( سمعت سريا السقطي ودققت عليه الباب , فقام الى عضادتي الباب فسمعته يقول : ( اللهم اشغل من شغلني عنك بك ) فكان من بركة دعائه ان حججت اربعين سنة من حلب على رجلي ماشيا ذاهبا وجائيا ) ومما ذكره الامام النبهاني في جامع الكرامات : قال : ( وحكى ان السري السقطي لما ترك التجارة كانت أخته تنفق عليه من ثمن غزلها . فأبطأت يوما فقال لها السري : لم أبطأت ؟

فقالت : لأن غزلي لم يشتر , وذكروا انه مخلط .

فامتنع السري عن طعامها . ثم ان اخته دخلت عليه يوما فرأت عجوزا تكنس بيته وتحمل كل يوم اليه رغيفين فحزنت أخته وشكت الى احمد بن حنبل , فقال احمد بن حنبل للسري فيها فقال : ( لما امتنعت عن اكل طعامها قيض الله لي الدنيا لتنفق علي وتخدمني ) . وقال احمد بن خلف : دخلت يوما على السري فرأيت في غرفته كوزا جديدا مكسورا .

فقال : اردت ماء باردا في كوز جديد فوضعته على هذا الرواق ونمت , فرأيت في منامي جارية مدنية فقالت : يا سري : من يخطب مثلي يبرد الماء , ثم رمته برجلها فاستيقظت من نومي فاذا هو مطروح مكسور ) .

قال الجنيد : فرأيت الخزف المكسور لم يمسسه ولم يرفعه حتى عفى عليه التراب وعلمت ان مخالفة النفس وقمع الشهوات واللذات من دواعي الوصول وشواهد المشاهد ) .

ولقد فلسف العارف السري نظرته للكرامات بقوله : ( من أطاع من فوقه أطاعه من دونه ) كما فلسف من قبل نظرته للمحبة الالهية إذ قال : ( لا تكمل محبة بين اثنين حتى يقول كل للاخر يا أنا ) .

والصوفية لا يعرفون المحبة الا لله او في الله لان قلوبهم ممحضة لله . انهم عباد الهيون ربانيون . اجتمعت قلوبهم في محراب الخصوصية والاصطفاء لتنال من الله وافر العطاء .

وبعد : فقد أمضينا هذه الرحلة النورانية مع قطب من اقطاب الصوفية الامجاد وامام من ائمة الولاية الافراد سيدي الامام العارف السري السقطي شيخ الامام الجنيد وامام التصوف في عصره . وقد اقتبسنا منه هذه النفحات المباركات زادا لارواحنا ونورا لقلوبنا علنا نقتفي الاثر ونسير على الدرب ونسلك السبيل .

رضي الله عنك يا مولانا السري وأمدنا منك بالمدد الاعلى وشرفنا معك بالصحبة المباركة ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .


--------------------------------------------------------------------------------
المصدر : من كتاب بحار الولاية المحمدية في مناقب اعلام الصوفية للاستاذ الدكتور جودة محمد ابو اليزيد المهدي . ص 263-275.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



وفاة السري السقطي الزاهد:

وفي اليوم السادس من رمضان سنة 253 للهجرة توفي الرجل الذي وصفه أبو نعيم في (حلية الأولياء 10/116): بأنه العلَمَ المنشور والحكَمَ المذكور، شديد الهَوْي حميد السعي، ذو القلب النقي والورع الخفي، عن نفسه راحل ولحكم ربه نازل: أبو الحسن السَرِي بن المغلس السقطي خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه، صحب معروفاً الكرخي، وحدث عن هشيم وأبي بكر بن عياش ويزيد بن هارون وكان من أكابر العباد ، شهد له الجنيد فقال:

ـ ما رأيت أعبد من السري السقطي. أتت عليه ثمانية وتسعون سنة ما رؤي مضطجعاً إلا في الموت...

نقل عنه إسماعيل بن عبد الله الشامي قال: قال السري السقطي: خمس من كن فيه فهو شجاع بطل: استقامة على أمر الله ليس فيها روغان, واجتهاد ليس معه سهو, وتيقظ ليس معه غفلة, ومراقبة لله في السر والجهر ليس معه رياء، ومراقبة الموت بالتأهب.

وقال كذلك: للخائف عشر مقامات: الحزن اللازم ، والهم الغالب ، والخشية المقلقة ، وكثرة البكاء ، والتضرع في الليل والنهار، والهرب من مواطن الراحة, وكثرة الوله ، وَوَجَل القلب ، وتنغص العيش ، ومراقبة الكمد.

ونقل عنه ابنه قال: سمعت أبي يقول: لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على أولادها للاقت السرور في معادها.

وروى ابن الجوزي في (المنتظم في أخبار الملوك والأمم 12/67) عن الجنيد قال :

ـ اعتل السري السقطي فدخلت عليه فقلت كيف تجدك ؟

قال : كيف أشكو إلى طبيبي ما بي، والذي أصابني من طبيبي . فأخذت المروحة أروحه فقال : كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق من داخل ؟؟

ثم أنشأ يقول:

القلـب محترق والدمـع مستبق والكرب مجتمِع والصبر مفترِقُ

كيف القرار على من لا قرار له مما جناه الهوى والشوق والقلقُ

يا رُّب إن كان شيءٌ فيه لي فرج فامننْ عليّ بـه ما دام لي رمقُ

كان السري السقطي شديد الورع لا يتعامل مع من يتعدى حدود الله .

عن حسن المسوحي قال: دفع إلي السري قطعة من المال فقال : اشتر لي باقلاء ، ولا تشترِ إلا من رجل قِدْره داخل الباب (أي لا يضع متاعه في الشارع الذي هو ليس مملوكاً له)

قال : فطفت الكرخ كله، فلم أجد إلا من قدره خارج الباب .

فرجعت إليه وقلت له:

ـ خذ فإني لا أجد إلا من قدره خارج الباب.

وهكذا حرم نفسه مما فيه شبهة . يقول:

ـ إني أحب أن آكل أكلةً ليس لله علي فيها تبعة، ولا لمخلوق فيها منّهٌ ، فما أجد إلى ذلك سبيلاً.

وذكر ابن الجوزي في (صفوة الصفوة 2/385) عن الجنيد قال :

ـ دخلت على سري السقطي وهو في النزع ، فجلست عند رأسه ، فوضعت خدي على خده ، ودمعت عيني عليه، ففتح عينه فقال لي:

من أنت؟ قلت:

ـ أنا خادمك الجنيد..

فقال : مرحباً

فقلت : أيها الشيخ أوصني بوصية انتفع بها بعدك

قال: إياك ومصاحبة الأشرار! وإياك أن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار!..

ونقل عنه قوله:

ـ لولا الجمعة والجماعة لسددت على نفسي الباب ولم أخرج. توفي السري السقطي يوم السادس من رمضان سنة 253هـ رحمه وأحسن مثوبته.
ahmed1981
2008/03/21
سابع و عشرون: الحارث المحاسبى

أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي وكتابه التوهم
د.عبد الكريم اليافي


ولد نحو عام 165هـ/ 781م بالبصرة. اسم أبيه أسد وكنية الأسد أبو الحارث. فربما سمى ابنه الحارث توكيداً لهذه الكنية. ولقد جاء الفتى باكراً إلى بغداد حيث توفي بعد حياة حافلة بالعلم والتقوى عام 243هـ/ 857م. وهو من كبار الصوفية وأوائل علماء الكلام وأعلام الوعاظ البلغاء.


وأبرز ما في سيرة حياته وعظه وتعليمه وكتبه الكثيرة التي تزيد على المئة والتي يتجلى فيها احترامه العميق للسنة، وتشدده الخلقي، وبيانه الذي يعتمد على الترغيب والترهيب وعلى التنديد بنوازع الهوى ونزوات النفس، ودقته في التحليلات النفسية والتعريفات الفلسفية.


عقد له الحافظ أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة 430هـ/ 1039م في كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" ترجمة ذكر فيها أحاديث رواها وأقوالاً له ومواعظ مؤثرة واستهلّها بهذه الفقرات:


"كان لألوان الحق مشاهداً ومراقباً ولآثار الرسول عليه السلام مساعداً ومصاحباً. تصانيفه مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة. كان في علم الأصول راسخاً، وراجحاً، وعن الخوض في الفضول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائغين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصـــحاً"(1).


وترجم له الحافظ أبو بكر بن علي الخطيب البغدادي المتوفى عام 463هـ 1071م في كتابه "تاريخ بغداد"، فعده "أحد من اجتمع له الزهد والمعرفة بعلم الظاهر والباطن"(2).


ويورد الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى عام 465هـ 1073م في "الرسالة" عند ترجمته المحاسبي قول أبي عبد الله بن خفيف للمتصوفة: "اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي والجنيد بن محمد وأبو محمد رويم وأبو العباس بن عطاء وعمرو بن عثمان المكي لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق"(3).


ومن الذين ترجموا له تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي 727/1327-771/1369 في كتابه طبقات الشافعية. ونحن نورد شيئاً من ترجمته له بياناً لأسلوب من التدقيق كان الأعلام القدماء يتبعونه: "يقال إنما سُمِّي المحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه. قال ابن الصلاح ذكره الأستاذ أبو منصور في الطبقة الأولى فيمن صحب الشافعي. وقال كان إمام المسلمين في الفقه والتصوف والحديث والكلام. وكتبه في هذه العلوم أصول من يصنف فيها. وإليه ينسب أكثر متكلمي الصفاتية. ثم قال لو لم يكن في أصحاب الشافعي في الفقه والكلام والأصول والقياس والزهد والورع والمعرفة إلا الحارث المحاسبي لكان مُغبِّراً في وجوه مخالفيه والحمد لله على ذلك. قال ابن الصلاح: صحبته للشافعي لم أر أحداً ذكرها سواه، وليس أبو منصور من أهل هذا الفن فيعتمد فيما تفرد به، والقرائن شاهدة بانتفائها. قلت إن كان أبو منصور صرح بأنه صحب الشافعي فالاعتراض عليه لائح، وإلا فقد يكون أراد بالطبقة الأولى من عاصر الشافعي وكان في طبقة الآخذين عنه. وقد ذكره في الطبقة الأولى أيضاً أبو عاصم العبادي وقال كان ممن عاصر الشافعي واختار مذهبه، ولم يقل كان ممن صحــبه. فــلعل هذا القدر مراد أبي منــصور"(4).


أشرنا آنفاً إلى تعريفاته الفلسفية وتحليلاته النفسية. وقد أورد السبكي فيما أورده قوله: "حسن الخلق احتمال الأذى، وقلة الغضب، وبسط الرحمة وطيب الكلام. ولكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل وجوهر العقل الصبر. والعمل بحركات القلوب في مطالعات الغيوب أشرف من العمل بحركات الجـوارح"(5).


ويعرض صاحب طبقات الشافعية بعض تعليقات القدماء على تعريف المحاسبي للعقل.


"قال إمام الحرمين في "البرهان" عند الكلام في تعريف العقل: "وما حوّم عليه أحد من علمائنا غير الحارث المحاسبي فإنه قال: العقل غريزة يُتأتى بها درك العلوم وليست منها. وقد ارتضى الإمام كلام الحارث هذا كما ترى وقال عقيبه: إنه صفة إذا ثبتت يُتأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات التي هي من مستند النظريات. وهو منه (أي من إمام الحرمين) بناءً على أن العقل ليس بعلم والمعزو إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه العلم. وقال القاضي أبو بكر (الباقلاني): إنه بعض العلوم الضرورية. والإمام حكى في "الشامل" مقالة الحارث هذه التي استحسنها وقال: إنّا لا نرضاها ونتهم فيها النقلة عنه. ثم قال: ولو صح النقل عنه فمعناه أن العقل ليس بمعرفة الله تعالى وهو إذا أطلق المعرفة أراد بها معرفة الله. فكأنه قال: ليس العقل بنفسه بمعرفة الله ولكنه غريزة. وعنى بالغريزة أنه عالم لأمر جبل الله عليه العاقل ويتوصل به إلى معرفة الله. انتهى كلامه في "الشامل". والمنقول عن الحارث ثابت عنه. وقد نص عليه في كتاب "الرعاية". وكان إمام الحرمين نظر كلام الحارث بعد ذلك. ثم لاحت له صحته بعدما كان لا يرضاه. واعلم أنه ليس في ارتضاء مذهب الحارث واعتقاده ما ينتقد، ولا يلزمه قول بالطبائع ولا شيء من مقالات الفلاسفة كما ظنه بعض شراح كتاب "البرهان". وقد قررنا هذا في غير هذا الموضع. وقول إمام الحرمين إنه أراد معرفة الله ممنوع فقد قدمنا عن الحارث بالإسناد قوله إنه نور الغريزة يقوى ويزيد بالتقوى. نعم الحارث لا يريد بكونه نوراً ما تدعيه الفلاسفة"(6). وتظهر هذه المناقشة حرص علماء المسلمين على صفاء العقيدة.


كان السلف (رضوان الله عليهم) حين يكتبون يَزِنُون الكلمات في ميزان الدلالة بدقة ويمحصونها تمحيصاً. ورد في مستهل بحثنا قول أبي نعيم في المحاسبي: "كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً وللمخالفين الزائغين قامعاً". والحق أن الحارث كان رائداً في علم الأصول الذي يراد به هنا علم التوحيد أو علم الكلام. ولا بد في بيان ريادته هذه أن نعتمد على مؤلف مشهور في تأريخ النحل وهو الإمام أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548/1153). فقد عقد في كتابه "الملل والنحل" فقرة ضافية وذات دلالة عن نشوء "الصفاتية" نورد نصها فيما يأتي لأهميتها في هذا المضمار.


"اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً، وكذلك يثبتون صفات جبرية. ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون سمي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة. فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بالمحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر. فافترقوا فرقتين، منهم من أوّلها على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى: ]الرحمن على العرش استوى خلقتُ بيديَّ وجاء ربك[(9) إلى غير ذلك. ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها. بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقيناً. ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف.


... أما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا استهدفوا للتشبيه فمنهم مالك بن أنس(10) إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل(11) وسفيان(12) وداود الأصفهاني(13) ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي(14) وأبي العباس القلانسي(15) والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية. وصنف بعضهم ودرّس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري(16) وبين أستاذه (أبي علي الجبائي)(17) مناظرة في مسألة الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بحجج كلامية، وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية. ولما كانت المشبّهة(18) والكرامية(19) من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية"(20).


أما قمعه للمخالفين الزائغين في كلام أبي نعيم فإنما يراد به رده على المعتزلة حين عطلوا الصفات واتفقوا على نفي رؤية الله بالأبصار في دار القرار. ومن الضروري أن نوضح معنى تعطيل الصفات، وقضية الرؤية.


ذلك أن علماء الكلام من الأشاعرة ذهبوا إلى أن صفات الله على أربعة أنواع: الأول صفة نفسية وهي الوجود. والثاني صفات سلبية وهي خمس: القدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه تعالى بنفسه، والوحدانية. والثالث صفات معان وهي القدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. والرابع صفات معنوية وهي سبع كونه قادراً، ومريداً، وعالماً، وحياً، وسميعاً، وبصيراً، ومتكلماً.


أما الصفة النفسية فهي عند الأشعري عين الموصوف. فالوجود عين الموجود عنده. وهي عند غيره غير الذات. فالوجود عندهم غير الموجود. وأما الصفات السلبية الخمس فهي غير الذات بمعنى أنها غير قائمة بالذات. فالقدم مثلاً يسلب عنه الحدوث وهكذا بقية هذه الصفات. أي أنها أمور عدمية. وأما صفات الأفعال مثل الإحياء والإماتة والرزق والعون وأشباهها فهي غير الذات أيضاً بمعنى أنها منفكة عنها من قِبَل أنها عند التحقيق تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة. وأما الصفات المعنوية فلا خلاف فيها ويثبتها المعتزلة وهي أنه قادر بذاته ومريد بذاته وعالم بذاته وهكذا ولكنهم نفوا عنه صفات المعاني أي الصفات التي هي معان أي ليست هناك صفة تسمى العلم ولا صفة تسمى الإرادة ولا صفة تسمى القدرة... وذلك لأن الصفة غير الموصوف ولو أثبتنا له سبحانه وتعالى صفات غير ذاته لم يكن بد من أمرين فإما أن تكون هذه الصفات حادثة وإما أن تكون قديمة. فإن كانت حادثة لزم قيام الحادث بالقديم وهو محال. وإن كانت قديمة لزم أن يكون هنالك قدماء متعددة بتعدد الصفات زيادة على الذات وهذا هو الشرك.


ولكن الأشاعرة يرون أنه لا يلزم من ذلك تعدد القدماء كما زعم المعتزلة، لأن كل صفة من صفات المعاني وإن كانت غير سائر الصفات إلا أنها لازمة للذات ولا تنفك عنها. فهي دائمة الوجود، مستحيلة العدم. فهو حي بحياة، عالم بعلم، قادر بقدرة، وهكذا. والمحظور هو تعدد القدماء المتغايرة، ولا تغاير هنا بين الذات والصفات ولا بين الصفات بعضها مع بعض فينتفي التعدد. فتلك الصفات زائدة على الذات قائمة بها لازمة لها لزوماً لا يقبل الانفكاك.


هذا وربما كان الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة لفظياً لأن القول بأنها ليست بغير الذات محمول على الغير الذي ينفك عن الذات وإن كانت غيراً في المفهوم والتصور.


ومما حصل فيه النزاع أيضاً رؤية العباد ربهم. فذهب المعتزلة إلى أن العقل يحكم بامتناعها لأن الرؤية لا تتحقق إلا متى كان المرئيّ في الجهة المقابلة لنظر الرائي وهو سبحانه ليس جسماً ولا في جهة من الجهات. وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى يجوز أن يرى والمؤمنون في الجنة يرونه منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان، إذ هذه الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه لا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك. وقد أوّل المعتزلة ما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف من إشارة إلى ذلك. وعمد المحاسبي رداً على المعتزلة في نهاية كتابه "التوهم" الذي هو شطر مهم في بحثنا إلى تصور تلك الرؤية على أنها غبطة يفوز بها أهل النعيم في الجنة كما سنرى.


كان الحارث واعظاً بليغ الكلام يأخذ وعظه بمجامع القلوب ويخلب الأسماع ويسترق الأفهام ويستدر المدامع حتى تغرورق بها العيون. نقل صاحب تاريخ بغداد في ترجمته للمحاسبي ما حدث به إسماعيل بن إسحاق السراج: "قال لي أحمد بن حنبل يوماً: يبلغني أن الحارث هذا- يعني المحاسبي- يكثر الكون عندك. فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه! فقلت: السمع والطاعة يا أبا عبد الله. وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله. فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة. فقلت: وتسأل أصحابك أن يحضروا معك. فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة فلا تزدهم على الكُسْب والتمر، وأكثر منهما ما استطعت. ففعلت ما أمرني به، وانصرفت إلى أبي عبد الله فأخبرته. فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده حتى فرغ. وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلوا بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث، وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل. فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة. فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون، وكأن على رؤوسهم الطير. فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غُشِي عليه، فانصرفت إليهم ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا. فصعدت إلى أبي عبد الله، وهو متغير الحال. فقلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. وعلى ما وصفت من أحوالهم فإني لا أرى لك صبحتهم. ثم قام وخرج"(21).


ويعلق الإمام ابن السبكي في كتابه "طبقات الشافعية" بعد أن يورد هذه الرواية فيخاطب القارئ:


"تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة. واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم. فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل أحد فيخاف على سالكه وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر ولكل رأي واجتهاد"(22).


ولكن الخلاف بين أحمد والحارث مشهور. فقد "كان أحمد بن حنبل يكره للحارث نظره في الكلام وتصانيفه الكتب فيه"(23). بل كان الإمام "شديد النكير على من يتكلم في علم الكلام خوفاً أن يجرّ ذلك إلى ما لا ينبغي. ولا شك في أن السكوت عنه ما لم تدع الحاجة أولى. والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة. وكان الحارث قد تكلم في شيء من مسائل الكلام. قال أبو القاسم النصراباذي: بلغني أن أحمد بن حنبل هجره بهذا السبب. قلت: والظن بالحارث أنه إنما تكلم حين دعت الحاجة. ولكل مقصد"(24).


والذي نراه أن إنكار صاحب "المسند" وأمثاله من أهل الحديث على المحاسبي وأمثاله من الوعاظ والصوفية يرجع قسم كبير منه إلى اعتماد هؤلاء في مواعظهم وأفكارهم على الأحاديث الضعيفة الأسانيد. ذلك أن أهل الحديث يحرصون كل الحرص على صحة الرواية وأهل المواعظ قد يلجؤون إلى أحاديث مستجرحة للترغيب والترهيب ولكنها بالغة التأثير يقبلها العامة لأنها أقرب إلى التمثيل بالأشياء المحسوسة.


وعندنا أن مثل الأئمة المسلمين في مذاهبهم مثل أصحاب هندسات أقليدس وريمن ولوبتشفسكي في علومهم الرياضية. فكما أن هؤلاء بنوا هندساتهم على مصادرات واستنبطوا منها تصوراتهم كذلك كان أولئك الأئمة يعتمدون ما يمكن أن ندعوه مصادرات أو أصولاً للبحث وهذه هنا ذات مراتب وأكثر عدداً وأشد اشتباكاً. ومن الواضح أنه بعد الأصول المعتمدة الأربعة وهي القرآن والسنة والقياس والإجماع يأتي مدى الاعتماد على أحاديث الآحاد ومبدأ الاجتهاد ومبدأ المصالح المرسلة وهي الأوصاف التي تعرف علّيتها ولم يشهد لها الشرع بالاعتبار ولا بالإبطال، ولا سيما إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية. وهذه أمور داخلة في مباحث أصول الدين الواسعة. وكان الأئمة القدماء يحترم بعضهم بعضاً ويقدر بعضهم جهود بعض وبحوثه وتقواه ووجهات نظره. ثم جاء المتأخرون فغلا بعضهم في تجريح الآخرين أو التشنيع عليهم وهذا ليس من عادة الأبرار ولا من شأن المفكرين الأحرار. وإذا كان الإمام السبكي قد قال في تعليقه: "ولكل مقصد" فنحن نقول: "ولكل مبادئه التي يبني عليها اعتباراته" وهكذا لا نستغرب قول أبي زرعة تلميذ ابن حنبل حين سئل عن المحاسبي وكتبه فأجاب السائل: "إياك وهذه الكتب. هذه كتب بدع وضلالات. عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة. قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق. ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع"(25).


ولد الحارث في زمن الخليفة الهادي ولما تولى هارون الرشيد الخلافة (سنة 170هـ/ 786م) كان يناهز الخامسة. وقد عاصر خلافة الأمين (193/809م) والمأمون (198/813م) والمعتصم (218/833م) والواثق (227/842م) والمتــوكل (232/847م) إذ توفي في عهده.


وهكذا كان عصر الحارث من أبهى عصور الخلافة العباسية وأكثرها غنى ووفرة وازدهاراً. كانت العلوم بأنواعها مزدهرة وكانت الزراعة والتجارة رائجين أي رواج، وكانت القوافل تجوب الطرق البرية محملة بأصناف السلع بين قطر وآخر وكانت البواخر تصل بين أقطار المعمورة مشحونة بأصناف الخيرات من لباس وطعام وتوابل وغيرها. وكانت البصرة من المرافئ المزدهرة إذ ذاك وكان الملاحون إلى جانب حمولات مراكبهم يروون للناس ما شاهدوه في الأقطار النائية كالهند والصين والجزر المنتشرة في خطوط ملاحتهم. وطفق الناس يميلون إلى استماع هذه الأخبار دقيقة أو مبالغاً فيها وإلى قراءة ما يدوّن منها وكذلك ما يترجم من لغات الأقوام الأخرى ولا سيما ما نقل عن الفرس والهند مما يمثل آداب تَيْنك الأمتين ويصف حكمة حكمائهما وأحوال رعاياهما. وشرعت تتكون طائفة من تلك الأخبار المروية والمتناقلة متعددة المصادر ومتفاوتة المقاصد بعضها للتسلية ولترويح النفس وبعضها للموعظة والاعتبار وبعضها للتبصرة والإفادة، وسوف ينضم بعضها إلى بعض في غمار السنين لتؤلف السير الشعبية المشهورة التي تأتي في طليعتها قصة "ألف ليلة وليلة" إذ كانت نواتها التي تجمعت حولها تلك القصص والأخبار رواية "هزار أفسانه" التي نقلت عن الفارسية. ولا شك في أن بعض تلك القصص من أصل بغدادي تصور جوانب الترف التي كانت تتألق في قصور الخلفاء والأمراء والتجار ورجال الجيش وكتاب الدواوين، ومن المعلوم أن الغنى الفاحش لا يأتي بالطرق المشروعة وأن الترف لا يرضى عنه أهل الورع والتقوى، كذلك هو موضع نقمة على لسان الشعراء الحساسين المحرومين مثل ابن الرومي (221/836- 283/896). ولئن بدا هذا الشاعر في بعض الأحيان راضياً عن الحياة الطبيعية المعطاء والدولة الزهراء في قصيدته التي مطلعها:


ضحك الربيع إلى بكا الديم


فغدا يسوّي النبت بالقمم


إذ يقول:


والدولة الزهراء والزمن المز


هار حسبك شافيي قرم


نجدْهُ في قصائد أخرى يندب حظه ويرثي لحاله ويحسد غيره من المحظوظين في الدنيا:


أتراني دون الأولى بلغوا الآ


مال من شُرْطة ومن كتّــــاب


وتجارٍ مثل البهائم فــازوا


بالمنى في النفوس والأحباب


ثم يتفنن في وصف النعيم والملذات والمجالس والحياة اللاهية التي كان يشاهدها أو يسمع أخبارها:


درُّ صهباء قد حكى درّ بيضا


ء عروب كدمية المحراب


تحمل الكأس والحليَّ فتبدو


فتنة الناظرين والشرّاب


يا لها ساقياً تديره يداه


مستطاباً ينال من مستطاب


لذة الطعم في يدي لذّة الملـ


ثم تدعو الهوى دعاء مجاب


حولها من نجارها عِينُ رَمْلٍ


ليس ينفك صيدها أُسْد غاب


يونقُ العينَ حسن ما في أكف


ثَمَّ تسقي وحسن ما في رقاب


ففمٌ شارب رحيقاً وطَرفٌ


شارب ماء لبّةٍ وسخاب


ومزاج الشراب إن حاولوا المز


ج رضاب يا طيبَ ذاك الرضاب


من جوارٍ كأنهن جوارٍ


يتسلسلن من مياه عذاب(26)


لابسات من الشفوف لبوساً


كالهواء الرقراق أو كالسراب


ومن الجوهر المضيء سناه


شعلاً يلتهبن أي التهاب


فترى الماء ثمَّ والنار والآ


لَ بتلك الأبشار والأسلاب


ويمضي الشاعر في وصف تلك المجالس المترعة بالجمال والترف واللهو والإغراء لينتقل إلى التنديد بأربابها الذين يجلسونها والذين طاش توزيع الثروة فأصابهم منها النصيب الوفير:


فتخايلن باهتزاز غصون


ناعمات وبارتجاج روابي


ناهدات مطرّفات يما نعـ


ـنك رمانهن بالعنّاب


لو ترى القوم بينهن لأجبر


ت صراحاً ولم تقل باكتساب


يريد أن يقول: إن المرء لدى رؤيته ذلك يفضي إلى الجبر لا إلى الكسب والاختيار حين لا تنظم الأمور الاقتصادية تنظيماً عادلاً يمنع الاستغلال والتفاوت الكبير بين حظوظ الناس:


من أناس لا يرتَضون عبيداً


وهُمُ في مراتب الأرباب


ولا عجب أن يحفز على الثورة الدموية وهو الشاعر الرقيق:


لهف نفسي على مناكير للنكـ


ـر غضاب ذوي سيوف غضاب


تغسل الأرض بالدماء فتضحي


ذات طهر ترابها كالملاب


مِنْ كلابٍ نأى بها كلَّ نأي


عن وفاء الكلاب غدرُ الذئاب


وإثباتٍ على الظباء ضعافٍ


عن وِثاب الأسود يوم الوثاب...


يبدو من خلال هذه الأبيات المنددة الثائرة التهجم اللاذع على الموسرين المتمولين كما نستشف إشارة إلى قضايا الجبر والكسب والاختيار مما كان موضوع جدال بين المذاهب الفلسفية الكلامية إذ ذاك. في هذا الجو الموّار كالبحر ذي الأمواج المتلاطمة بمختلف النزعات والآراء نشأ الحارث في مجالس العلم الديني وحلقات الورع وندوات التقوى فنهض يدافع عن سلامة المجتمع إزاء الترف واللهو ويناضل الاتجاهات التي رآها منحرفة عن مصالح الشعب والرعايا وذلك بالوعظ وهو التبليغ المدقق في نزوات النفوس وفي ميول الطباع ثم بالتأليف المنافح عن صحة العقيدة كما يراها وزيادة على ذلك كله بالمثل الخلقي المتحرج العنيف الذي ضربه في سلوكه وسعيه وتزهده وتصوفه الجانح نحو التقشف الشديد كأن هذا التقشف تعديل يقابل ذلك اللهو والترف ويناقضهما.


-------------------------------


- هو ثُفْل الدهن إشارة إلى التقلل




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الحارث المحاسبى....حياته و كتبه

ليس يعلم على وجه التحديد متى ولد الحارث بن اسد المحاسبى و كنيته عبد الله الا ان اغلب المؤرخون يؤكدون انه ولد فى العقد السابع من القرن الثانى الهجرى .....

وقد ولد المحاسبى فى البصرة جنوب العراق و قضى بها فترة طفولته ثم انتقل بعد ذلك الى بغداد و بقى بها حتى وافته المنية فى عام 234 من الهجرة

يروى المؤرخون عن المحاسبى انه ولد فى اسرة ميسورة الحال و قيل ان والده قد توفى و ترك خلفه ثورة كبيرة تقدر بسبعين الف درهم و قيل ايضا ان ابنه الحارث رفض ان يشترك فى ميراث والده زهدا منه و ورعا فيه لما قد تجره الثورة و تستبعه من تفكير فيها و تدبير لها و تنمية و حفظ .. و قيل انه رفض الميراث لموقفه الشخصى من والده الذى كان من من يدينون بمذهب المعتزله و كان من من يقولون بالقدر ..( القدريون او من يقولون بالقدر هم من يقولون بحرية الارادة بمعنى ان الانسان حر فيما يأتى و فيما يدع من افعال و ليس مجبورا من الله على عمل من الاعمال ) و قد عارض المحاسبى هذا الاتجاه بشده

و ليس يعنينا على وجه العموم ذلك الامر فى حياة المحاسبى بقدر ما يعنينا عطاءه الفكرى العظيم ...
و عندما حضر المحاسبى الى بغداد كانت و قتئذ مسرحا للثقافات المختلفة و تموج بالعديد من التيارات الفكرية .. ثقافة يونانية جديدة وافدة بعد ازدهار حركة الترجمة للادب و الفلسفة اليونانية .. و ثقافة فارسية تستغل ما للفرس من ثراء و نفوذ و تحاول اثبات وجودها.. و ثقافة عربية تريد ان تجد حلا للتعارض بين مختلف الثقافات .. و ثقافة اسلامية بحتة تجاهد فى ان تقود المجتمع الى الهداية ذلك بالأضافة الى نزاعات المتكلمون و الطوائف الفقهية المختلفة .... اقبل المحاسبى على العلم و الدرس اقبالا عظيما و حاول بقدر المستطاع تثقيف نفسه و اثراء عقله .. و تشعب بفكره الحى بين كافة الطرق و الاتجاهات و لكنه و قف منها جميعا موقف المتأمل المتروى ولم تطل وقفته و لم تأخذه الحيرة معاها الى ما لا يحمد عقباه فقد ربط الله على قلبه و خرج من رحلته الفكرية حاملا معه قبس الهدى ....يقول الحارث المحاسبى فى مقدمة كتابه " الوصايا " ......"اما بعد , فقد انتهى الينا: ان هذه الأمة تفترق على بضع و سبعين فرقة , فرقة منها ناجية , و الله اعلم بسائرها فلم أزل برهة من عمرى انظر اختلاف الأمة و التمس المنهاج الواضح و السبيل القاصد و اطلب من العلم و العمل و استدل على طريق الاخره بارشاد العلماء و علقت كثيرا من كلام الله عز و جل بتأويل الفقهاء و تدبرت أحوال الامة و نظرت فى مذاهبها و أقواليها فعلقت من ذلك ما قدر لى و رأيت اختلافهم بحرا عميقا قد أغرق ناس كثير و سلم منه عصابة قليلة , ورأيت كل صنف منهم يزعم ان النجاه فى تبعهم و ان الهالك من خالفهم - المحاسبى يتحدث عن اختلاف الأمة فى العصر العباسى فما بالنا لو رأى احوالنا الان !! - ثم رأيت الناس أصنافا فمنهم العالم بأمر الاخرة , لقائوة عسير ووجوده عزيز و منهم الجاهل فالبعد عنه غنيمة و منهم المتشبه بالعلماء , مشغوف بدنياه مؤثرا لها ومنهم حامل علم منسوب الى الدين ماالتمس بعلمه التعظيم و العلو, ينال بالدين من عرض الدنيا و منهم متشبه بالنساك متجر بالخير لا غناء عنده و لا بقاء لعلمه ولا معتمد على رأيه و منهم حامل علما لا يعلم تاويل ما حمل و منهم منسوب الى العقل و الدهاء , مفقود الورع و التقى و منهم متوادون على الهوى يتفقون و للدنيا يتباذلون و رياستها يطلبون و منم شياطين الانس عن الاخره يصدون و على الدنيا يتكابلون و الى جمعها يهرعون و فى الاستكثار منها يرغبون , فهم فى الدنيا احياء و عن العرف موتى بل العرف عندهم منكر و السوء معروف فتفقدت فى الاصناف نفسى و ضقت بذلك ذرعا فقصد الى هدى المهتدين بطلب السداد و الهدى و استرشدت العلم و اعملت الفكر و اطلت النظر فتبين لى فى كتاب الله تعالى و سنة نبيه و اجماع الامة ان اتباع الهوى يعمى عن الرشاد و يضل عن الحق و يطيل المكث فى العمى فبدأت باسقاط الهوى عن قلبى وو قفت عند اختلاف الامة مرتادا لطلب الفرقة الناجيه حذرا من الاهواء المردية و الفرقة الهالكة متحرزا من الاقتحام قبل البيان و التمست سبيل النجاة لمهجة نفسى ثم و جدت فى اجتماع الامة فى كتاب الله المنزل ان سبيل النجاه فى التمسك بتقوى الله و اداء فرائضه و الورع فى حلاله و حرامه و جميع حدوده و الاخلاص لله تعالى بطاعته و التأسى برسوله صلى الله عليه و سلم "

و أخذ المحاسبى يبحث عن الفقهاء التقاه فى كل مكان حتى يستزيد بعلمهم و ينهل من معارفهم بأمور الفرائض و السنن و لم بكتف بذلك فهو لم يكن ابدا بالشخص السلبى الذى يؤثر العزلة و يصمت عن الحق بل سخر كل جهده من اجل الدعوة الى الله و الحث على التمسك بدينه و تقواه و تعبيد طريق الرشاد لكل من أراد ان يسلكه .. و المحاسبى كان يتميز بقوة الشخصية و الثقة بالنفس و لم يكن ممن يخاف الفتن و الشبهات و من أقواله المأثورة " لو ان نصف الخلق تقربوا منى ما وجدت بهم انسا ولو ان النصف الاخر نأى عنى ما استوحشت لبعدهم " كما تميز بطلاق اللسان و قوة الحجة و البيان ....

اما مؤلفاته فقد قدرها البعض بنحو مأتين مؤلف أغلبها فى هدايه النفوس و تزكيتها و علوم التصوف و الكلام و طريقته فى التأليف تكون غالبا فى شكل حوار ..اسئلة و يقوم هو بأجابتها تفصيليا و لكن لم تكن كل كتبه على هذا النمط و مؤلفاته فى علم الكلام قد فقدت جميعا و تقريبا لم يصل لنا منها الا بعض الاقصوصات ..اما كتبه فى ادب النفس و تزكيتها و فىالانابة الى الله فقد بقى منها الكثير ..منها المطبوع و منها المخطوط اشهرهم كتاب " الوهم " الذى طبع بالقاهرة عام 1937 و قد الفه المحاسبى على غرار المدرسة الاصلاحية التى أنشأها و عرفت بمدرسة التخيل و فى كتابه هذا يجعلك تطلق معه خيالك الى العنان و تتدبر أحوال اهل الجنة و اهل النارو ما يلقون من سعادة و شقاء و نعيم و عذاب فتصنع بخيالك صورة حية للأخرة

و كتابه " رسالة المسترشدين " و هو رسالة يوجهها المحاسبى لمن اراد ان يكون من ذوى الالباب و منهاج ذوى الالباب كما حددته الرسالة هو رعاية حدود الشريعة من كتاب الله تعالى و سنة نبيه و ما اجتمع عليه المهتدون من الائمه و كتاب " الوصايا " الذى اوردنا جزءا من مقدمته من قبل و به مجموعة جميلة من النصائح الدينية و النفحات القدسية ان كانت بأسلوب فيه بعض الحدة اما اهم كتبه و اكثرها شهرة و انتشارا فهو كتابه العظيم " الرعاية لحقوق الله" و هو الكتاب الذى خلد زكرى الحارث المحاسبى فى التاريخ وهو من كتب التراث التى نالت اقبالا كبيرا من الأقدمين و المحدثين على السواء


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أئمة الزهد المرضيين الحارث المحاسبي



أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي، البصري المولد، البغدادي المنـزل والوفاة، أحد الزهاد المتكلمين بالعبادة والزهد والمواعظ، كانت وفاته ببغداد سنة (234 هـ) - رحمه الله تعالى -.

كان المحاسبي - رحمه الله - عالماً بالأصول والمعاملات، واعظاً مبكياً في وعظه، له كتب كثيرة في الزهد وفي أصول الديانات والعقائد والرد على المعتزلة والرافضة وغيرهما.

أخذ عن الإمام الشافعي، كما ذكر أبو منصور البغدادي في (أصول الدين)، وروى عنه جماعة منهم الجنيد - رحمه الله -.

من مؤلفاته رسالة المسترشدين، شرح المعرفة، البعث والنشور، التوهم، الرعاية لحقوق الله.

قال الإمام الذهبي - رحمه الله -: ((والمحاسبي العارف صاحب التواليف: صدوق في نفسه، وقد نقموا عليه بعض تصوُّفِه وتصانيفه)) (ميزان الاعتدال: 1ـ 199).

وقال الإمام أحمد بن حنبل عن الحارث المحاسبي: ((جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم هلكوا بسببه. فقيل له: يا أبا عبد الله يروي الحديث وهو ساكن خاشع من قصته، فغضب الإمام أحمد وجعل يحكي ولا يعدل خشوعه ولينه ويقول: لا تغتروا بنكس رأسه فإنه رجل سوء، لا يعرفه إلا من قد خبره، لا تكلمه ولا كرامة له)). (الفروع للمقدسي: 2 ـ149) (تلبيس إبليس: 163).

وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - معللا كره الأمام أحمد لصحبة الناس للمحاسبي: ((بل إنما كره ذلك لأن في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع، والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أمر، ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازي على كتابه (الرعاية) قال: هذا بدعة. ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب: عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث، ودع عنك هذا فإنه بدعة)) (البداية والنهاية: 10ـ330).

قال ابن الجوزي - رحمه الله -: ((كان الإمام أحمد بن حنبل ينكر على الحارث المحاسبي خوضه في الكلام ويصد الناس عنه فهجره أحمد فاختفى في داره ببغداد ومات فيها ولم يصل عليه إلا أربعة نفر)). (المنتظم لابن الجوزي: 11 ـ309)

فالمحاسبي - رحمه الله - من العباد الزاهدين، ومن الذين تكلموا في الرقائق والمواعظ فأبكى، وشهد له كثير من معاصريه بالصلاح والتقوى، ولكن ادعى عليه المغرضون أمران أساسيان:

الأول: علم الكلام، وأخذه برأي جهم.

الثاني: إيراده الأحاديث الضعيفة والموضوعات في كتبه وتصانيفه، واعتمادُهُ عليها وجعلُها (أُصولا) يَبْني على ما تضمَّنته من المعاني والأحكام، والله أعلم.
ahmed1981
2008/03/21
ثامن و عشرون: شقيق البلخى

شقيق شقيق

الإمام الزاهد شيخ خراسان، أبو علي شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي .

صحب إبراهيم بن أدهم .

وروى عن : كثير بن عبد الله الأبلي ، وإسرائيل بن يونس ، وعباد بن كثير .

حدث عنه : عبد الصمد بن يزيد مردويه ، ومحمد بن أبان المستملي ، وحاتم الأصم ، والحسين بن داود البلخي وغيرهم . وهو نزر الرواية .

روي عن علي بن محمد بن شقيق قال : كانت لجدي ثلاث مائة قرية ، ثم مات بلا كفن ، قال : وسيفه إلى اليوم يتباركون به ، وقد خرج إلى بلاد الترك تاجرا ، فدخل على عبدة الأصنام ، فرأى شيخهم قد حلق لحيته ، فقال : هذا باطل ، ولكم خالق وصانع قادر على كل شيء . فقال له : ليس يوافق قولك فعلك . قال : وكيف ؟ قال : زعمت أنه قادر على كل شيء ، وقد تعنيت إلى هاهنا تطلب الرزق ، ورازقك ثم . فكان هذا سبب زهدي .

وعن شقيق قال : كنت شاعرا ، فرزقني الله التوبة ، وخرجت من ثلاث مائة ألف درهم ، ولبست الصوف عشرين سنة ، ولا أدري أني مراء حتى لقيت عبد العزيز بن أبي رواد ، فقال : ليس الشأن في أكل الشعير ولبس الصوف ، الشأن أن تعرف الله بقلبك ، ولا تشرك به شيئا ، وأن ترضى عن الله ، وأن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في أيدي الناس .
وعنه : لو أن رجلا عاش مائتي سنة لا يعرف هذه الأربعة ، لم ينج : معرفة الله ، ومعرفة النفس ، ومعرفة أمر الله ونهيه ، ومعرفة عدو الله وعدو النفس .

وقد جاء عن شقيق مع تألهه وزهده أنه كان من رءوس الغزاة .

وروى محمد بن عمران ، عن حاتم الأصم قال : كنا مع شقيق ونحن مصافو العدو الترك ، في يوم لا أرى إلا رءوسا تندر وسيوفا تقطع ، ورماحا تقصف ، فقال لي : كيف ترى نفسك ، هي مثل ليلة عرسك ؟ قلت : لا والله ، قال : لكني أرى نفسي كذلك ، ثم نام بين الصفين على درقته حتى غط ، فأخذني تركي ، فأضجعني للذبح ، فبينا هو يطلب السكين من خفه ، إذ جاءه سهم عائر ذبحه .

عن شقيق قال : مثل المؤمن مثل من غرس نخلة يخاف أن تحمل شوكا ، ومثل المنافق مثل من زرع شوكا يطمع أن يحمل تمرا ، هيهات .

وعنه : ليس شيء أحب إلي من الضيف؛ لأن رزقه على الله ، وأجره لي .

قال الحسين بن داود : حدثنا شقيق بن إبراهيم ، الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، المداوم على العبادة ، فذكر حديثا .
وعن شقيق قال : أخذت لباس الدون عن سفيان ، وأخذت الخشوع من إسرائيل ، وأخذت العبادة من عباد بن كثير ، والفقه من زفر .

وعنه : علامة التوبة البكاء على ما سلف ، والخوف من الوقوع في الذنب ، وهجران إخوان السوء ، وملازمة الأخيار .
وعنه : من شكا مصيبة إلى غير الله ، لم يجد حلاوة الطاعة .

وقال الحاكم : قدم شقيق نيسابور في ثلاث مائة من الزهاد ، فطلب المأمون أن يجتمع به ، فامتنع .

أخبرنا أحمد بن محمد بن سعد ، أخبرنا الإربلي ، أخبرنا يحيى بن ثابت ، أخبرنا علي بن الخل ، أخبرنا أحمد بن المحاملي ، أخبرنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا الحسين بن داود ، حدثنا شقيق البلخي ، حدثنا أبو هاشم الأبلي ، عن أنس قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : يا ابن آدم ! لا تزول قدماك يوم القيامة حتى تسأل عن أربع ، عمرك فيما أفنيته ، وجسدك فيما أبليته ، ومالك من أين اكتسبته وأين أنفقته .

أبو هاشم هو كثير : واه .

وقتل شقيق في غزاة كولان سنة أربع وتسعين ومائة .



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



روي عن شقيق البلخي رحمه الله أنه قال لحاتم :

قد صحبتني مدة ، فماذا تعلمت ؟

قال : تعلمت منك ثماني مسائل :

أما الأولى :

فإني نظرت إلى الخلق فإذا كل شخص له محبوب فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه
فجعلت محبوبي حسناتي لتكون في القبر معي .

وأما الثانية:

فإني نظرت إلى قول الله تعالى : ( ونهى النفس عن الهوى (
فأجهدتها في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى .

وأما الثالثة :

فإني رأيت كل من معه شيء له قيمة عنده يحفظه ،
ثم نظرت في قول الله سبحانه وتعالى : ( ما عندكم ينفذ وما عند الله باق (
فكلما وقع معي شيء له قيمة ، وجهته إليه ليبقى لي عنده .

وأما الرابعة :

فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف ، وليست بشيء
فنظرت في قول الله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم (
، فعملت في التقوى لأكون عنده كريما .

وأما الخامسة :

فإني رأيت الناس يتحاسدون ،
فنظرت في قوله تعالى : ) نحن قسمنا بينهم معيشتهم (
فتركت الحسد _ لأنه اعتراض على قسمة الله _.

وأما السادسة :

رأيتهم يتعادون ، فنظرت في قول الله تعالى : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا (
فتركت عداوتهم واتخذت الشيطان وحده عدوا .

وأما السابعة :

رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق ،
فنظرت في قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (
فاشتغلت بما له علي ، وتركت مالي عنده _ ثقة بوعده _.

وأما الثامنة :

رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم ،
فتوكلت على الله رب العالمين
ahmed1981
2008/03/21
تاسع و عشرون : أبو يزيد البسطامى

هذه القصة حدثت في مدينة البصرة في العراق وبطلها يدعى أبو اليزيد وهي مذكورة في التاريخ وذكرها الشيخ الجليل عبدالحميد كشك رحمه الله حيث رأى أبا اليزيد في منامه هاتفاً يقول له قم وتوضأ واذهب الليلة إلى دير النصارى وسترى من آياتنا عجبا فذهب ..

وهو العارف بالله ابو اليزيد البسطاني عندما سمع الهاتف بعد صلاة الفجر توضأ ودخل الدير عليهم وعندما بدأ القسيس بالكلام قال لا أتكلم و بيننا رجل محمدي قالوا له وكيف عرفت ؟

قال : سيماهم في وجوههم .. فكأنهم طلبوا منه الخروج ولكنه قال : والله لا أخرج حتى يحكم الله بيني وبينكم ..!!

قال له البابا : سنسألك عدة أسئلة وإن لم تجبنا على سؤال واحد منها لن تخرج من هنا إلا محمولاً على أكتافنا .. فوافق أبو اليزيد على ذلك وقال له اسئل ما شئت :

قال القسيس :

ما هو الواحد الذي لا ثاني له ؟

وما هما الاثنان اللذان لا ثالث لهما ؟

ومن هم الثلاثة الذين لا رابع لهم ؟

ومن هم الأربعة الذين لا خامس لهم ؟

ومن هم الخمسة الذين لا سادس لهم ؟

ومن هم الستة الذين لا سابع لهم ؟

ومن هم السبعة الذين لا ثامن لهم ؟

ومن هم الثمانية الذين لا تاسع لهم ؟

ومن هم التسعة الذين لا عاشر لهم ؟

وما هي العشرة التي تقبل الزيادة ؟

وما هم الاحد عشر أخا؟

وما هي المعجزة المكونة من اثنتى عشر شيئا؟

ومن هم الثلاثة عشر الذين لا رابع عشر لهم ؟

وما هي الاربع عشر شيئا اللتي كلمت الله عز وجل؟

وما هو الشيء الذي يتنفس ولا روح فيه ؟

وما هو القبر الذي سار بصاحبه ؟

ومن هم الذين كذبوا ودخلوا الجنة ؟

ومن هم اللذين صدقوا ودخلوا النار؟

وما هو الشيء الذي خلقة الله وأنكره ؟

وما هو الشيء الذي خلقة الله واستعظمه ؟

وما هي الأشياء التي خلقها الله بدون أب وأم ؟

وما هو تفسير الذاريات ذروا ، الحاملات وقرا ، ثم ما الجاريات يسرا والمقسمات أمرا ؟

وما هي الشجرة التي لها اثنا عشر غصناً وفي كل غصن ثلاثين ورقة وفي كل ورقة خمس ثمرات ثلاث منها بالظل واثنان منها بالشمس ؟

فقال له ابو اليزيدالواثق بالله تعالى ... الواحد الذي لا ثاني له هو الله سبحانه وتعالى ..

والاثنان اللذان لا ثالث لهما الليل والنهار ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) ..

والثلاثة الذين لا رابع لهم أعذار موسى مع الخضر في إعطاب السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ..

والأربعة الذين لا خامس لهم التوراة والإنجيل والزبور والقرآن الكريم ..

والخمسة الذين لا سادس لهم الصلوات المفروضة ..

والستة التي لا سابع لهم هي الأيام التي خلق الله تعالى بها الكون وقضاهن سبع سماوات في ستة ايام فقال له البابا ولماذا قال في آخر الاية (وما مسنا من لغوب) ؟

فقال له : لأن اليهود قالوا أن الله تعب واستراح يوم السبت فنزلت الاية ..

أما السبعة التي لا ثامن لهم هي السبع سموات (الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى من خلق الرحمن من تفاوت) ..
والثمانية الذين لا تاسع لهم هم حملة عرش الرحمن (ويحمل عرش ربك يومئذٍ ثمانية) ..

والتسعة التي لا عاشر لها وهي معجزات سيدنا موسى عليه السلام .. فقال له البابا اذكرها !

فأجاب أنها اليد والعصا والطمس والسنين والجراد والطوفان والقمل والضفادع والدم ..

أما العشرة التي تقبل الزيادة فهي الحسنات (من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها والله يضاعف الأجر لمن يشاء) ..

والأحد عشر الذين لا ثاني عشر لهم هم أخوة يوسف عليه السلام ..

أما المعجزة المكونة من 12 شيئاً فهي معجزة موسى عليه السلام (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنا عشر عيناً) ..

أما الثلاثة عشرة الذين لا رابع عشر لهم هم إخوة يوسف عليه السلام وأمه وأبيه ..

أما الاربع عشر شيئاً التي كلمت الله فهي السماوات السبع والارضين السبع (فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين)

وأما الذي يتنفس ولا روح فيه هو الصبح (والصبح إذا تنفس) ..

أما القبر الذي سار بصاحبه فهو الحوت الذي التقم سيدنا يونس عليه السلام ..

وأما الذين كذبوا ودخلوا الجنة فهم إخوة يوسف عليه السلام عندما قالوا لأبيهم ذهبنا لنستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ، وعندما انكشف كذبهم قال أخوهم (لا تثريب عليكم) وقال أبوهم يعقوب (سأستغفر لكم) ..

أما الذين صدقوا ودخلوا النار فقال له إقرأ قوله تعالى (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ) (وقالت النصارى ليست اليهود على شئ) ..

وأما الشيئ الذي خلقه الله وأنكره فهو صوت الحمير (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) ..

وأما الشيء الذي خلقه الله واستعظمه فهو كيد النساء (إن كيدهن عظيم) ..

وأما الأشياءالتي خلقها الله وليس لها أب أو أم فهم آدم عليه السلام ، الملائكة الكرام ، ناقة صالح ، وكبش اسماعيل عليهم السلام .. ثم قال له إني مجيبك على تفسير الايات قبل سؤال الشجرة ..

فمعنى الذاريات ذروا هي الرياح أما الحاملات وقرا فهي السحب التي تحمل الأمطار

و أما الجاريات يسرا فهي الفلك في البحر أما المقسمات أمرا فهي الملائكة المختصه بالارزاق والموت وكتابة السيئات والحسنات ..

وأما الشجرة التي بها اثنا عشر غصناً وفي كل غصن ثلاثين ورقة وفي كل ورقة خمس ثمرات ثلاث منها بالظل واثنان منها بالشمس ، فالشجرة هي السنة والأغصان هي الأشهر والأوراق هي أيام الشهر والثمرات الخمس هي الصلوات وثلاث منهن ليلاً واثنتان منهن في النهار ..

وهنا تعجب كل من كانوا في الكنيسة فقال له ابو اليزيد إني سوف أسألك سؤالا واحداً فأجبني إن إستطعت فقال له البابا اسأل ما شئت فقال : ما هو مفتاح الجنة ؟

عندها ارتبك القسيس وتلعثم وتغيرت تعابير وجهه ولم يفلح في إخفاء رعبه ، وطلبوا منه الحاضرين بالكنيسة أن يرد عليه ولكنه رفض فقالوا له لقد سألته كل هذه الاسئلة وتعجز عن رد جواب واحد فقط فقال إني أعرف الإجابة ولكني أخاف منكم فقالوا له نعطيك الأمان فأجاب عليه ، فقال القسيس الإجابة هي : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله !!

وهنا أسلم القسيس وكل من كان بالكنيسة ، فقد من الله تعالى عليهم وحفظهم بالإسلام وعندما آمنوا بالله حولوا الدير إلى مسجد يذكر فيه اسم الله ..


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



واسمه طيفور بن عيسى بن سروشان - وكان سروشان مجوسياً فأسلم وكان لعيسى ثلاثة أولاد: أبو يزيد وهو أوسطهم، وآدم، وهو أكبرهم، وعلي وهو أصغرهم، وكانوا كلهم عباداً زهاداً.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه. فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته تقدمت معرفتي، وطلبه لي أولاً حتى طلبته.

قال منصور وسمعت أبا عمران موسى بن عيسى يقول: سمعت أبي يقول: قال أبو يزيد عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشد علي من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتعبت، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد.
وقال أبو يزيد: لا يعرف نفسه من صحبته شهوته.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي، وسئل ما علامة العارف? قال: أن لا يفتر من ذكره، ولا يمل من حقه، ولا يستأنس بغيره.

وقال: إن الله أمر العباد ونهاهم فأطاعوا فخلع من خلعه فاشتغلوا بالخلع عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله.

وقال منصور: وسمعت موسى بن عيسى يقول: سمعت عمي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: لو صفت لي تهليلة ما بليت بعدها بشيء.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد يقول: هذا فلاحي بك وأنا أخافك فكيف فرحي بك إذ أمنتك? وسئل بما نالوا المعرفة? قال: بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له.

وقال: اطلع الله على قلوب أوليائه، فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفاً، فأشغلهم بالعبادة.

العباس بن حمزة قال: صليت خلف أبي يزيد البسطامي الظهر، فلما أراد أن يرفع يديه ليكبر لم يقدر إجلالاً لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه، فهالني ذلك.

عن أبي موسى عن أبي يزيد البسطامي قال: ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير؛ بل إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير.

قال: وقال أبو يزيد: لم أزل ثلاثين سنة كلما أردت أن أذكر الله أتمضمض وأغسل لساني إجلالاً لله أن أذكره.

قال: وقال أبو يزيد: إن في الطاعات من الآفات ما لا يحتاجون إلى أن يطلبوا في المعاصي.

قال: وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر.

قال: وقال أبو يزيد أشد المحجوبين عن الله ثلاثة بثلاثة، أولهم: الزاهد بزهده، والثاني: العابد بعبادته، والثالث: العالم بعلمه. ثم قال: مسكين الزاهد، لو علم أن الله عز وجل سمى الدنيا كلها قليلاً فكم ملك من الدنيا? وفي كم زهد مما ملك? وأما العابد فلو رأى منة الله عليه في العبادة عرف عبادته في المنة، وأما العالم فلو علم أن جميع ما أبدى الله عز وجل من العلم سطر واحد من اللوح المحفوظ فكم علم هذا العالم من ذلك السطر? وكم عمل مما علم? قال: سمعت أبا يزيد يقول: ما ذكروه إلا بالغفلة ولا خدموه إلا بالفترة.

وقال: أكثر الناس إشارة إليه أبعدهم منه.

وسأله رجل: من أصحب? فقال: من لا تحتاج أن تكتمه شيئاً مما علمه الله منك.

قال عبيد بن عبد القاهر: قال أبو يزيد، غبت عن الله عز وجل ثلاثين سنة وكانت غيبتي عنه ذكري إياه، فلما خنست عنه وجدته في كل حال: فقال له رجل: ما لك لا تسافر? قال: لأن صاحبي لا يسافر، وأنا معه مقيم. فقال السائل: إن الماء القائم قد كره الوضوء منه. فقال أبو يزيد: لم يروا بماء البحر بأساً، هو الطهور ماؤه الحل ميتته. ثم قال: قد ترى الأنهار تجري لها دوي وخرير حتى إذا دنت من البحر وامتزجت به سكن خريرها وحدتها ولم يحس بها ماء البحر، ولا ظهرت فيه زيادة، ولا إن خرجت منه استبان فيه.

قاسم الحداد قال: خرج أبو يزيد البسطامي في بعض سياحته فوقف على دجلة فالتقى به الشيطان فحول وجهه ثم قال: وعزتك إنك تعلم أني ما عبدتك قط لهذا، فلا تحجبني به عنك.

عبد الصمد بن محمد عن أبي يزيد أنه صعد ليلة سور بسطام فلم يزل يدور على السور إلى وقت طلوع الفجر، يريد أن يقول لا إله إلا الله فيغلبه ما يريد عليه من هيبة الاسم فلا يستطيع أن يطلق بها لسانه، فلما كان وقت طلوع الفجر نزل فبال الدم.
الحسن بن علويه قال: قال أبو يزيد: قعدت ليلة في محرابي فمددت رجلي فهتف بي هافت من يجالس الملوك فينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب.

الحسن بن علي قال: قال أبو يزيد: أبعد الخلق من الله أكثرهم إشارة إليه.

عبيد قال: قال أبو يزيد طلقت الدنيا ثلاثاً بتاتاً لا رجعة لي فيها، وصرت إلى ربي وحدي فناديته بالاستغاثة: إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك. فلما عرف صدق الدعاء من قلبي، اليأس من نفسي، كان أول ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ونصب الخلائق بين يدي مع إعراضي عنهم.

أبو الحسن المروزي قال: سمعت امرأة أبي يزيد تقول: سمعت أبا يزيد يقول: دعوت نفسي إلى الله فأبت علي واستعصت، فتركتها ومضيت إلى الله عز وجل.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: الناس كلهم يهربون من الحساب ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله تعالى أن يحاسبني فقيل له: لم? قال: لعله أن يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبيك. فقوله لي: عبدي أعجب إلي من الدنيا وما فيها. ثم بعد ذلك يفعل بي ما يشاء.

علي بن المثنى قال: سمعت عمي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: رأيت رب العزة تبارك وتعالى في المنام، فقلت: يا بار خدا، كيف الطريق إليك? قال: اترك نفسك ثم تعال.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت رجلاً يسأل أبا يزيد فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى ربي عز وجل، فقال: أحبب أولياء الله تعالى ليحبوك فإن الله تعالى ينظر إلى قلوب أوليائه فلعله أن ينظر إلى اسمك في قلب وليه فيغفر لك.

عيسى بن آدم ابن أخي أبي يزيد قال: كان أبو يزيد يعظ نفسه فيصيح عليها فيقول: يا مأوى كل سوء، المرأة إذا حاضت طهرت بثلاثة أيام أو أكثره بعشرة، أنت يا نفس قاعدة منذ عشرين وثلاثين سنة بعد ما طهرت فمتى تطهرين? إن وقوفك بين يدي طاهر ينبغي أن يكون طاهراً.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: عرج قلبي إلى السماء فطاف ودار ورجع، فقلت: بأي شيء جئت معك? قال: المحبة والرضا.

عن أبي موسى الديبلي، عن أبي يزيد قال: نظرت فإذا الناس في الدنيا متلذذون بالنكاح والطعام والشراب، وفي الآخرة بالمنكوح والملذوذ، فجعلت لذتي في الدنيا ذكر الله عز وجل وفي الآخرة النظر إلى الله عز وجل.

أبو موسى الديبلي قال: قلت لأبي يزيد: من أصحب? قال: من إذا مرضت عادك، وإذا أذنبت تاب عليك ومن يعلم منك ما يعلمه الله منك.

جعفر بن علي الترمذي أن أحمد بن خضرويه قال: رأيت رب العزة في منامي فقال لي: يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.

ذكر أبو نعيم الأصبهاني أنه لا يعرف لأبي يزيد حديث مسند أصلاً إلا حديث واحد رواه أبو الفتح الحمصي بإسناد له عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله".

قال أبو نعيم: وهو مركب على أبي يزيد، وليس من حديثه، والحمل فيه على الحمصي فقد عثر منه على غير حديث ركبه.
قلت وهذا الحديث الذي أشار إليه أبو نعيم هو الذي ذكره له أبو عبد الرحمن السلمي، ووجدت أنا لأبي يزيد ثلاثة أحاديث أخر مسندة، منها حديثان لا يثبتان فلم أذكرهما، والثالث قريب الحال فاقتصرت عليه.

قال أبو موسى الديبلي، ابن أخت أبي يزيد البسطامي، أنبأ أبو يزيد البسطامي، يعني طيفور بن عيسى، قال: أنبأ محمد بن منصور الطوسي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير، عم أم سلمة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش الذي يخسف بهم، فقالت أم سلمة: لعل فيهم المكره. قال: إنهم يبعثون على نياتهم.
توفي أبو يزيد سنة إحدى وستين ومائتين، وله ثلاث وسبعون سنة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


كان أبو يزيد البسطامي رحمه الله من كبار العارفين بالله ، فقد سلط الله عليه امرأته ، وكان كلما دخل البيت ، ركبت على ظهره تأمره بأن يُكنس البيت ، وأن يغسل الملابس ، وأن يُعد الطعام ، وكان بيدها حذاء كانت تضربه بها وهي فوق ظهره ، لم يطق العيش معها ؛ فخرج من البيت هاربا منها ، ومن بطشها وعدوانها ، ذهب إلى منطقة جبلية ، فرأى من بعيد عددا من الرجال معتزلين الناس ، يعبدون ربهم ، رغب أبو يزيد أن يعيش معهم ، ولكنه فكّر وقال : من أين يأكلون ويشربون ؟ وكيف لي أن أحضر الطعام والشراب كما يحضرون ؟

تمكن أبو يزيد من الوصول إليهم ، واختبأ خلفهم يراقبهم سرا ؛ ليعرف من أين يحضرون الطعام والشراب كي يحضر مثلهم ، ووجد أن رجلا منهم يصعد على أعلى مكان في الجبل ، ويصلي ركعتين ، ثم يطلب من الله الطعام والشراب قائلا : اللهم ببركة صبر أبي يزيد البسطامي على زوجته أكرمنا برزقك ، فإذا بطعام شهي يأتي به ملك من السماء ، يأخذه الرجل ثم يذهب به إلى أصحابه ، كان أبو يزيد يسمع ويرى ، وقال في نفسه : الناس تتقرب إلى الله بصبري على زوجتي وأنا هارب منها ، عاد أبو يزيد أدراجه إلى بيته مستعدا لأن تفعل زوجته به أعظم ما كانت تفعل به من قبل ، وعندما دخل بيته ، فاجأته زوجته باستقبال حافل وتكريم كبير لم يعهد مثله من قبل ، وقالت له : لقد انكشف السرُّ . ( بمعنى أنها كانت من كبار الصالحات وكانت امرأة مكاشفة بنور الله ، أراد الله أن يختبره عندما سلطها عليه )


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لقد كان أبو يزيد البسطامي (ت 261‍‌ه‍) من الصوفية الذين غلبت عليهم أحوال الجذب والوجد واختطفوا عن أنفسهم بالكلية. ولذا فاضت الأقوال المأثورة عنه بالتعبير عن الفناء والغيبة والسكر ونحو ذلك مما يشير الى أنه كان في أغلب أحواله مأخوذا مشغولا عن نفسه وعن كل ما سوى الله بالله وحده.

1- ذكر عن أبي يزيد أنه قال: رفعني (أي الله تعالى) مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد ان خلقي يحبون أن يروك. فقلت زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني الى أحديتك حتى اذا رآني خلقك قالوا: رأيناك فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك.

2- ويقول أبو نصر السراج: سمعت ابن سالم يقول في مجلسه يوما: فرعون لم يقل ما قال أبو يزيد رحمه الله لان فرعون قال: أنا ربكم الأعلى، والرب يسمى به المخلوق فيقال: رب الدار، ورب البيت، وقال أبو يزيد رحمه الله: سبحاني! سبحاني. وسبوح وسبحان اسم من اسماء الله تعالى الذي لا يجوز أن يسمى به غير الله تعالى,

3- وقيل عنه أنه اجتاز بمقبرة اليهود فقال: معذورون. ومر بمقبرة المسلمين فقال: مغرورون.

4- "طاعتك لي يارب أعظم من طاعتي لك".

5- "لان تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة".

6-"غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه. فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولا حتى طلبته.

7- "سبحاني، سبحاني ما أعظم شأني! ما فى الجبة إلا الله".

8- خضنا بحورًا وقفت الأنبياء بساحلها

9- خرجت من الحق إلى الحق حتى صاح فيّ : يا من أنت أنا

10- أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت يقول أحدكم: حدثنا فلان عن فلان وأين فلان قالوا مات، وأما أحدنا فيقول: قلبي عن ربي

11- وقال: ما النار؟ لاستندن إليها غداً وأقول: اجعلنى لأهلها فداء أو لأبلعنها. ما الجنة؟ لعبة صبيان.

12- ان الله جعل لى معراجا كما للنبى معراج فأخرجه أهل بسطام من المدينة

13- كنت لي مرآة فصرت أنا المرآة

وهكذا يعبر البسطامي من خلال الشطحات عن الحب الالهي في أساليب رمزية مملوءة بالالغاز كعادته في معظم أقواله. فنراه يصف الصوفي في حبه لله ومعراجه اليه بأنه طائر يسبح في فضاء اللانهائية متحرراً من قيود الزمان والمكان، يطير في سماء "الهوية" ويدخل في فلك "التنزيه" ويشاهد شجرة الاحدية (بدلا من شجرة المنتهى التي شاهدها الرسول (ص) في معراجه) له جناحان من "الديمومة" يطير بهما في ميدان "الازلية" ويعلق الدكتور عفيفي على ذلك الشطح البسطامي قائلا: ان هذا كلام رجل مأخوذ عن نفسه، مسلوب عن صفاته، خارج عن حدود ذاته الزمانية والمكانية. فزمانه في حال جذبه "الديمومة" ومكانه "اللانهاية" وسماؤه "الهوية" وشجرة منتهاه "الاحدية"، وكل هذا وصف للحال التي يسميها الصوفية بالفناء.

فضلا عن كون ظاهرة الشطح غريبة في مصدرها وغريبة في منهجها فهي كذلك غريبة بل خطيرة فيما يترتب عليها وينجم عنها من أقوال وأفعال. وتأتي خطورتها في أنها تمثل أقوالا يأباها الوجدان الديني العادي، بما فيها من عبارات أقل ما يقال عنها انها عدم تأدب مع ذات الباري العظيم، وأكثر ما يقال عنها انها كفر. ومع التسليم بكون التصوف تجربة ذوقية _ ويعتبر البعض أن الشطح داخل فيها_ إلا أنه ليس كل مسلم مطالبا بخوض تلك التجربة حتى يحكم عليها. فهي اذن تجارب يصعب الحكم عليها، ومن خلال صعوبة الحكم عليها يمكن أن تكمن بعض الاتجاهات السلبية طالما أن المسألة تجربة (نسبية) وبعيدة عن العقل والوعي، وليس لها حدود من منطق، كما أنها ليس لها محك خاص يمكن أن تقوم بواسطته سوى (الذوق) نفسه حيث "ذق مذاق القوم ثم انظر ماذا ترى!".



ما روي عن احد طلاب ابو يزيد البسطامي انه تغيب عن درس ابو يزيد ، وكان في بيته ، يقول جائني خاطر" ان ابو يزيد على الباب فقم افتح الباب " يقول فتجاوزت الخاطر الاول ، فجائني نفس الخاطر مرة آخرى "ان ابو يزيد بالباب فقم وافتح الباب " فتجاوزته مرة آخرى .. فجائني نفس الخاطر للمرة الثالثة ، فقمت ففتحت الباب ، واذا ابو يزيد البسطامي على الباب وهو يقول لي لماذا لم تفتح من الخاطر الاول ...!!!


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



ومن أقوال أبي يزيد:

قوله ناعياً على علماء الشريعة مفاخراً لهم: ((أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات)).

(الفتوحات المكية ج1-ص365 ، والمواهب السرمدية صفحة 49 , والأنوار القدسية 99 , وطبقات الشعراني 1ـ5 , وتلبيس إبليس صفحة 344, والرحمة الهابطة صفحة 309).

وقال الغزالي غفر الله له: ((وكان أبو يزيد وغيره يقول: ليس العالِم الذي يحفظ من كتاب، فإذا نسي ما حفظه صار جاهلاً، إنما العالِم الذي يأخذ علمَهُ من ربِّه أيّ وقتٍ شاء بلا حفظٍ ولا درسٍ!)) (الإحياء: 3ـ24).

ويحدثنا عنه أبو حامد الغزالي فيقول: ((حُكي أن شاهداً عظيم القدر من أعيان أهل (بسطام) كان لا يفارق مجلس أبي يزيد البسطامي فقال يوماً: أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر ولا أفطر، وأقوم ولا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئاً، وأنا أصدق به وأحبه!

فقال أبو يزيد: ولو صمت ثلاثمائة سنة، وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة!! قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم. قال: قل لي حتى أعمله. قال: لا تقبله. قال: فاذكره لي حتى أعمل. قال: اذهب إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس، واتزر بعباءة، وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزاً، واجمع الصبيان حولك، وقل.. كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق، وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك، وأنت على ذلك!!

فقال الرجل: سبحان الله، تقول لي مثل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك.. "سبحان الله" شرك!! قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك، فسبحتها، وما سبحت ربك. فقال: هذا لا أفعله، ولكن دلني على غيره. فقال ابتدئ بهذا قبل كل شيء. فقال: لا أطيقه. فقال: قد قلت لك.. إنك لا تقبل..!)) (إحياء علوم الدين 4 ـ 358).

ويذكر البسطامي كذلك عن نفسه ما يأتي: ((رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبا يزيد! إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا)) (اللمع: صفحة461).

وحكى القشيري في ترجمة أبي يزيد البسطامي ((وسئل عند ابتدائه وزهد , فقال: ليس للزهد منـزلة , فقيل له: لماذا ؟ فقال: لأني كنت خلال ثلاثة أيام في الزهد , فلما كان اليوم الرابع خرجت منه , ففي اليوم الأول زهدت في الدنيا وما فيها , وفي اليوم الثاني زهدت في الآخرة وما فيها , وفي اليوم الثالث زهدت فيما سوى الله تعلى , فيما كان اليوم الرابع لم يبق لي سوى الله تعالى فَهِمْتُ , فسـمعت قائلا يقول: يا أبا يزيد لا تقو معنا , فقلت: هذا الذي أريد , فسمعت قائلا يقول: وجدت وجدت. (الرسالة القشيرية صفحة 395)

قال أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه المحن: وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى إنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم معراج فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام.

وقال القشيري: ((قيل لأبي يزيد: ما أشد ما لقيت في سبيل الله.؟ فقال: لا يمكن وصفه , فقيل له: ما أهون ما لقيت نفسك منك.؟ قال: أما هذا فنعم , دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني فمنعتها الماء سنة)). (الرسالة القشيرية صفحة 395)

وكان يوماً يرتدي جبة ففتحها وقال: ((سبحاني ما أعظم شاني ، ما في الجبة إلا الله)). (شذرات الذهب 2ـ142 ، وفيض القدير 1ـ456).

ونقل ابن الجوزي عن أبي يزيد أنه قال: ((إن لله عباداً لو بصقوا على جهنم لأطفؤوها ولقد وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم , فسأله رجل: و لم ذاك يا أبا يزيد ؟ فقال: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة الله للخلق)) ثم قال: ((اللهم إن كان في سابق علمك أن تعذب أحداً من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري)) وقال: ((وما النار.؟ والله لئن رأيتها لأطفئنها بطرف مرقعتي)) ( تلبيس إبليس 341 و343 و346).
ahmed1981
2008/03/21
ثلاثون: أبو سليمان الدارانى

أبو سليمان الداراني أبو سليمان الداراني الإمام الكبير ، زاهد العصر أبو سليمان ، عبد الرحمن بن أحمد ، وقيل : عبد الرحمن بن عطية . وقيل : ابن عسكر العنسي الداراني .

ولد في حدود الأربعين ومائة .

وروى عن : سفيان الثوري ، وأبي الأشهب العطاردي ، وعبد الواحد بن زيد البصري ، وعلقمة بن سويد ، وصالح بن عبد الجليل .

روى عنه : تلميذه أحمد بن أبي الحواري ، وهاشم بن خالد ، وحميد بن هشام العنسي ، وعبد الرحيم بن صالح الداراني ، وإسحاق بن عبد المؤمن ، وعبد العزيز بن عمير ، وإبراهيم بن أيوب الحوراني .

أبو الجهم بن طلاب : أخبرنا أحمد بن أبي الحواري قال : اسم أبي سليمان : عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي ، من صليبة العرب .

وروى أبو أحمد الحاكم ، عن أبي الجهم أيضا ، عن ابن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان واسمه عبد الرحمن بن عسكر .
قال ابن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول : صَلِّ خلف كل مُبْتَدِعٍ إلاَّ القَدَرِيّ ، لا تُصَلِّ خلفه ، وإن كان سلطانا .
وسمعته يقول : كنت بالعراق أعمل ، وأنا بالشام أعرف .

وسمعته يقول : ليس لمن ألهم شيئا من الخيرات أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر .

الخلدي ، عن الجنيد قال : قال أبو سليمان الداراني : ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة .

وعن أبي سليمان : أفضل الأعمال خلاف هوى النفس .

وقال : لكل شيء علم ، وعلم الخذلان ترك البكاء ، ولكل شيء صَدَأٌ ، وصَدَأُ القلب الشِّبَع .

ابن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول : أصل كل خير الخوف من الدنيا ، ومفتاح الدنيا الشبع ، ومفتاح الآخرة الجوع .

أبو عبد الله الحاكم : أخبرنا الخلدي ، حدثني الجنيد ، سمعت السري السقطي ، حدثني أحمد بن أبي الحواري ، سمعت أبا سليمان يقول : قدَّم إليَّ أهلي مرة خُبْزًا ومِلْحًا ، فكان في الملح سِمْسِمَةٌ ، فأكلتها ، فوجدت رَانَهَا على قلبي بعد سنة .
أحمد بن أبي الحواري : وسمعته يقول : من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة .

وعنه : إذا تكلَّف المتعبدون أن يتكلموا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم .

وعنه : إن من خَلْقِ الله خلقا لو زُيِّنَ لهم الجِنان ما اشتاقوا إليها ، فكيف يحبون الدنيا وقد زهدهم فيها .

قال أحمد : وسمعته يقول : لولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا ، ولربما رأيت القلب يضحك ضحكا .

قال أحمد : ورأيت أبا سليمان حين أراد أن يلبي غشي عليه ، فلما أفاق ، قال : بلغني أن العبد إذ حج من غير وجهه ، فقال : لبيك ، قيل له : لا لبيك ولا سعديك حتى تطرح ما في يديك ، فما يُؤَمِّنا أن يقال لنا مثل هذا ؟ ثم لبى .

قال الجنيد : شيء يروى عن أبي سليمان ، أنا أستحسنه كثيرا : مَنِ اشْتَغَلَ بنفسِه شُغِلَ عن الناس ، ومن اشتغل بِرَبِّه شُغل عن نفسه وعن النَّاس .

ابن بحر الأسدي : سمعت أحمد بن أبي الحواري ، سمعت أبا سليمان يقول : مَنْ وَثَقَ بالله في رزقِه زاد في حُسْنِ خُلُقِه ، وأعقبه الحِلْمَ ، وسَخَتْ نفْسُه ، وقَلَّتْ وَسَاوِسُه في صَلاته .

وعنه : الفتوة أن لا يراك الله حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك .

ولأبي سليمان من هذا المعنى كثير في ترجمته من "تاريخ دمشق" وفي "الحلية" .

أنبأني المسلم بن محمد ، عن القاسم بن علي ، أخبرنا أبي ، أخبرنا طاهر بن سهل ، أخبرنا عبد الدائم الهلالي ، أخبرنا عبد الوهاب الكلابي ، حدثنا محمد بن خريم ، سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول : تمنيت أن أرى أبا سليمان الداراني في المنام ، فرأيته بعد سنة ، فقلت له : يا معلم ما فعل الله بك ؟ قال : يا أحمد دخلت من بابٍ صغير ، فلقيت وَسَقَ شِيحٍ ، فأخذتُ منه عُودًا ، فلا أدري تَخَلَّلْتُ به أم رَمَيْتُ به ؟ فأنا في حسابِه من سنة .

قال سعيد بن حمدون ، والسلمي ، وأبو يعقوب القراب : توفي أبو سليمان سنة خمس عشرة ومائتين .

وقال أحمد بن أبي الحواري : مات سنة خمس ومائتين .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مواعظ أبي سليمان الداراني




من مواعظ أبي سليمان الداراني رضي الله عنه يقول رضي الله عنه: "الثياب ثلاثة: ثوب لله، وثوب لنفسك، وثوب للناس وهو شر الثلاثة".



وقال أيضا: "أنجى الأسباب من الشر الاعتزال في البلد الذي يعرف فيه والتخلص إلى خمول الذكر أين كنت، وطول الصمت، وقلة المخالطة، والاعتصام بالرب، والعض على فلق الكسر، وما دنؤ من اللباس ما لم يكن مشهورا، والتمسك بعنان الصبر، والانتظار للفرج، وترقّب الموت، والاستعداد لحسن النظر مع شدة الخوف، ومن دواعي الموت ذم الدنيا في العلانية واعتناقها في السر، من لم يحسن رعاية نفسه أسرع به هواه إلى الهلكة، من لم ينظر لنفسه لم ينظر لها غيره، لا ينفع الهالك نجاة المعصوم ولا يضر الناجي تلف الهالك، يجمع الناس موقف واحد جميعا وهم فرادى، كل شخص منهم مشغول بنفسه فهو بصالح عمله مسرور ومن شرّ عمله مستوحش محزون، ومرارة التقوى اليوم حلاوة في ذلك اليوم، والأعمى من عمي بعد البصر، والهالك من هلك في ءاخر سفره وقد قارب المنزل، والخاسر من أبدى للناس صالح عمله وبارز بالقبيح من هو أقرب اليه من حبل الوريد".



وقال: "طوبى لمن حذر سكرات الهوى، وسورة الغضب والفرح بشىء من الدنيا فصبر على مرارة التقوى، وطوبى لمن لزم الجادة بالانكماش والحذر، وتخلص من الدنيا بالثواب والهرب كهربه من السبع الكلب، طوبى لمن استحكم أموره بالاقتصاد، واعتقد للخير معاد، وجعل الدنيا مزرعة، وتأنف في البذر ليفرح بالحصاد، طوبى لمن انتقل بقلبه من دار الغرور ولم يسع لها سعيها فيبرز من خطوات الدنيا وأهلها على وبال، اضطربت عليه الأحوال، من ترك الدنيا للآخرة ربحهما ومن ترك الآخرة للدنيا خسرهما، وكل أم يتبعها بنوها، بنو الدنيا تسلّمهم إلى خزي شديد، ومقامع من حديد، وشراب الصديد، وبنوا الآخرة تسلمّهم إلى عيش رغيد، ونعيم الأبد، في ظل ممدود، وماء مسكوب، وأنهار تجري بغير أخدود، وكيف يكون حكيما مَن مِن هولها يهوى ركون، وكيف يكون راهبا من يذكر ما أسفلت يداه ولا يذوب، الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة، والفكرة في الآخرة تورث الحكمة وتحيي القلب، ومن نظر إلى الدنيا مولية صح عنده غرورها، ومن نظر إليها مقبلة بزينتها شاب في قلبه حبّها، ومن تمّت معرفته اجتمع همّه في أمر الله وكان أمر الله شغله".



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



من أقوال أبو سليمان الداراني

1- ما فارق الخوف قلباً إلا خرب

2- من اشتغل بنفســه شغل عن الناس

3- ومن اشتغل بربه شغل عن نفسه وعن الناس

4- من كان يومه مثل أمسه فهو في نقصــان

5- إذا جاع القلب وعطش صفا ورق وإذا شبع عمي

6- كل ما أشغلك عن الله فهو عليك مشؤوم .

7- الورع أول الزهـــد

8- لكل شيء صدأ وصدأ نور القلب الشبع

9- إنما عصى الله من عصاه لهوانهم على الله

10- عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر .

11- مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة الجوع .

12- لولا الليل ما أحببت البقـــاء .

13- من شبع دخل عليه ست آفات :
فقد حلاوة المناجاة ، وتعذر حفظ الحكمة
وحرمان الشفقة على الخلق ، وثقل العبادة .
وزيادة الشهوات ، والشبّاع يدورون حول المزابل



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



قال أحمد بن أبي الحواري:

كنت مع أبي سليمان الداراني رضي الله عنه حين أراد الإحرام فلم يلب حتى سرنا ميلاً فأخذته الغشية ثم أفاق وقال: يا أحمد إن الله سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام مر ظَلَمَةَ بني إسرائيل أن يقلوا من ذكري فإني أذكر من ذكرني منهم باللعنة. ويحك يا أحمد بلغني أن من حج من غير حِلِّه ثم لبى قال الله عز وجل لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك فما نأمن أن يقال لنا ذلك.



وسئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال: "الصبر عنهن خير من الصبر عليهن، والصبر عليهن خير من الصبر على النار". وقال أيضاً: "الوحيد يجد من حلاوة العمل، وفراغ القلب، ما لا يجد المتأهل". وقال مرة: ما رأيت أحداً من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته الأولى". وقال أيضا: "ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا: من طلب معاشاً أو تزوج امرأة، أو كتب الحديث" .


ويقول أبو سليمان الداراني : اختلفت إلى مجلس قاص، واعظ، فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت، لم يبق في قلبي منه شيء، فعدت إليه ثانيةً، فأثر كلامه في قلبي بعدما قمت وفكرت، ثم عدت إليه الثالثة، فأثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي، فكسرت آلات المخالفات، عود، وطنبور، وربابة، ومزمار، وطبل، والآن الشاشات والأفلام. أحد الشباب حضر جنازة عظيمة لامرأة نحسبها من الصالحات، فلما رأى كثرة الناس اتعظ من منظر الجنازة وهو ذاهب إلى المقبرة أخذ أشرطة الغناء من السيارة كلها وألقاها في الشارع. فالإنسان قد يتأثر فعلاً ويتعظ في لحظات، يقول أبو سليمان : أول مرة كان التأثير ضعيفاً، وفي المرة الثانية حصل التأثير في الشارع، وفي المرة الثالثة رجعت إلى منزلي فكسرت آلات المخالفات، ولزمت الطريق المستقيم، فحكيت هذه الحكاية لـيحيى بن معاذ بعد سنين أي عندما صار أبو سليمان رجلاً مشهوراً ومعروفاً بالزهد والورع والعبادة والذكر، قال يحيى : عصفورٌ اصطاد كركياً -يبدو أن الكركي هذا نوع نادر ونفيس من الطيور- فقال: عصفورٌ اصطاد كركياً، أي: يقول: انظر سبحان الله! هذا القاص مثل: العصفور، لكن اصطاد لنا هذا الشخص العظيم. فالداعية له أجر وفضل، فليحرص الدعاة على دعوة الخلق وإنتاج الصالحين؛ لأنهم إذا بثوا في المجتمع، حصل نفعٌ كبيرٌ.


أبو سليمان الداراني.. يقول: كل يوم أنظر في المرآة .. هل اسودّ وجهي من الذنوب

وقال أبو سليمان الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة


ها هو أبو سليمان الداراني( ) يتخيل حواراً بين الله سبحانه، وجبريل، يُطمئن فيه الله أحبابه الصوفيين على أنه سبحانه مُطلّعٌ على خلواتهم، وسامعٌ لأنينهم، ويَعدِهُم بأن يكشف لهم يوم القيامة عن وجهه (قال أحمد بن أبي الحواري: دخلتُ على أبي سليمان يوماً وهو يبكي فقلت لـه ما يُبكيك؟ فقال: يا أحمدُ، ولم لا أبكي، وإذا جُنّ الليل، ونامت العيون، وخلا كلُ حبيب بحبيبته، وافترشَ أهلُ المحبّة أقدامهم وجَرَتْ دموعُهم على خُدودهم، وتقطرت في محاريبهم، أشرَفَ الجليلُ سبحانهُ وتعالى فنادى: يا جبريل: بعينيّ من تلذذّ بكلامي، واستراح بذكري وإني لمطلّعٌ عليهم في خلواتهم أسمع أنينهم، وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء، هل رأيتم حبيباً يُعذِّبُ أحباءه، أم كيف يجمل بي بأن آخذ قوماً إذا جنّهم الليل تملّقوا لي، حلفتُ أنهم إذا وردوا عليّ القيامة، لأكشفنَّ لهم عن وجهي الكريم، حتى ينظروا إليّ وأنظر إليهم)( ).


ويقول أبو سليمان الداراني: (لكلِّ شيء حِيلة، وحيلة الصدق الخشوع، ولكل شيء صدق، وصدق اليقين الخوف من الله تعالى)

ويقول أبو سليمان الداراني: (مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع)

يقول أبو سليمان الداراني: (إذا جاع القلبُ وعطش، صفا ورقّ، وإذا شبع وروي، عمي)

(أبو سليمان الداراني عبد الرحمن بن عطية الزاهد المعروف توفي في (داريا ) من قرى (دمشق) وقبره هناك معروف وأحمد أبي الجواري من أصحابه ـ كذا في معجم البلدان).

فهذا أبو سليمان الداراني يقول: "لأهل الطاعة بالهمِّ ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على لذة ما فاته من الطاعة فيما مضى كان ينبغي له أن يبكيه حتى يموت. فقيل له: فليس يبكي على لذة ما مضى إلا من وجد لذة ما بقي؟ فقال: ليس العجب ممن يجد لذة الطاعة، إنما العجب ممن وجد لذتها ثم تركها كيف صبر عنها."(حلية الأولياء،ج4،ص181.(أبو سليمان الداراني)).

قال أبو سليمان الداراني " إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس و الرياء "

وعن أبي سليمان الداراني قال: "إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها، فإن الأكل يغير العقل".
ahmed1981
2008/03/21
حادى و ثلاثون : الإمام محمد ماضى أبو العزائم

الإمام محمد ماضى أبو العزائم



هو : الإمام الربانى ، المجدد ، عالم الشريعة ، وصاحب الحقيقة ،

السيد / محمد ماضى أبو العزائم بن عبد الله محجوب بن أحمد بن مصطفى بن إبراهيم بن ماضى - نسبة إلى عين ماضى ببلاد المغرب الأقصى – ينتهى نسبه - رضى الله عنه - إلى إدريس الأكبر ُثم إلى الإمام الحسن بن الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه .

مولده :- ولد رضى الله عنه بمدينة رشيد بالديار المصرية عام 1286هـ الموافق لعام 1869 م ، ثم انتقل والده إلى بلدة - محلة أبى على - إحدى قرى محافظة الغربية ، و بها نشأ و ترعرع فى ظل رعاية والده ، حيث أتم حفظ القرآن الكريم ، ثم تعهده العلماء الذين احتارهم والده لتعليمه و تربيته فلزم الشيخ عبد الرحمن عبد الغفار و أتم على يديه حفظ متن أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك، وحفظ قسم العبادات من موطأ الإمام مالك . ثم شرع فى متن السنوسية فى التوحيد ، و الأجرومية فى النحو و كذلك ألفية ابن مالك و مختصر البخارى للزبيدى ، وأبواباً من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالى .
و صحب الشيخ محمد القفاص ، و استفاد منه كثيراً فى العلوم اللغوية ، و دراسة العقيدة الإسلامية ، إلا أن الإمام - رضى اله عنه - كان يحلو له أن ينفرد بالاطلاع على مكتبة والده يقرأ ما شاء من علوم الطب و الحكمة و الفراسة و غيرها ، حتى أحاط بها علماً ، و صار كأحد أبنائها .

ثم تعرف على الشيخ محمد الخطيب أحد علماء عصره ، فجعل بقضى معه أكثر الأوقات لدراسة الفقه ، و العلوم الشرعية ، حتى ألم بها ، و صارشغوفاً بمعرفتها . كل هذا -و الإمام- لم يبلغ الرابعة عشر من عمره حرص على العلم و دأب على الاطلاع ، و شغف بالمعرفة و نهم فى حب الحكمة . و لما بلغ أشده و استوى تلقى طريقة الرفاعية على الشيخ غانم الخشاب حيث أخذه بالتربية الروحية ووجد منه استجابة فائقة و رغبة ملحة فصار ديدنه حب الصوفية و لقاء مشايخهم ،و التعرض لخدمتهم و محاكاتهم فى الأقوال و الأفعال حتى كان يتمثل بهم و يقتدى بسننهم و اشتاقت نفسه إلى سماع تراجمهم و قراءة أخبارهم فكان يرحل إليهم مترسماً خطاهم حتى كان حديثه لا يخلو من ترديد حكمهم و سرد كراماتهم.

و لما أن السادسة عشر من عمره توجه إلى الأزهر الشريف حيث أعد لتلقى علومه على كبار مشايخ عصره ، و كان شقيقه - السيد أحمد ماضى أبو العزائم - أحد أعلام الصحافة بمصر آنذاك ، حيث كان مديراً لجريدة "المؤيد" التى أنشأها مع زميله الشيخ علىّ يوسف ، فساعده ذلك على الاتصال بزعماء عصره و علماء عصره فاتصل بالشيخ محمد عبده و الزعيم سعد زغلول و مصطفى كامل و قد أسهم إمامنا فى إثراء الحركة السياسية مدافعاً عن قضية الوطن و معلناً كلمة الإسلام فى وجه الطغاة و المستعمرين .

و قد حضر السيد الإمام على الشيخ حسن الطويل ، و درس علوم التوحيد و كذلك لقى الشيخ حسنين الحصافىأحد مشايخ الطريقة الشاذلية و أحدأعلام الأزهر الشريف و استمر الإمام يرتوى من نعين العلماء و يجدّ فى التحصيل لا يصرفه عن ذلك ما يصرف الشبان أو تلهيه زخارف الحياة حتلا أشار عليه أخوه - السيد أحمد- بالالتحاق بمدرسة دار العلوم التى أنشأها علىّ باشا مبارك آنذاك لتخريج أكبر عدد من المدرسين ، مستعيناً فى ذلك بطلاب الأزهر ، حيث كانوا أقدر على استيعاب المواد الحديثة و الأساليب التربوية فأخذ السيد الإمام يشق طريقه وسط طلاب المعرفة حتى بزَّ أقرانه و تفوق على زملائه و كان يمتاز بالتقوى و الورع و التدبر و حسن الفهم و جودة الرأى و صار يقرأ القرآن الكريم بإمعان مع الإلمام بكل ما كتب فى تفسيره و لم يفته أيضاً أن يشفى غلته من سيرة المصطفى و صحبه الأبرار ، فكان مثلاً للمسلم المعاصر و العالم البصير بشئون الحياة .

و لما أكمل دراسته بمدرسة دار العلوم عين مدرساً بمدينة المنيا سنة 1311 ه و كان يقوم بالتدريس صباحاً ثم يعكف على عقد الندوات و المحاضرات العلمية مساء بغية تعليم التوحيد و الفقه و الأخلاق فكان يجتمع له المئات حتى أنس به أهل الدنيا و صاروا يتعشقون مجلسه و تسابقون للقائه لما رأوا فيه من صدق الدعوة و جودة القريحة و حسن المعاملة بالإضافة إلى التقوى و الصلاح و الزهد و الورع فذاع صيته و انتشر حديثه و طار خبره .

ثم نقل إلى محافظة الشرقية فأخذ يزاول نشاطه داعياً إلى الله و إلى إحياء دينه و اتباع رسوله و العمل على رضوانه فاكتسب مودة القوم ووجد منهم حسن إصغاء لدعوته و جميل قبول لتذكرته .ثم نقل الإمام إلى أسوان إلا أنه لم يطب له هناك فارتحل إلى مدينة حلفا ثم إلى أم درمان ، و الخرطوم حيث كان صيته قد سبقه إلى هناك ، و قد عمل أستاذاً للشريعة الإسلامية بكلية " غوردون " بالخرطوم و ظل بالسودان يعمل على خدمة الدعوة الإسلامية حتى أحس الإنجليز بخطر نشاطه الدينى فأبعدوه عن السودان فاعتزل الوظائف و قصر نفسه و حياته على الدعوة و جعل من داره بالقاهرة ملتقى للعلماء يؤمه الثوار و المجاهدين من أبناء الأمة الإإسلامية فى كل مكان .

و انتقل - رحمه الله تعالى - إلى الرفيق الأعلى عام 1937 م بعد أن عاش 68 عاماً و قد خلف السيد الإمام مدرسة صوفية كبيرة كان لها أعظم الأثر فى العصر الحاضر حيث تعهدت بتربية النشء الجديد ، و السير على مبادئ السيد الإمام من الاهتداء بكتاب الله و العمل على إحياء سنة رسوله .

رحمه الله تعالى و نفعنا به بأتباعه و ألحقنا به على الخير و الإيمان .






ثانى و ثلاثون: الإمام أبو قاسم القشيرى



الإمام أبو القاسم القشيري

العالم المصنّف الصوفي الأشعري

ترجمته

هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري ، ذكر ابن خلكان أن أصله من بلدة : أُستوا" من العرب الذين قدموا خراسان ، ولد سنة ثلاثمائة وست وسبعين للهجرة وتوفي والده وهو صغير ، وكانت له أرض بنواحي " أُستوا " فرأى أن يحضر إلى نيسابور ليتعلم طرفًا من الحساب ليعينه ذلك على استيفاء الخراج ، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي علي الدقاق راس الصوفية في وقته ، فسمع دروسه وتعلم منه وسلك طريق الصوفية ، واشار عليه الدقاق بالاشتغال بالعلم فخرج إلى درس ابي بكر الطوسي فتفقه على المذهب الشافعي ، ثم اختلف إلى الاستاذ ابن فورك فأخذ منه علم الأصول حتى أتقنه على المذهب الشافعي ، وتردد ايضاً إلى مجلس الاستاذ ابي اسحق الإسفراييني فأخذ عنه ، وأخذ عن عدة مشايخ كأبي الحسين الخفاف الذي أخذ عنه الحديث ، وأبي بكر بن عبدوس وابي نعيم أحمد بن محمد المهرجاني ، وعلي بن أحمد الأهوازي وابن باكوية الشيرازي وغيرهم ، حتى صار يشار إليه بالبنان وكثر طلابه في الأصقاع .

ثناء العلماء عليه

ذكره التاج السبكي في طبقاته فقال في مقدمة ترجمته : " الأستاذ ابو القاسم القشيري النيسابوري الملقب زين الإسلام ، الإمام مطلقاً وصاحب الرسالة التي سارت مغربّا ومشرقّا ، والبسالة التي أصبح بها نجم سعادته مشرقًا ، والأصالة التي تجاوز بها فوق الفرقد ورقًا ، أحد أئمة المسلمين علمًا وعملاً وأركان الملة فعلاً ومقولاً ، إمام الأئمة ومجلي ظلمات الضلال المدلهمة ، أحد من يقتدى به في السنة ويتوضح بكلامه طرق النار وطرق الجنة ، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة ومقدم الطائفة الجامع بين أشتات العلوم " أ.هـ.

ومدحه عبد الغافر بن اسماعيل قائلاً :" الإمام مطلقاً ، الفقيه المتكلم الأصولي المفسر الأديب النحوي الكاتب الشاعر لسان عصره وسيد وقته ، وسر الله بين خلقه ، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة ومقدّم الطائفة ، ومقصود سالكي الطريقة وشعار الحقيقة وعين السعادة وحقيقة الملاحة ، لم ير مثل نفسه ولا رأى الراءون مثله في كماله وبراعته ، جمع بين علم الشريعة والحقيقة وشرح أحسن الشرح أصول الطريقة " أ.هـ.

وذكره أبو الحسن علي الباخرزي في " دمية القصر " وبالغ في الثناء عليه فقال :" الإمام زين الإسلام أبو القاسم جامع لأنواع المحاسن ، ينقاد إليه صعابها ، ذلل المراسن فلو قُرع الصخر بسوط تحذريه لذاب ... وله " فصل الخطاب في فضل النطق المستطاب " ، ما هو في التكلم على مذهب الأشعري ، كلمته للمستفيدين فوائد ، وعتبات منبره للعارفين وسائد ، وله شعر يتوج به رؤوس معاليه إذا خُتِمَت به أذناب أماليه "

مؤلفاته

لقد كان الإمام العالم الصوفي الشيخ ابو القاسم القشيري أحد الصوفية الصادقين المتحققين ، فألف كتابه الذي سماه " الرسالة القشيرية " ، وهي رسالة أراد فيها المؤلف تبيان حقيقة الصوفية ، وأن عقيدتهم هي عقيدة توحيد الله وتنزيهه عن مشابهة الخلق وكل ما فيه تنقيص في حقه تعالى .

ولم يكن الإمام القشيري أول من ألف في التصوف وبيان حال الصوفين ، فقد صنف الحافظ أبو نعيم كتابه " حلية الأولياء وطبقات الأصفياء " ، مريداً بذلك أن يميز الصوفية المتحققين الصادقين من غيرهم ، وذلك لأنه حصل في زمانه طعن في هؤلاء الصوفية ، وادعى أناس التصوف وهم خلاف ما عليه الصوفية في المعتقد والقول والعمل ، فبدأ بذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ليثبت أنهم من حيث الحقيقة زهاد صوفيون من السلف الصالح .

عُرف عن الشيخ أبي القاسم القشيري كثرة تصانيفه ولا سيما بعد وفاة شيخه ابي علي الدقاق ، فأخذ في التصنيف وصنّف التفسير الكبير الذي سماه " التيسير في علم التفسير " ، و " التحبير في التذكير " و " ءاداب الصوفية " و " لطائف الإشارات " وكتاب " المناجاة " ، وكتاب " نحو القلوب الكبيرة ، و " أحكام السماع " ، و " كتاب الأربعين في الحديث " ، ومؤلفاته كثيرة منها " الرسالة القشيرية " في علة التصوف التي نتوقف عندها فيما يلي :

الرسالة القشيرية

بعد الحمد والصلاة على النبي يتوجه المؤلف في ابتداء رسالته إلى الصوفية الصادقين بقوله :" كتبها الفقير إلى الله تعالى عبد الكريم بن هوزان القشيري إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام في سنة سبع وثلاثين واربعمائة .
أما بعد رضي الله عنكم فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم ، وجعل قلوبهم معادن أسراره واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره " .

كما بين الإمام القشيري السبب من تاليف الرسالة في مقدمته بقوله :" ثم اعلموا رحمكم الله أن المحققين من هذه الطائفة ( الصوفية) انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا هذا من الطائفة إلا أثرهم ... وقَلَّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء ، وزوال الورع وطوى بساطه ، واشتد الطمع وقوي رباطه ، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة فعدّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ودنوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام ، واستخفوا بأداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا في ميدان الغفلات ... ولما ابى الوقت إلا استصعاباً وأكثر أهل العصر بهذه الديار لما زادوا إلا تمادياً فيما اعتادوه واغترارا بما ارتادوه ، أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده وعلى هذا النحو سار سلفه ، فعلقتُ هذه الرسالة إليكم أكرمكم الله وذكرت فيها بعض سير شيوخ هذه الطريقة في ءادابهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وعقائدهم " .

وفيما يلي المقدمة يفرد الإمام القشيري الفصل الأول للحديث عن معتقد الطائفة الصوفية ، هادفاً إلى التأكيد على ان اعتقاد أهل السنة هو اعتقادهم ، إذ يقول في بداية هذا الفصل :" اعلموا رحمكم الله أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف واهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل " ، ثم ينقل عن عدد منهم بعضًا من الكلام في التوحيد ، فيروي عن ابي بكر الشبلي قوله:" الواحد المعروف قبل الحَدّ وقبل الحروف " ، ويعقب على كلامه قائلاً :" وهذا صريح من الشبلي أن القديم سبحانه لا حَدّ لذاته ولا حروف لكلامه ".

كما يورد عن الجنيد قوله في معنى التوحيد :" هو إفراد الموحَّد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " .

وفي الرسالة ايضاً رواية عن ابي عثمان المغربي حيث يقول :" كنت اعتقد شيئاً من حديث الجهة ، فلما قدمتُ بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبتُ إلى اصحابنا بمكة أني أسلمتُ الآن إسلاماً جديداً " ، وعن الإمام جعفر الصادق قوله :" من زعم أن الله في شيء أو على شيء أو من شيء فقد أشرك ، إذ لو كان على شيء لكان محمولاً ، ولو كان في شيء لكان محصوراً ولو كان من شيء لكان محدثاً " .

لقد اراد الإمام القشيري في سرد أقوال هؤلاء الأئمة بيان معتقدهم في اصول الشريعة الذي هو تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه وعن المكان والجسمية والأعضاء وكل ما هو من صفات المخلوقات ، ثم لخّص هذه المعتقدات بجملة أقوال منها قوله :" ليس يشبه شيئاً من المصنوعات ولا يشبهه شيء من المخلوقات ، ليس بجسم ولا جوهر ولا عَرَض ، ولا صفاته أعراض ، ولا يتصور في الأوهام ولا يتقدر في العقول ، ولا له جهة ولا مكان ، ولا يجري عليه وقت وزمان ، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان ... "

وتتضمن الرسالة باباً ذكر فيه المؤلف مشايخ هذه الطريقة ورؤوسها أمثال إبراهيم بن أدهم وذي النون المصري والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والسري السقطي وأبي يزيد البسطامي وسهل بن عبد الله التستري والجنيد البغدادي وإبراهيم الخواص وابن خفيف الشيرازي ، وطائفة كبيرة من الصوفية المتحققة ، مع الإشارة إلى بعض من سيرهم وأخبارهم ومواعظهم وكلامهم في اصول الشريعة .

وفيما يلي هذا الباب يجعل المؤلف باباً خاصاً يشرح فيه بعضًا من المصطلحات الصوفية المتعارفة بين أفراد هذه الطائفة كالحال والقبض والبسط والتواجد ، والغَيْبة والحضور ، والصحو والسكر والستر والتجلي والقرب والبعد وعلم اليقين وحق اليقين والمراقبة والحياء والفراسة والمحبة والشوق وغير ذلك من المصطلحات .

وبعد هذا الباب تأتي فصول عدة تتضمن مسائل تتصل بمسئلة التصوف كإثبات الكرامات للأولياء ومعنى الولي وهل يكون الولي معصومًا ، وفيما ينبغي للمريد في التعامل مع مشايخه ومع المسلمين والفقراء وغير ذلك من الآداب والخصال التي يطلب من المريد التحلي بها بغية الرقي وسلوك طريق التصوف .

فتوى الإمام القشيري في الإمام الأشعري

حدث في زمن الإمام القشيري فتنة عظيمة حيكت ضد الأشاعرة فكثر سَبُّهم وسب الإمام أبي الحسن الأشعري ، فاستُفْتيَ الإمام عن عقيدة الأشعري فكتب كتاباً جاء فيه :

" اتفق اصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن اسماعيل الأشعري كان إمامًا من أئمة أصحاب الحديث ومذهبه مذهب أصحاب الحديث ، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدع ، وكان على المعتزلة والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين من الملة سيفًا مسلولاً . ومَن طعن فيه أو قدح أو لعنه أو سبَّه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة . بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الدرج في ذي القعدة سنة ست وثلاثين واربعمائة . والأمر على هذه الجملة المذكورة في هذا الذكر . وكتبه عبد الكريم بن هوزان القشيري وكتبه تحته الخبازي ، كذلك يعرفه محمد بن علي الخبازي وهذا خطه ، والشيخ أبو محمد الجويني الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه ، وكتبه عبد الله بن يوسف وبخط أبي الفتح الشاشي ، وعلي بن أحمد الجويني وناصر العمري وأحمد بن محمد الأيوبي وأخيه علي ، وأبي عثمان الصابوي وابنه أبي نصر بن أبي عثمان والشريف البكري ومحمد بن الحسن وأبي الحسن الملقابادي وقد حكى خطوطهم ابن عساكر . وكتب عبد الجبار الإسفراييني بالفارسية : هذا أبو الحسن كان إماماً ، ولما أنزل الله عز وجل قوله " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " ( سورة المائدة /54) أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال :" هم قَوم هذا " .
توفي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ونفعنا ببركاته سنة أربعمائة وخمس وستين للهجرة .
ahmed1981
2008/03/21
ثالث و ثلاثون: شاه ولى الله الدهلوى

سيرة الإمام شاه ولي الله الدهلوي.. باعث السُّنة في الهند



حكم المسلمون الهند منذ أن فتحها محمد الغزنوي سنة (392 هـ= 1001م)، وتتابعت الدول في حكمها فترة بعد فترة، حتى ألقت بمقاليدها إلى الأسرة التيمورية؛ فنهضت بأعباء الحكم، وأقامت حضارة شاهدة على ما بلغته من تقدم وازدهار، ثم وفد الإنجليز إلى الهند تجارا، فأكرم الحكام المسلمون وفادتهم، وساعدوهم في تجاراتهم، وشيئًا فشيئًا اتسع نفوذهم، وعهد إليهم الحكام المسلمون بالقيام على بعض الأعمال، ولم يكن وجودهم خطرا يهدد الدولة في فترة قوتها، حتى إذا ضعفت أسفر الإنجليز عن وجههم القبيح، وسيطروا على الهند، وعلى حكامها المسلمين الذين بلغت دولة الهند في عهدهم مبلغا كبيرا من الضعف والجهل وانتشار الفساد واللهو.

وفي ظل هذه الأجواء المتردية، وانشغال الحكام بأنفسهم، وانصرافهم إلى ملذاتهم، تداعت صيحات مخلصة تنبه القلوب الغافلة، وتوقظ العيون النائمة، وتبث العزم في النفوس الخائرة؛ كي تهب وتستفيق وتقوم بما يجب عليها، وتعيد أمجاد الماضي وتسترد نسماته العطرة، وكان شاه ولي العهد الدهلوي أعلى تلك الأصوات، وأكثرها حركة ونشاطا.


المولد والنشأة

ولد أحمد بن عبد الحليم في دهلي بالهند في (14 من شوال 1114 هـ= 2 من مارس 1703م) في أواخر عهد السلطان أورنجزيب (أحد سلاطين الدولة التيمورية العظام)، ونشأ في بيت علم وصلاح؛ فأبوه كان عالما كبيرا، اشترك في مراجعة الفتاوى الهندية على المذهب الحنفي التي أشرف السلطان أورنجزيب على إخراجها.

تعلم الصبي الصغير في كنف أبيه، فحفظ القرآن الكريم في السابعة من عمره، وانصرف إلى دراسة اللغتين الفارسية والعربية، وتلقى علوم القرآن والحديث والفقه على المذهب الحنفي على أكابر علماء الهند، كما درس الطب والحكمة، والمنطق الفلسفة، ومال إلى الزهد والتصوف في هذه الفترة المبكرة، وأمدته هذه الروح الشفافة بطاقة هائلة، وإقبال على العبادة والطاعات، ونزع الله من قلبه حب الدنيا وزينتها؛ فالتفت القلوب حوله وأطلق عليه الناس "شاه ولي الله"؛ أي ولي الله الكبير.



جلوسه للتدريس


وبعد وفاة والده في سنة (1131 هـ= 1719م) جلس للتدريس، وهو في هذه السن المبكرة يشفع له نبوغه وتمكنه من العلوم الشرعية، فأقبل عليه طلاب العلم يتلقون على يديه الفقه والحديث، وبعد أن أمضى اثني عشر عاما رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وبعد أن قضى مناسكها، لازم الحرم المكي وجاور هناك، والتقى بشيوخ مكة وفقهائها ومحدثيها؛ فروى عنهم وتتلمذ على أيديهم، وأجازوه براوية الحديث، ثم عاد إلى بلده في أوائل سنة (1145 هـ= 1722م) ليستأنف حياة الدرس والتعليم.

اتخذ الدهلوي من بيته مكانا لاستقبال طلابه والتدريس فيه، فلما ضاق عليه لكثرة الطلاب الذين يفدون عليه، بنى له السلطان محمد شاه مدرسة كبيرة، وافتتحها بنفسه، واشتهرت باسم "دار العلوم"، تخرج فيها أعداد كبيرة من العلماء ممن حملوا علم الشيخ، ونشروه بين الناس.



جهوده الإصلاحية


تفتحت عينا الشيخ والهند تزداد حالتها سوءا، والحكام يزدادون ضعفا، والبدع والخرافات تفتك بعقول الناس، والإنجليز يمسكون بأزمّة الأمور بعد أن رسخت أقدامهم، فتحركت نفسه إلى الصدع بالحق، ونصح الحكام، والأخذ بأيدي الناس إلى طريق الإصلاح، ولم ينصرف إلى التأليف والتدريس ويترك الناس حيارى لا دليل لهم.

دعا الشيخ إلى التصوف السني القائم على الاعتقاد والعمل بما جاء في الكتاب والسنة، وجرى عليها جمهور الصحابة والتابعين، وقام بتنقية التصوف من الشوائب، التي لحقت به من الفلسفات غير الإسلامية، وإبراز الجانب الإسلامي فيه.

ونادى ولي الله الدهلوي بفتح باب الاجتهاد وعدم التقيد بآراء الفقهاء الأربعة، وذكر أن أبا حنيفة نفسه قال: "لا ينبغي لمن لا يعرف دليله أن يفتي بكلامه"، وقال الإمام مالك بأنه "ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود إلا رسول الله"، وكذلك ذهب الشافعي وابن حنبل.

وقد أثرت جهود الشيخ الإصلاحية في تلامذته، وعلى رأسهم ابنه الشاه عبد العزيز، الذي كان كوالده نابغًا في الحديث والفقه، فحمل راية أبيه بعد وفاته، ووقف للإنجليز حين أخذوا يستبدون بالأمر، ويقلصون سلطات الحاكم المسلم، وأطلق الكلمة المأثورة: "إنه لا يُتصوَّر وجود ملك مسلم بدون نفوذ، إلا إذا تصورنا الشمس بدون ضوء!"، وهو صاحب الفتوى الشهيرة بأن الهند أصبحت دار حرب لا دار إسلام، وعلى المسلمين أن يهبوا جميعا للجهاد بعد أن أصبح إمام المسلمين لا حول له ولا قوة، ولا تنفذ أحكامه، والحل والعقد صار بيد الإنجليز المسيحيين.. يعينون الموظفين، ويدفعون الرواتب، ويشرفون على القضاء وتنفيذ الأحكام.

وكان لصيحات مدرسة "شاه ولى الله الدهلوي" أثر؛ حيث قاد العلماء الجهاد، وخاضوا غمار الحروب والمعارك لإنقاذ المسلمين من الإنجليز، ومن السيخ الذين لقوا دعمًا من المحتلين، ومن أبرز هؤلاء العلماء أحمد عرفان الشهيد الذي تتلمذ على الشاه عبد العزيز الدهلوي وأخيه عبد القادر ابني ولي الله الدهلوي، وسبق أن تناولنا حياته في (6 من صفر).



مؤلفات الشيخ


بارك الله في حياة الشيخ؛ فترك ذرية طيبة، حملوا العلم، وقادوا الجهاد، وتتلمذ عليه مئات من التلاميذ في الحديث؛ فأحيوا السنة بعد أن كادت تموت في الهند، وكان من أشهر تلاميذه الزبيدي صاحب "تاج العروس"، المتوفى سنة (1205 هـ = 1790م).

ورزقه الله سعة في الوقت؛ فترك مؤلفات عظيمة بلغت أكثر من 50 كتابًا، من أشهرها:

"حجة الله البالغة في أسرار الحديث وحكم التشريع"، وقد طُبع في الهند سنة (1286هـ= 1869م)، ثم طُبع في مصر بعد ذلك في سنة (1294هـ= 1877م)؛ وهو ما يدل على اتصال الحركة العلمية في مصر بغيرها من البلاد الإسلامية.

"الإنصاف في بيان سبب الاختلاف"، وهو يتناول مباحث في أصول الفقه ونشأة المذاهب الفقهية وتعددها في الفقه الإسلامي.

و"عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد"، عرض فيه لكثير من الأحكام المتعلقة بالاجتهاد.

"الفوز الكبير في أصول التفسير"، تكلم فيه عن الأشياء التي لا بد لمن يقوم بالتفسير أن يلم بها؛ حتى يكون على بينة من أمره حين يعرض لآيات القرآن الكريم.

و"المسوَّى من أحاديث الموطأ"، شرح فيه أحاديث الكتاب، وبيّن فيه ما تعقبه العلماء على الإمام مالك بإشارة لطيفة.

و"شرح تراجم أبواب البخاري".

وترجم القرآن إلى الفارسية بعنوان "فتح الرحمن في ترجمة القرآن".



وفاة الشيخ


وبعد حياة حافلة بجلائل الأعمال تُوفِّي الشيخ في (26 من المحرم 1176هـ= 17 من أغسطس 1762م)، تاركًا أربعة من أولاده العلماء هم: "شاه عبد العزيز" الذي قام مكانه في العلم والعمل، و"شاه رفيع الدين"، و"شاه عبد القادر"، و"شاه عبد الغني"، ومخلفًا ذكرى عطرة لا يزال شذاها يفوح حتى الآن، وقد أثنى عليه وعلى جهوده العلماء؛ فقال عنه "عبد الحي الكناني" صاحب "فهرس الفهارس": "أحيا الله به وبأولاد بنته وتلاميذهم الحديث والسنة بالهند بعد مواتهما، وعلى كتبه وأسانيده المدار في تلك الديار".
ahmed1981
2008/03/21
رابع و ثلاثون: ابن الفارض

ابن الفارض

ابن الفارض هو عمر بن علي بن مرشد الحموي، من حماة في سوريا أبو حفص شرف الدين ابن الفارض. يعرف بسلطان العاشقين وهو من أشعر المتصوفين، . قدم والده من حماة وولد بمصر سنة 576 هـ الموافق لـ 1181م. ولما شب اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر. ثم سلك طريق الصوفية ومال إلى الزهد. رحل إلى مكة في غير أشهر الحج، واعتزل في واد بعيد عنها. وفي عزلته تلك نظم معظم أشعاره في الحب الإلهي وفي شعره فلسفة تسمى وحدة الوجود. عاد إلى مصر بعد خمسة عشر عامًا. توفي سنة 632 هـ الموافق لـ1235 م.

(مختارات شعرية)


هو عمر بن علي بن مرسد , الحموي أصلا , المصري ولادة ودارا ووفاة , ولد عام 576هـ وتوفي سنة 632هـ , كني بأبي حفص وأبي القاسم , ولقب بشرف الدين , كان أبوه بعد إنتقاله إلى القاهرة يثبت الفروض لنساء على الرجال بين يدي الحكام وولي نيابة الحكم لسلطان عزيز بالقاهرة فغلب عليه لقب الفارض وعرض عليه منصب قاضي القضاة فأمتنع وأنقبض عن الناس زاهدا ومتعبدا .

في ظل هذا الأب , وفي رعاية علمية وحياة طيبة نشأ عمر وأخذ علومه الجلة وكان منذ صغره يستأذن والده لينقطع للعبادة في بعض المساجد المنقطعة وفي جبل المقطم , وظل كذلك إلى أن نصحه أحد المتعبدين بالنزول إلى مكة , فخرج إليها وأكثر من الأنعزال في واد بعيد عن مكة , وهناط وفي ظل تلك الحوال نظم معظم شعره , وهو خير ماألف من شعره , واستمر في الديار المقدسة خمسة عشر عاما تقريبا عاد بعدها إلى القاهرة , واقام بقاعة الخطابة في الأزهر , وكثر المعجبون به والمتبركون به , وكانت العلماء والحكام تجلسه حتى أن الملك كامل طلب زيارته وقصد إليه , وكانت حياته حيات إنقطاع , وعبادة وزهد وكانت تحصل له حالات إستغراق طويل وصمت , وكان يملي شعره في إنتباهه من تلك الاحوال .

وصف ابن الفارض بإنه كان معتدل القامة , وأن وجهه جميل , حسن مشرب بحمرة وكان حسن الهيئة والملبس , وحسن الصحبة والعشرة , فصيح العبارة , كثير الخير , وكان يحب مشاهدة البحر في المساء , قال ابن خلكان (( سمعت أنه رجل فصيح العبارة كثير الخير )).

وقد أختلف الدارسون في تقويمه , وبيان فلسفته الصوفية , فبعظهم اتهمه بالقول بالحلول والقول بالاتحاد وقد دفع الاستاذ ( ر. نيكسون) هاتين التهمتين , بينما يرى الدكتور عمر فروخ أنه يقول بالحلول والأتحاد معا .

ولأبن الفارض ديوان مشهور وهو على صغر حجمه من أحسن الدواوين العربية إبتكارا من ناحية موضوعه ومن ناحية إسلوبه , وهو يدور في ديانه على الشعر الصوفي في حلب , وله قصائد مطولات كالتائية الكبرى ,واليائية .

ومن شعره :

قـلـبي يُـحـدثُني بـأنك مُـتلفي روحـي فِداك ، عرَفت أم لم تعرفِ
لـم أقضِ حق هواكَ إن كنتَ الذي لـم أقـض فيه أسى ، ومثلي مَن يفي
مـا لي سوى روحي ، وباذلُ نفسه فـي حب من يهواه ، ليس بمسرفِ
فـلئن رضـيتَ بها ، فقد أسعفتني يـا خيبة المسعى ، إذا لم تسعفِ !
يـامانعي طـيب المنام ، ومانحي ثـوب الـسقام بـه ووَجدي المتلفِ
عـطفا على رمَقي وما أبـقيتَ لي من جسمي المضنى وقـلبي المُدنفِِ
فـالوجد بـاقٍ ، والوصال مماطلي والـصبر فـانٍ ، والـلقاء مسوِّفي
لم أخلُ من حسدٍ عليكَ فلا تُضِع سهَري بتشنيع الخيالِ المُرجِفِ
واسأل نجوم الليل : هل زار الكرى جَـفني ، وكيف يزور من لم يعرفِ
لا غـرو إن شحّت بغمضٍ جفونها عـيني ، وسـحّت بالدموع الذرّفِ
وبـما جرى في موقف التوديع من ألـم الـنوى ،شاهدتُ هول الموقفِ
إن لـم يـكن وصـلٌ لديكَ فعِد به أملي وماطل ، إن وعدتَ ، ولا تفي
فـالمطلُ مـنك لديَّ ، إن عزَّ الوفا يـخلو كـوصلٍ من حبيبٍ مسعفِ
أهفو لأنفاسِ النسيمِ تعِلةًّ ولوجه مَن نقلت شذاهُ تشوّفي
فـلـعل نـار جـوانحي بـهبوبها أن تـنـطفي ، وأود أن لا تـنطفي
يـا أهـل ودّي ! أنتمُ أملي ، ومن نـاداكـمُ يـا أهـل ودي قد كُفي
عـودوا لـما كـنتم عليه من الوفا كـرماً ، فـإني ذلـك الـخل الوفي
وحياتكم وحياتكم ، قسماً ، وفي عُمري بغير حياتكم لم أحلفِ
لو أن روحي في يدي ووهبتها لمبشّري بقدومكم لم أُنصِفِ
لا تحسبوني ، في الهوى ، متصنعاً كَلَفي بـكم خـُلُقٌ بـغير تـكلُّفِ
أخـفـيتُ حُـبَّكمُ فـأخفاني أسـىً حـتى ، لعمري ، كدت عني أختفي
وكـتـمتهُ عـنّـي فـلـو أبـديتُه لـوجدته أخـفى من اللطف الخفي
ولقد أقولُ لمن تحرّشَ بالهوى عرّضتَ نفسَكَ للبلا فاستهدفِ
أنتَ القتيلُ بأيِّ مَن أحبَبتّه فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
قُل للعَذولِ أطلتَ لَومي طامعاً أن الملامَ عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفي ، وذق طعم الهوى فـإذا عـشقت ، فـبعد ذلـك عنِّفِ
برح الخَفاء بحب من لو ، في الدجى سـفر الـلثام ، لقلت يا بدر اختفِ
وإن اكـتفى غـيري بـطيف خياله فـأنا الـذي بـوصاله ، لا أكـتفي
وقفاً عليه محبتي ولِمحنتي بأقلِّ من تَلَفي به لا أشتفي
وهواهُ ، وهو ، أليّتي ، وكفى به قسماً أكادُ أجلّهُ كالمُصحفِ
لو قال تيهاً : قِف على جمر الغَضا لـوقـفت مـمتثلاً ، ولـم أتوقفِ
أو كان مَن يرضى ، بخدّي ، موطِئاً لوضعتُهُ أرضاً ولم أستنكفِ
لا تـنكروا شغفي بما يرضي ، وإن هـو بـالوصال ،عـليَّ لم يتعطفِ
غلب الهوى ، فأطعت أمر صبابتي مـن حيث فيه عصيتُ نهى معنِّفي
منّي له ذلّ الخضوعِ ومنهُ لي عِزَّ المَنوعِ وقوّةُ المُستضعِفِ
ألِفَ الصَدودَ ولي فؤادٌ لم يزل مُذ كنتُ ، غيرَ وِدادِهِ لم يألَفِ
يا ما أمَيلَحَ كلَّ ما يرضى به ورُضابُهُ يا ما أُحيلاهُ بِفي
لو اسمَعوا يعقوبَ ذكرَ مَلاحةٍ في وجههِ نسيَ الجمالَ اليوسفي
أو لو رآهُ عائداً أيوبُ في سِنةِ الكرى قِدماً ، من البلوى شفي
كــل الـبدور إذا تـجلى مـقبلاً تـصبو إلـيه ، وكـل قـدٍّ أهيفِ
إن قـلت : عـندي فيك كل صبابةٍ قال : المَلاحةُ لي ، وكل الحُسن في
كـملت مـحاسنُهُ فـلو أهدى السنا لـلبدر ، عـند تمامه ، لم يُخسفِ
وعـلى تـفنن ، واصـفيه بحسنه يـفنى الـزمان ، وفيه مالم يوصفِ
ولـقد صـرفت لحبه ، كلّي ، علي يـد حسنه ، فحمدت حسن تصرفي
فالعينُ تهوى صورة الحُسنِ التي روحي بها تصبو إلى معنى خفي
أسعِد أُخَيَّ وغنِّني بحديثِهِ وانثُر على سمعي حِلاهُ وشنّفِ
لأرى بعين السمعِ شاهِدَ حُسنِهِ معنىً فأتحِفني بذاكَ وشرِّفِ
يـا أخت سعدٍ ، من حبيبي ، جئتِني بـرسـالـةٍ أدّيـتِـها بـتـلطفِ
فـسمعتُ مـالم تسمعي ونظرتُ ما لـم تـنظري ، وعرفتُ مالم تعرفي
إن زار يوماً يا حشايَ تقطّعي كَلَفاً به ، أو سار ، يا عينُ اذرفي
ما للنوى ذنبٌ ومَن أهوى معي إن غاب عن إنسان عيني ، فهوَ في

(في : أي في قلبي)


ومن أشعاره :

زِدني بفرط الحب فيك تحيّراً وارحم حشى بلظى هواك تسعَرّا
وإذا سألتُك أن أراك حقيقةًً فاسمحْ ولا تجعلْ جوابيَ : لن ترى
يا قلبُ أنت وعدتني في حبهم صبراً فحاذرْ أن تضيق وتضجرا
إنّ الغرامَ هو الحياةُ فمُت به صبَّاً فحقُكَ أن تموتَ وتُعذرا
قل للذين تقدموا قبلي ومَن بعدي ومَن أضحى لأشجاني يرى
عني خذوا وبيَ اقتدوا ولي اسمعوا وتحدثوا بصبابتي بين الورى
ولقد خلوتُ مع الحبيب وبيننا سِرٌّ أرقُّ من النسيِمِ إذا سرى
وأباح طرفي نظرةً أمّلتُها فغدوتُ معروفاً وكنت مُنَكَّرا
فدهشتُ بين جمالِهِ وجلالِهِ وغدا لسانُ الحالِ عنّي مُخْبِرا
فأدِر لِحاظك في محاسن وجهه تلقى جميعَ الحسنِ فيه مصوَّرا
لو أنّ كلَّ الحسنِ يكمل صورةً ورآه كان مهلِّلاً ومكبّرا



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



ابن الفارض نسبه إلى بني سعد. ووالده حموي الأصل قدم مصر يقتنها، وكان يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام فلقب بالفارض. ويستدل أنه ( الوالد) كان رجل فضل وجاه يتصدر مجالس الحكم والعلم، حتى سئل أن يكون قاضي القضاة فامتنع ونزل عن الحكم. واعتزل الناس وانقطع إلى الله تعالى بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر إلى أن توفاه الله.

وفي مصر ولد شاعرنا، ولا شك أنه كان لوالده يد كبيرة في ثقافته وفي تكييف نزعاته النفسية. قال ابن العماد الحنبلي: " فنشأ تحت كنف أبيه في عفاف وصيانة وعبادة، بل زهد وقناعة وورع، وأسدل عليه لباسه وقناعه. فلما شب وترعرع اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر".

وقد ظهر فيه منذ أوائل شبابه ميل إلى التدين والتلذذ بالتجرد الروحي على طريقة المتصوفين. فكان يستأذن والده في الانفراد للعبادة والتأمل. ويظهر أنه كان في جبل المقطم مكان خاص يعرف بوادي المستضعفين يختلف إليه المتجردون، فحبب إلى ابن الفارض الخلاء فيه، فتزهد وتجرد، وكان يأوي إلى ذلك المكان أحيانا. ثم انقطع عنه ولزم أباه. فلما توفي الوالد عاد الولد إلى التجريد والسياحة الروحية أو سلوك طريق الحقيقة فلم يفتح عليه بشيء ( أي لم يكشف له من المعرفة ما يستغني به ولعله يريد هنا لم يوح إليه من الشعر شيء). ثم قيض له رجل من الأتقياء أشار عليه أن يقصد مكة. فقصدها وأقام فيها مجاورا نحوا من 15 سنة. وهناك بين المناسك المقدسة نضجت شاعريته وكملت مواهبه الروحية. ثم عاد إلى مصر ، وكانت يومئذ تحت سيادة الأيوبيين ، وقد عنوا كل العناية بفتح المدارس والمعاهد فيها، فتجددت في أيامهم الروح الدينية والتعاليم السنية. حدث ذلك على أثر انتصاراتهم على الصليبيين تلك الانتصارات التي وطدت مركزهم في مصر والشام والحجاز، وتركت لهم في تاريخ الشرق الإسلامي ذكرى خالدة.

يجمع مؤرخوه على أنه كان ورعا وقورا طيب الأقوال والأفعال. والذي يراجع سيرته ويتفهم روح قصائده يتجلى له في نفسيته ثلاث مزايا بارزة:

أنه كان شديد التأثر(وخصوصا بالجمال) إلى درجة الانفعال العصبي يسحره جمال الشكل حتى في الجمادات. ومن ذلك ما يروونه عن تأثره بحسن بعض الجمال، أو ببرنية حسنة الصنعة رآها في دكان عطار. وقد يسحره جمال الألحان فإذا سمع إنشادا جميلا استخفه الطرب فتواجد ورقص ولو على مشهد من الناس.

نقل عن ولده أن الشيخ كان ماشيا في السوق بالقاهرة، فمر على جماعة يضربون بالناقوس ويغنون، فلما سمعهم صرخ صرخة عظيمة ورقص رقصا كثيرا في وسط السوق، ورقص جماعة كثيرة من المارين. وتواجد الناس إلى أن سقط أكثرهم إلى الأرض. ثم خلع الشيخ ثيابه ورمى بها إليهم وحمل بين الناس إلى الجامع الأزهر وهو عريان مكشوف الرأس وفي وسطه لباسه. وأقام في هذه السكرة ( النوبة العصبية ) ملقى على ظهره مسجى كالميت.
ahmed1981
2008/03/21
خامس و ثلاثون: صفى الدين الحلى

صفي الدين الحلي




هو عبدالعزيز بن سرايا ، ولد سنة 677 في العراق بمدينة الحلة ، وهي مدينة العلامة والمحقق الحلي ، والسيد ابن طاووس وعشرات غيرهم من الفضلاء .

يعتبر صفي الدين الحلي اشهر شعراء العصر المغولي ، وشعره بليغ ومتنوع في المدح والغزل والتفاخر والعاطفة المذهبية والبديع (السجع والجناس والتورية . . . الخ) والالغاز ، كذلك كان خاليا من الشوائب والتعقيد .

كان شاعرنا الحلي عفيف اللسان ، عزيز النفس ، وهو «اول من نظم البديعيات‏» .
اهم آثاره:

ديوان شعره الذي يحتوي كافة الاغراض الشعرية .

درر النحور ، ويقال درر البحور وقلائد النحور .

معجم الاغلاط اللغوية .

الاوزان المستحدثة .

الرسالة التوءمية .

خلاصة البلغاء رسالة الدار .

الكافية .

الدر النفيس .

يحتوي كتاب درر البحور وقلائد النحور على 29 قصيدة بعدد احرف الهجاء في قوافيها حيث «يبتدئ في كل بيت منها بحرف ويختم بنفس الحرف‏» ، وهذه القصائد تعرف بالارتقيا ، فاذا كانت القافية ميمية كانت اوائل الابيات كذلك كقوله:

مغانم صفو العيش اسمى المغانم

هي الظل الا انه غير دائم

ملكت زمام العيش فيها وطالما

رفعت‏بها لولا وقوع الجوازم

واذا كانت القافية تنتهي بحرف القاف ، كان اوائل الابيات تبدا بحرف القاف ايضا كقوله:

قفي ودعينا قبل وشك التفرق

فما انا من يحيى الى حين نلتقي

قضيت وما اودى الحمام بمهجتي

وشبت وما حل البياض بمفرقي

قرنت‏الرضى بالسخط و القرب بالنوى

ومزقت‏شمل الوصل كل ممزق

قبلت وصايا البحر من غير ناصح

واحييت قول‏الهجر من غير مشفق

ونلاحظ في كافيته الثانية التي تمتاز برقة غزله وعذبة الاسلوب ، وهي في جملتها نموذج لغيرها من الارتقيات في غرضها الرئيسي واغراضها العارضة في التزام اتفاق حروف ابياتها الاولى وتوافقها مع حرف الروي:

كفي القتال وفكي قيد اسراك

يكفيك ما فعلت‏بالناس عيناك

كلت لحاظك مما قد فتكت‏بنا

فمن ترى في دم العشاق افتاك

كفاك ما انت‏بالعشاق فاعلة

لو انصف الدهر في العشاق عزاك

كملت اوصاف حسن غير ناقصة

لو ان حسنك مقرون بحسناك

كيف انثنيت الى الاعداء كاشفة

غوامض السر لما استنطقوا فاك

كتمت‏سرك حتى قال فيك فمي

شعرا ولم يدر ان القلب يهواك

×××××

كدت المحب فماذا انت طالبة

فنا محبك مع اشمات اعداك

كافيتني بذنوب لست اعرفها

فسامحي واذكري من ليس يسلاك

كلفتني حمل اثقال عجزت بها

وحبذا ثقلها ان كان ارضاك

كابدت هول السرى في البيد مكتسبا

مالا وما كنت ابغي المال لولاك

كلا ولا بت اطوي كل مقفرة

ومهمة لم تسر فيها مطاياك

كان فيه السما والارض واحدة

ونوقنا نجب نور تحت املاك

اما اذا انتهت‏بحرف الراء كانت اوائل الابيات تبدا بحرف الراء كقوله:

رفقت‏بالناس في كل الامور فقد

اضحى الزمان اليهم شاخص البصر

وهناك قصائد نظمها شاعرنا الحلي تنتهي بالياء وتبدا ابياتها بالياء ايضا ، ولكن تمتاز بانها تقرا مقلوبة بقوله:

يلذ ذلي بنضو

لوضن بي لذ ذلي

يلم شملي لحسن

ان سح لي لم شملي

وقد عثرت على قصيدة شعرية لم تطبع في ديوانه تبدا بالهمزة وتنتهي بالهمزة وتقرا مقلوبة يقول فيها:

انث ثناء ناضرا لك انه

هنا كل ارض ان انث ثناء

امر كلاما الفته مظنة

له نظم هتف لام الكرماء

اهب لوصف لا لما هب آمل

ملما بها مل‏ء الفصول بهاء

اروح اطيل الداب ابرم همة

مربى بادلال يطاح وراء

ارق فلا حزن ينم بمهمل

مهم بم ينزح الفقراء

اخر لاني نائب لقضية

تهيض قلبي ان ينال رخاء

افوه اراعي قوته بتكلف

لكتبة توقيع اراه وفاء

اما شعر التوام فهو ما تشابهت كلماته في الرسم حتى اذا ابدلت نقط بعضها ظهرت لها معان جديدة ، واغلب ما تكون الكلمات المتوائمة متجاورة نحو قول صفي الدين الحلي:

سند سيد حليم حكيم

فاضل فاصل مجيد مجيد

حازم جازم بصير نصير

زانه رايه الشديد السديد

امه امة رجاء رخاء

ادركت اذ زكت نقود تقود

مكرمات مكرمات بنت‏بي

-ت علاء علا بجود يجو

×××××

كوصف حرب ووصف شرب

ولطف عتب لقلب قلب

وذكر الف، وشكر عرف

وبكر وصف، وندب ندب

×××××

زينت زينب بقد يقد

وتلاه ويلاه نهد يهد

جندها جيدها وظرف وطرف

تاعس ناعس بحد بحد

ولشاعرنا قصيدة معجمة ليس فيها حرف مهمل:

فتنت‏بظبي بغى خيبتي

بجفن تفنن في فتني

تجنى، فبت‏بجفن يفيض

فخيبت ظني في يقظتي

قضيب يجي‏ء بزي يزين

تثنى، فذقت جنى جنة

نجيب يجيب بفن يذيب

ببض خضيب نفى خيفتي

بجفن يجي‏ء ببيض غزت

تشج، فتنفذ في جبتي

غني يضن بنض نقي

فيقضي بغبني في بغيتي

تيقظ بي غنج جفن غضيض

بفن يشن ضنى جثتي

وهناك نوع آخر من شعره يسمى الشعر العاطل او المهمل ، والذي يتميز بخلو كلماته من النقط بقوله:

سدد سهما ما عدا روعه

وروع العصم، وللاسد صاد

امالك الامر ارح هالكا

مدرعا للهم درع السواد

اراه طول الصد لما عدا

مرامه ما هد صم الصلاد

ود ودادا طاردا همه

وما مراد الحر الا الوداد

والمكر مكروه دها اهله

واهلك الله له اهل عاد

وله قصيدة اخرى في الشكوى والعتاب جاء فيها:

نسيتكم لما ذكرتم مساءتي

وخالفتكم لما اتفقتم على هجري

واصبحت لا يجري ببالي ذكركم

ملالا ، ولا يجري ببالكم ذكري

وقد كنت افنيت الزمان بشكركم

وبالوصف حتى شاع في مدحكم شعري

واني وان اغلظت في القول مرة

عليكم ، لامر ضاق عن حمله صدري

امنت‏بما اوليت من حق خدمة

اليكم ، وما ابليت من جدة العمر

ولصفي الدين قصيدة في الرثاء بداها:

بكى عليك الحسام والقلم

وانفجع العلم فيك والعلم

وضجت الارض، فالعباد بها

لاطمة، والبلاد تلتطم

تظهر احزانها على ملك

جل ملوك الورى له خدم

ابلج، غض الشباب، مقتبل العم

-ر، ولكن مجده هرم

محكم في الورى، وآمله

يحكم في ماله ويحتكم

×××××

يجتمع المجد والثناء له

وماله، في الوفود، يقتسم

قد سئمت جوده الانام، ولا

يلقاه، من بذله الندى، سام

ما عرفت منه لا، ولا نعم،

بل دونهن الآلاء والنعم

الواهب الالف، وهو مبتسم

والقاتل الالف، وهو مقتحم

مبتسم والكماة عابسة

وعابس، والسيوف تبتسم

×××××

يستصغر العضب ان يصول به

ان لم تجرد من قبله الهمم

ويستخف القناة يحملها،

كانها في يمينه قلم

لم يعلم العالمون ما فقدوا

منه، ولا الاقربون ما عدموا

ما فقد فرد من الانام، كمن

ان مات ماتت لفقده امم

والناس كالعين ان نقدتهم

تفاوتت عند نقدك القيم

ثم نجد قصيدته النونية التي يذكر فيها مجد قومه وتاريخهم حيث‏يقول:

سلي الرماح العوالي عن معالينا

واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا

لما سعينا فما رقت عزائمنا

عما نروم ولا خابت مساعينا

وفتية ان نقل اصغوا مسامعهم

لقولنا او دعوناهم اجابونا

قوم اذا استخصموا كانوا فراعنة

يوما وان حكموا كانوا موازينا

اذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة

وان دعوا قالت الايام آمينا

انا لقوم ابت اخلاقنا شرفا

ان نبتدي بالاذى من ليس يؤذينا

بيض صنائعنا سود وقائعنا

خضر مرابعنا حمر مواضينا

وله ايضا قصيدة كلها منقوطة ، اي كل كلماتها منقطة ، وكذا له ‏قطعة شعرية‏اخرى فيها كلمة منقطة وكلمة غير منقطة ، كما له قصيدة كل كلمة من كلماتها مصغرة:

نقيط من مسيك في وريد

خويلك او وسيم في خديد

ومن شعره يخاطب امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام يقول فيها:

جمعت في صفاتك الاضداد

فلذا عزت لك الانداد

زاهد حاكم حليم شجاع

فاتك ناسك فقير جواد

شيم ما جمعن في بشر قط

ولا حاز مثلهن العباد

خلق يخجل النسيم من اللطف

وباس يذوب منه الجماد

ظهرت منك للورى مكرمات

فاقرت بفضلك الحساد

ان يكذب هذا عداك فقد كذب

من قبل قوم لوط وعاد

جل معناك ان يحيط به الشعر

ويحصى صفاته النقاد


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



عبدالعزيز بن سرايا بن أبي القاسم السنبسي الطائي و الملقب بصفي الدين الحلي (1277 - 1349 م ) شاعر عربي نظم بالعامية والفصحى، ينسب إلى مدينة الحلة العراقية التي ولد فيها. عاش في الفترة التي تلت مباشرة دخول المغول لبغداد وتدميرهم الخلافة العباسية مما أثر على شعره ، نظم بيتا لكل بحر سميت مفاتيح البحور ليسهل حفظها.له العديد من دواوين الشعر المعروفة ومن أشعاره الشهيرة التي لا تزال تتداول حتى أيامنا هذه :




سـلي الـرماح الـعوالي عن معالينا واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا

بيــض صنائـعـنــا سود وقـائعـنا خضر مرابعنا حمر مواضينا

لا يمتطي المجد من لم يركـــــب الخطرا ولا ينال العلا من قدم الحــذرا


عاش صفي الدين الحلي في الحلة و الموصل و القاهرة و ماردين و بغداد التي توفي فيها.

كان أول من نظم البديعيات . له ديوان ( درر النحور ) في مدح الملك منصور الأرتقي ملك ماردين، و الذي يحتوي على 29 قصيدة كل منها يتكون من 29 بيتا تبدأ أبيات كل قصيدة منها و تنتهي بأحد أحرف اللغة العربية.

وقد كان ينظم الحلّي في فنون الشعر باللهجة المحكية في زمانه، كالزجل والموشح والقومة، كما كان أول من صنف كتاباً مختصاً بالشعر العربي العامي، و هو كتاب العاطل الحالي، أورد فيه نماذج من ذلك الشعر في زمنه ضمت أشعراً نظمها بنفسه.


أعماله

- درر النحور و التي تعرف أيضا بالأرتقيات .
- العاطل الحالي
- الأغلاطي
- صفوة الشعراء وخلاصة البلغاء
- الخدمة الجليلة



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سادس و ثلاثون : الامام جلال الدين الرومى


سيرة مولاي جلال الدين الرومي...الولي الشاعر


من بين فحول شعراء الصوفية في الإسلام برز اسم الشاعر الفارسي الكبير "جلال الدين الرومي" كواحد من أعلام التصوف، وأحد أعلام الشعر الصوفي في الأدب الفارسي.

ميلاده ونشأته

وُلد "جلال الدين محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن قاسم بن مسيب بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" بفارس في (6 من ربيع الأول 604هـ = 30 من سبتمبر 1207م) لأسرة قيل: إن نسبها ينتهي إلى "أبي بكر"، وتحظى بمصاهرة البيت الحاكم في "خوارزم"، وأمه كانت ابنة "خوارزم شاه علاء الدين محمد".

وما كاد يبلغ الثالثة من عمره حتى انتقل مع أبيه إلى "بغداد" سنة على إثر خلاف بين أبيه والوالي "محمد قطب الدين خوارزم شاه". وفي بغداد نزل أبوه في المدرسة المستنصرية، ولكنه لم يستقر بها طويلاً؛ إذ قام برحلة واسعة زار خلالها "دمشق" و"مكة" و"ملسطية" و"أرزبخان" و" لارند"، ثم استقر آخر الأمر في "قونية" في عام حيث وجد الحماية والرعاية في كنف الأمير السلجوقي "علاء الدين قبقباذ"، واختير للتدريس في أربع مدارس بـ"قونية" حتى توفي سنة ، فخلفه ابنه "جلال الدين" في التدريس بتلك المدارس.

جلال الدين في عالم التصوف

وقد عُرف "جلال الدين" بالبراعة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية، إلا أنه لم يستمر كثيرًا في التدريس؛ فقد كان للقائه بالصوفي المعروف "شمس الدين تبريزي" أعظم الأثر في حياته العقلية والأدبية؛ فمنذ أن التقى به حينما وفد على "قونية" في إحدى جولاته، تعلق به "جلال الدين"، وأصبح له سلطان عظيم عليه ومكانة خاصة لديه.

وانصرف "جلال الدين" بعد هذا اللقاء عن التدريس، وانقطع للتصوف ونظْمِ الأشعار وإنشادها، وأنشأ طريقة صوفية عُرفت باسم "المولوية" نسبة إلى "مولانا جلال الدين".

اهتم "جلال الدين الرومي" بالرياضة وسماع الموسيقى، وجعل للموسيقى مكانة خاصة في محافل تلك الطريقة، مخالفًا في ذلك ما جرى عليه الإسلام، وما درجت عليه الطرق الصوفية ومدارس التصوف.

.. شاعرًا

اتسم شعر "جلال الدين الرومي" بالنزعة الصوفية الخالصة؛ فقد كان شعره أدبًا صوفيًّا كاملا، له كل المقومات الأدبية، وليس مجرد تدفق شعوري قوي، أو فوران عاطفي جياش يعبر به عن نفسه في بضعة أبيات كغيره من الشعراء، وإنما كان شعره يتميز بتنوع الأخيلة وأصالتها، ويتجلى فيه عمق الشعور ورصانة الأفكار، مع سعة العلم وجلال التصوير وروعة البيان.

ويُعد "جلال الدين" شاعرًا من الطبقة الأولى؛ فهو قوي البيان، فياض الخيال، بارع التصوير، يوضح المعنى الواحد في صور مختلفة، له قدرة على توليد المعاني واسترسال الأفكار، ويتسم بالبراعة في انتقاء الألفاظ واختيار بحور الشعر، وتسخير اللغة والتحكم في الألفاظ.

وتصل قمة الشاعرية عند "جلال الدين الرومي" في رائعته الخالدة "المثنوي"، وقد نظمها لتكون بيانًا وشرحًا لمعاني القرآن الكريم، ومقاصد الشريعة المطهرة؛ ليكون ذلك هدفًا إلى تربية الشخصية الإسلامية وبنائها، وزادًا له في صراعه مع قوى الشر والجبروت، وعونًا له على مقاومة شهوات النفس والتحكم في أهوائها، وتكشف "المثنوي" عن ثقافة "جلال الدين الرومي" الواسعة، والتعبير عن أفكاره بروح إنسانية سامية، تتضاءل إلى جوارها بعض الأعمال التي توصف بأنها من روائع الأعمال الأدبية.

وقد استخدم "جلال الدين" في "المثنوي" فن الحكاية بإتقان بارع، وهي في حركتها وتطورها وحوارات أشخاصها لا تقل روعة عن بعض القصص المعاصر، وتتميز الشخوص بأنها ثرية متنوعة في تساميها وعجزها ونفاقها وريائها، وحيرتها بين الأرض وما يربطها بها، وبين السماء وما يشدها إليها، كل ذلك في تدفق وانسياب غامر، وعرض شائق، وأسلوب جذاب أخَّاذ ولغة متميزة.

أهم آثاره


مثنوي

ترك جلال الدين الرومي عددًا من المصنفات الشهيرة منها:

المثنوي: وقد نظمه في ستة مجلدات ضخمة تشتمل على (25649) بيتًا من الشعر، وقد تُرجم إلى العربية، وطُبع عدة مرات، كما تُرجم إلى التركية وكثير من اللغات الغربية، وعليه شروح كثيرة، وهو كتاب ذو مكانة خاصة عند الصوفية.

ديوان "شمس تبريز":، ويشتمل على غزليات صوفية، وقد نظمه نظمًا التزم فيه ببحور العروض، وهو يحوي (36023) بيتًا بالإضافة إلى (1760) رباعية، ويشتمل أيضا على أشعار رومية وتركية، وهو ما يدل على أنه كان متعدد الثقافة، وأنه كان على صلة بعناصر غير إسلامية من سكان "قونية".

"فيه ما فيه":، وهو عبارة عن حشد لمجموعة ذكرياته على مجالس إخوانه في الطريقة، كما يشتمل على قصص ومواعظ وأمثال وطرائف وأخبار، وهو يخاطب عامة المثقفين على عكس كتابه الأول الذي يخاطب خاصة الصوفية.

"المجالس السبعة":، وهو يشتمل على سبع مواعظ دينية وخطب ألقاها أثناء اشتغاله بالتدريس.

وذلك بالإضافة إلى مجموعة رسائله، وفيها تلك الرسائل التي وجهها إلى شيخه "شمس الدين تبريزي"، وهي تصور تلك العلاقة الروحية السامية التي ربطت بين الشيخ "شمس الدين" وبين مريده "جلال الدين"، تلك الرابطة الوثيقة من الحب المتسامي الرفيع.

توفي "جلال الدين الرومي" في (5 من جمادى الآخرة 672 هـ = 17 من ديسمبر 1273م) عن عمر بلغ نحو سبعين عامًا، ودُفن في ضريحه المعروف في "قونية" في تلك التكية التي أنشأها لتكون بيتًا للصوفية، والتي تُعد من أجلِّ العمائر الإسلامية وأكثرها روعة وبهاء بنقوشها البديعة وزخارفها المتقنة، وثرياتها الثمينة، وطُرُزها الأنيقة.

وقد ظهر على الضريح بيت من الشعر يخاطب به "جلال الدين" زواره قائلا:

"بعد أزوفات تربت مادر زميني مجوى

درسينهاي مردم عارف مزارماست"

ومعناه:

يا من تبحث عن مرقدنا بعد شدِّ الرحال

قبرنا يا هذا في صدور العارفين من الرجال
ahmed1981
2008/03/21
جلال الدين الرومي... بالعربية!

عبده وازن

كانت السنة 2007 سنة الشاعر الفارسي الكبير جلال الدين الرومي. عواصم ومدن عديدة في العالم لبَّت دعوة منظمة اليونسكو للاحتفاء به، شاعرًا وعالِمًا ورمزًا كونيًّا، في ذكرى مرور ثمانمائة عام على ولادته في بلخ من أعمال خراسان. وكانت هذه الذكرى حافزًا على ترجمة أعماله إلى لغات شتى وعلى إعادة اكتشافه وتدوين سيرته وكتابة أبحاث عنه . وقد رافقت الصحافةُ العالميةُ معظمَ الاحتفالات التي أحيتْها مؤسَّساتٌ عالمية هنا وهناك وهنالك.



العالمُ العربي لم يَبْدُ معنيًّا كثيرًا بهذه الذكرى! لم تسعَ أيةُ عاصمة عربية خلال هذه السنة إلى الاحتفاء لهذا الشاعر الكبير الذي قال عنه المستشرقُ آرثر جون آربِري، أحدُ مترجميه إلى الإنكليزية: « واحد من أعظم شعراء العالم، عُمْقَ فكرٍ، وابتكارَ صورٍ، وتمكنًا راسخًا من اللغة». فالقاهرة، التي كانت أولى العواصم التي عرَّبتْه، لم تكرِّمه، ولا بيروت، ولا دمشق التي قَصَدَها مرارًا، ولا بغداد التي مرَّ بها مع عائلته .
كان منتظَرًا أن تعمد القاهرة إلى تكريمه، هي المشغوفة به منذ الستينيات، عندما أقدم الشاعر والأكاديمي المصري محمد عبد السلام كفافي على تعريب كتابين من المثنوي، العمل الشعري الضخم ذي الأجزاء الستة، وظل هذان الكتابان المرجع اليتيم لقراءة المثنوي عربيًّا. وقد صدر الجزء الأول في العام 1966 عن «المكتبة العصرية» في لبنان، وهي الدار التي كانت تُعنى آنذاك بما يصدر عن مجلة شعر. كانت ترجمة كفافي، ولا تزال، ممتعة جدًّا، متينة وبهية في لغتها الصافية التي تنساب انسيابًا، وبدت أمينةً على اللغة الأصل، تقترب من البلاغة لتكسرها وتتحرَّر منها.

ولكن بدءًا من العام 1996، باشر الكاتب المصري إبراهيم الدسوقي شتا إصدار ترجمته الكاملة للأجزاء الستة من المثنوي؛ وقد تبنَّاها «المشروع القومي للترجمة» في القاهرة في عهدة الناقد جابر عصفور . وبدت هذه الترجمة حدثًا كبيرًا، وإنْ شابتْه بضعُ هنات في اللغة والسبك أو الصوغ. وتكفي العودة إلى ترجمة محمد كفافي السبَّاقة لإدراك الاختلاف بين ترجمة المعلِّم وتلميذه. فالراحل كفافي كان أستاذ شتا، الذي رحل أيضًا بعد صدور ترجمته لـالمثنوي؛ وقد شاء شتا أن يواصل مهمة أستاذه أو «رسالته»، معيدًا تعريب المثنوي كاملاً.



لا بدَّ من الاعتراف بأن قراءة ترجمة شتا تحول دون التمتع بها «وعورةُ» لغتها تارةً وركاكةُ هذه اللغة طورًا، وكذلك التسرعُ في بناء الجمل واختيار المفردات وصوغ الأبيات المزدوجة التي تنمُّ بها تقنيةُ المثنوي الشعرية. ترجمة «نثرية» جدًّا، وربما حَرْفية، كانت تحتاج إلى قلم شاعر متمكِّن من العربية يعمل مع المترجم ويعاونه على السبك والصوغ والصهر.

إلا أن هذه المآخذ لا تنفي الجهد الجبار الذي بذله شتا، وقد أفنى حياته في سبيل هذه الترجمة، التي ألحقها بترجمة كاملة لديوان الرومي الشهير أيضًا شمس تبريز الذي يضم غزلياتٍ صوفيةً بديعة. ويذكِّر جهد شتا بالجهد الذي بذله المستشرق البريطاني رينولد نيكلسون الذي صرف خمسة وعشرين عامًا في ترجمة المثنوي كاملاً إلى الإنكليزية وباشر نشرَه في العام 1925، فغدت ترجمتُه من أروع الترجمات التي حَظِيَ بها المثنوي، علاوةً على التفاسير والحواشي المهمة التي وضعها له. والنص الفارسي الأصلُ الذي اعتمده نيكلسون اعتمده محمد كفافي بدوره، نظرًا لاكتماله وصوابيَّته.

"سلطان العاشقين"، مولانا جلال الدين الرومي (1207-1273)

أجل، كانت القاهرة مدعوَّة إلى الاحتفاء لهذا الشاعر «الأوقيانوس» الذي لا تحدُّه تخوم؛ فهي العاصمة العربية شبه الوحيدة القمينة بمثل هذه المهمة. لكنه، ربما، الاضطراب الثقافي والسياسي الذي يسودها حالَ دون قيامها بذاك الاحتفاء. لكن جريدة أخبار الأدب لم تَدَعِ المناسبةَ تفوتها، فأفردت ملفًّا شبه شامل عن صاحب المثنوي، تناولت فيه جوانب من سيرته وشعره وتجربته الفريدة.

أما البادرة العربية الوحيدة اللافتة، فهي انطلاق خمسة كتَّاب عرب برحلة إلى قونية، مدينة الرومي التي تحتضن ضريحه، يسلكون عبرها طريقه ويكتبون من بعدُ انطباعاتِهم وملاحظاتِهم. وهذه البادرة ترعاها «مؤسسة السويدي» (أبو ظبي) ضمن اهتمامها بأدب الرحلة.

تتوالى الترجماتُ الأجنبية لأعمال جلال الدين الرومي. بعضُها ينطلق من الترجمات القديمة والسابقة، مجدِّدًا إياها، وبعضُها الآخر يواجه النصَّ الأصل ويقترح صيغته الجديدة. ومديح بعض الترجمات الأجنبية، مثل ترجمة نيكلسون أو آربِري إلى الإنكليزية أو ترجمة إيڤا دو ڤيتراي مئيروڤتش إلى الفرنسية وسواها، لا ينتقص من الترجمات العربية؛ لكن قارئ هذه الترجمات الأجنبية يشعر بمتعة في قراءتها وفي متابعة الحواشي والتفاسير التي تحف بها.

وما يجب عدم تجاهُله الترجماتُ العربية الأخرى التي أنجزها، مثلاً، الكاتب السوري عيسى علي العاكوب الذي عرَّب مختاراتٍ من ديوان شمس تبريز وكتاب فيه ما فيه كاملاً؛ وقد بدت ترجمتُه لغزليات شمس تبريز جميلةً ومتينةً وشعريةً جدًّا . وجرى الكلام أيضًا على ترجمة مختارات من رباعيات الرومي، أنجزها الكاتب العراقي عمار كاظم محمد، ولكن لم يُعرَف عن أية دار صدرت. وقد تكون هناك ترجمات أخرى لم تَرُجْ، فظلت طيَّ النسيان، خصوصًا أن حركة النشر العربي تفتقر إلى الإحصاء والفهرسة – وهذا مأخذ كبير عليها.

مضت السنة 2007، سنة جلال الدين الرومي، من غير أن يحتفي له العالمُ العربي الغارقُ في أزماته! ترى هل يمكن لمعرض القاهرة للكتاب أن يلتفت إليه، ولو متأخرًا؟ هل يمكن لدمشق، «عاصمة الثقافة العربية» للسنة 2008، أن تُفرِدَ له حيزًا من برنامجها الاحتفالي؟



عن الحياة، 31/12/2007

ببليوغرافيا جلال الدين الرومي بالعربية (مختصرة)

- إبراهيم، محمد عيد، رباعيات جلال الدين الرومي، دار الأحمدي، 1998.

- أخبار جلال الدين الرومي، بترجمة أبو الفضل محمد بن عبد الله القونوي، ناشر خاص، 2000.

- الاشتهاردي، محمد حمدي، قصص المثنوي، دار المحجة البيضاء، 1998.

- الأفغاني، عناية الله إبلاغ، جلال الدين الرومي بين الصوفية وعلماء الكلام، بتقديم يحيى الخشاب، الدار المصرية اللبنانية، 1987.

- الأفلاكي العارفي، شمس الدين أحمد، المنتخب من مناقب العارفين في أخبار جلال الدين الرومي، ناشر خاص، 2004.

- الرومي، جلال الدين، ديوان شمس تبريز، مكتبة الشروق الدولية، 2005.

- الرومي، جلال الدين، الرباعيات، بترجمة وتقديم عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق، 2004.

- الرومي، جلال الدين، كتاب فيه ما فيه، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق/دار الفكر المعاصر، بيروت، 2002.

- الرومي، جلال الدين، المثنوي، بترجمة السيد محمد جمال الهاشمي، دار الحق، 1995.

- الرومي، جلال الدين، المثنوي، بترجمة وشرح وتقديم إبراهيم الدسوقي شتا، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، ستة مجلدات، 1996-1997.

- الرومي، جلال الدين، المثنوي، بترجمة وشرح تقديم إبراهيم الدسوقي شتا، دار ومكتبة بيبليون، باريس، مجلد واحد، 2004.

- الرومي، جلال الدين، المجالس السبعة: آفاق جديدة ورائعة في الرمزية الإسلامية، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق، 2004.

- الرومي، جلال الدين، يد العشق: مختارات من ديوان شمس تبريز، بترجمة وتقديم عيسى علي العاكوب، منشورات المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، دمشق، 2002.

- الرومي، جلال الدين، سعدي الشيرازي، حافظ الشيرازي، روائع من الشعر الفارسي، بترجمة محمد الفراتي، منشورات وزارة الثقافة، 2002.

- سقا أميني، ماهر، بصائر من وحي كلمات مولانا جلال الدين الرومي، دار النفائس، طب 2: 2007.

- شيمِّل، أنيماري، الشمس المنتصرة: دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، 2003.

- غالب، مصطفى، جلال الدين الرومي، مؤسسة عز الدين، بلا تاريخ.

- فروزانڤر، بديع الزمان، من بلخ إلى قونية: سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2006.

- دو ڤيتراي مئيروڤتش، إيڤا، جلال الدين الرومي والتصوف، بترجمة عيسى علي العاكوب، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، 2000.

- الهاشمي، السيد جمال، رسالة الإلهام بين مدرسة جلال الدين الرومي وعلم النفس الحديث، دار الهادي، بيروت، 2005.




--------------------------------------------------------------------------------

راجع: بديع الزمان فروزانڤر، من بلخ إلى قونية: سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2006. (المحرِّر)

راجع: أنيماري شيمِّل، الشمس المنتصرة: دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، 2003. (المحرِّر)

لا يسعنا هنا إلا أن نحيِّي الجهد المرموق الذي بذلَه ويبذله المفكر واللغوي السوري د. عيسى علي العاكوب، أستاذ البلاغة والنقد في قسم اللغة العربية ورئيس قسم اللغة العربية في جامعة قطر، في ترجمة كتب جلال الدين الرومي عن الفارسية مباشرةً ومؤلَّفات أخرى من خيرة ما كُتِبَ فيه عن الفارسية والإنكليزية (انظر الببليوغرافيا). (المحرِّر)

مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، 6 مجلدات، بترجمة وشرح وتقديم إبراهيم الدسوقي شتا، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 1996-1997؛ هذا ويبدو أن هناك طبعةً مختصرةً للكتاب في مجلد واحد صدرت في العام 2004، أي بعد وفاة المترجم (انظر الببليوغرافيا). (المحرِّر)

يد العشق: مختارات من ديوان شمس تبريز لجلال الدين الرومي، بترجمة وتقديم عيسى علي العاكوب، منشورات المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق، 2002.

كتاب فيه ما فيه لمولانا جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق/دار الفكر المعاصر، بيروت، 2002.

ترجم د. عيسى علي العاكوب أيضًا الرباعيات والمجالس السبعة؛ والكتابان صدرا في دمشق في العام 2004 (انظر الببليوغرافيا). (المحرِّر)



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

800 عام على ميلاد جلال الدين الرومى

حسن عبد الموجود



لقبه كان خداوند كاري
ومعناه شيخنا
أو مولانا

اللقب حصل عليه صغيرا جدا. والده هو من أطلقه عليه، لأنه شعر بصلاحه المبكر وتقواه. وهذا اللقب يتبع عادة ب 'الرومي' نسبة إلي الأناضول، لأنه في تلك المنطقة أمضي جلٌ حياته، ومنها ذاع صيته إلي العالم الذي عرفه أيضا بهذا الاسم المميز، 'الرومي'.

في كتابه 'جلال الدين الرومي والتصوف' يذهب الباحث إيفادي فيتراي ميروفتش إلي أن والده كان أستاذا صوفيا وعالم دين، وواعظا بليغا التف حوله عدد كبير من المريدين، وذاع صيته باسم بهاء الدين ولد، ولقب ب 'سلطان العلماء' وكان ولد سنة 1148م وتوفي 1231 في مدينة قونية وخشية الغزو المغولي غادر بلخ سريعا مع عائلته 1219 وبعد سنة من مغادرة الأسرة أتي الغزو علي بلد الرومي تماما. توجه بهاء الدين بأسرته أولا إلي مكة لأداء فريضة الحج، وفي نيسابور التقوا بالشاعر الصوفي الكبير فريد الدين العطار.

وبحسه الكبير وخبرته في الحياة توقع العطار للصغير أن يكون صاحب منزلة رفيعة في قلوب عشاق الصوفية وقدم له كتابه 'أسرار نامه'، وهذا الموقف جعل الرومي مدينا طوال القوت للعطار وكثيرا ما كان يردد: 'لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع بينما لا أزال أنا في الزاوية من ممر ضيق'!
ويروي الأفلاكي أنه بعد الترحال من بيت إلي بيت وصل بهاء الدين بصحبة أسرته إلي (لارندة) التابعة لقونية، وبعد أن أصبح جلال الدين الرومي شابا تزوج من ابنة خوجة شريف الدين لا لا السمرقندي. كان رجلا محترما وابنته فائقة الجمال وغاية في الثقافة والكمال تدعي (جوهر خاتون).

اشتغل بهاء الدين ولد عموما في وظيفته الخاصة بالوعظ والتعليم في قونية وعندما توفي خلفه جلال الدين (24 عاما)، وبعد عام جاء مريد قديم لوالده، وهو برهان الدين محقق الترمذي ليري شيخه القديم، وفوجيء برحيل شيخه فلازم جلال الدين وصار أستاذ الرومي علي مدي 9 سنوات، حيث أوفده إلي حلب للدراسة فقد كانت مركزا ثقافيا مزدهرا، بعدها أقام مولانا عددا من السنوات في دمشق، وهناك قابل واحدا من أعظم الصوفية والمفكرين. الشيخ محيي الدين بن عربي الذي كان يمضي السنوات الأخيرة من حياته. كان الرومي قد لقيه قبل ذلك عندما وصل إلي دمشق طفلا صغيرا بصحبة أبيه، ويقال إن ابن عربي عندما رآه يمشي خلف بهاء الدين صرخ: 'سبحان الله، محيط يمشي خلف بحيرة'!

وبعد غياب دام سبع سنوات عاد الرومي إلي قونية واستقر في مدرسته، ومن سنة 1240 إلي 1244 تولي تعليم الشريعة ومباديء الدين في هذه المدرسة كما تولي التوجيه الروحي.

كانت حياته تشي بأنها ستسير هكذا إلي أن وجد نفسه في موقف غيٌر حياته وجعله صوفيا محترقا بالمحبة الإلهية: 'كنت نيئا، ثم أنضجت والآن أنا محترق' فما الذي حدث؟

بصحبة شمس تبريزي

عندما وصل شمس تبريزي إلي قونية كان مولانا يجلس بالقرب من نافورة وقد وضع كتبه بجانبه. أشار إليها شمس وسأل: ما هذه؟
وأجاب مولانا: هذه كلمات. لماذا أنت مهتم بها؟!

وسحب شمس الكتب في حركة مفاجئة وألقي بها في مياه النافورة. وسأله مولانا ربما بجذع : 'ماذا فعلت؟ في بعض من هذه الكتب كان ثمة مخطوطات مهمة ورثتها عن والدي ولايمكن أن توجد في موضع آخر'..
وللمرة الثانية يفاجيء شمس.. مولانا، حيث مد يده إلي الماء وأخرج الكتب واحدا واحدا دون أن يصاب أحدها بالبلل.

وكان طبيعيا أن يسأل مولانا: 'ما هذا السر؟'.

وأجاب شمس: ذلك يدعي الشوق إلي الله.

وكما يقول إيفادي: شمس سأل مولانا: ما الغاية من المجاهدات والمكابدات الروحية وما الغاية من تكرار الصلاة ومن العلم؟

أجاب مولانا: 'لفهم التقليد ورسوم الدين'.

قال شمس: 'هذا كله شيء خارجي'؟

وسأل مولانا: 'فما الذي بعد ذلك؟'.

أجاب شمس: العلم أن تنتقل من المجهول إلي المعلوم، وألقي هذه الأبيات من شعر سنائي:

'اذا لم يحرر العلم النفس من النفس
فإن الجهل خير من علم كهذا'

هنا وقع مولانا علي قدمي شمس وتخلي عن تعليمه

يشير المؤلف إلي أن عمل الرومي كله وحياته كلها صارا صدي للانبهار بذلك اللقاء'.

وبعد أن أمضيا معا 16 شهرا قرر شمس الذهاب إلي دمشق لأنه كان دائما عرضة لهجمات مريدي الرومي الذين كانوا شديدي الغيرة من تأثيره في عقل شيخهم.

وقد أرسل جلال الدين الحزين ابنه سلطان ولد إلي شمس يتوسل إليه ليعود إلي قونية، ووافق شمس لكن المضايقات بدأت من جديد، واختفي شمس لتنتشر الشائعات وأكثرها قسوة أنه قتل وكان من بين القتلة أحد أبناء الرومي. علاء الدين بالتحديد.

وسافر الرومي إلي دمشق مرتين علي أمل أن يلقي 'شمس' ولكن لم يحدث. وقد نظم في ذكري شيخه مجموعة من الأناشيد تحمل اسمه: 'ديوان شمس تبريزي' (أيها السيد تعال، أيها السيد تعالي، أيها السيد عد).
مرحلة صلاح الدين فريدون

فقد مولانا كل أمل في ظهور شمس فاختار صلاح الدين فريدون زركوب صديقا وجعله شيخا لمريديه. صلاح الدين كان أيضا مريدا لبرهان الدين محقق الترمذي وكان يسكن في مدينة قونية، وفي أحد الأيام جاء إلي المدينة بينما مولانا يخطب في المسجد. تقدم ووقع علي قدمي الرومي، متلازمين حتي وفاة صلاح الدين 657 ه. وقد تزوج سلطان ولد، ابن الرومي من فاطمة خاتون ابنته.

خلال صداقة مولانا بصلاح الدين تجددت نار الغيرة في قلوب المريدين، وعاملوا صلاح الدين بشكل سييء، والرجل لم يكن سوي عامل طلاء بسيط. كانوا يحدثون أنفسهم: 'أنقذنا من الأول (يقصدون شمسا) وكل ما يقال أننا وقعنا في فخ، هذا الرجل أسوأ من صاحبه الأول، لايتمتع بمهارة الكتابة وليس عنده علم أو فصاحة، جاهل من الجهلة'.

مولانا أشار إلي عداوة مريديه لصلاح الدين في 'فيه ما فيه' كما تحدث عنه في 'ديوان شمس تبريز'. واختار مولانا حسام الدين جلبي الاستاذ التالي لمريديه، وأضفي عليه قدرا عظيما من التبجيل، وربما بسببه نظم 'المثنوي'، فقد اقترح حسام الدين أن يؤلف الرومي رسالة شعرية تتضمن آراءه وتعاليمه. وقال له الرومي انه فكر في هذا الموضوع من قبل وانه سيبدأ فعلا في هذا..

هكذا انتهي مولانا من نظم كتابه الرائع، المثنوي، هو يرتجل وحسام الدين يكتب الأبيات وينشدها، والكتابة أحيانا كانت تستغرق الليل كله وهذا يوضح إلي حد كبير الجهد الذي بذله الاثنان للانتهاء من هذا العمل. غير أن العمل توقف لمدة عامين لوفاة زوج حسام الدين، ثم استأنف الرومي نظمه حتي رحل إلي ربه.

منابعه الأولي

يذكر الدكتور عناية الله الأفغاني في كتابه 'جلال الدين الرومي بين الصوفية وعلماء الكلام' أن التربية في بلخ مسقط مولانا لم يكن لها شكل معين، بل كان الآباء ومن يحذون حذوهم يقومون بتكوين الصغار، وكانت أسرة والده بهاء الدين معروفة بالأدب وحسن الخلق، وأخذ مولانا علوم عصره من والده. كان يحضر محاضراته ومجالسه الصوفية ويدخل في مناقشات خاصة بقضايا أكبر من سنه، وبعد وفاة الوالد لم يكتف جلال الدين وبدأ في البحث عن منابع أخري للعلم، وأخذ يرتب مؤلفات الوالد: 'لا أزال بحاجة إلي الاستفادة مما تركه والدي'..

والسؤال لماذا سيطرت الصوفية علي عقل الرومي؟

يقول عناية الله: كانت هجرة أسرة جلال الدين البلخي من بلخ إلي تركيا هجرة من أرض الفكر والتصوف إلي أرض الفكر والتصوف يتوسطهما الاقامة المؤقتة ببعض البلدان العربية المعروفة بتربية الصوفية.
يقول مولانا في كتابه 'فيه ما فيه': 'لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك وينشر برك، تعلمه شيئا من أمر دينك أو تتعلم منه في الدين' وهذا يدل علي أنه كان متأثرا بالبيئة التصوفية وبأقوال الصوفية.

حكايات مولانا

تبدو حكايات مولانا أقرب إلي الأساطير، ولكنها ذلك النوع من الأساطير النورانية التي تناسب شخصيته.

في يوم من الأيام شكل أصدقاؤه حلقة علي ضفاف بركة. يقول الأفلاكي: 'كان شيخنا المحاط ببحر من الأنوار يحكي لنا حقائق عالم الظاهر، وبالمصادفة أخذت كل الضفادع في البركة في النقيق معا، صرخ بها أستاذنا بصوت مخيف: (ما هذا الضجيج؟ أمن حقك أن تتكلمي أم من حقنا؟) توقفت كلها حالا، لفها الصمت، وكل الحيوانات كانت صامتة، وعندما انتبه الشيخ مضي إلي البركة وعمل إشارة تعني (من الآن فصاعدا يسمح لك بالتحدث)، ومباشرة استأنفت الضفادع جميعا نقيقها.

كما كان مرة يخطب حول مباديء التصوف في أهل قونية الذين اجتمعوا في السوق، وفي وقت صلاة العشاء شكلت الكلاب حلقة حوله، كان يسترق النظر إليها باستمرار ثم يواصل شروحه، كانت الكلاب تهز أذنابها ببهجة. قال الشيخ: 'أقسم بالله العظيم ان هذه الكلاب تدرك معرفتنا الروحية' ثم قال: 'هذا الباب وهذا الجدار يحكيان أشياء دقيقة، النار والماء والتراب كلها تحكي حكاياتها'

وفي أحد الأيام كان صديق له يدق مسمارا في جدار واحدة من حجرات المدرسة فقال له الرومي: 'هذه الحجرة كانت حجرة شيخنا شمس الدين، ألا تخاف من دق مسمار فيها؟ لاينبغي لأحد أن يفعل هذا، أحس كأن أحدا يدق المسمار في قلبي'..
يقول إيفادي:

ولم يفرق مولانا ولامريدوه بين الأديان، وأي شخص في مقدوره أن يغدو جزءا من بطانته. وبعد وفاة زوجه الأولي، التي تركت له طفلين صغيرين، تزوج مولانا من امرأة نصرانية، هي خيرة خاتون من قونية، وقد اعتنقت الاسلام. كان محبوبا من أبناء الجالية المسيحية، ومن أبناء الأديان الأخري. وقد امتد تسامحه أيضا إلي غير المؤمنين. وكان يقول: 'الناس جميعا مصنوعون من أجزاء شخص واحد، وهو ما يمثله حديث النبي غ 'اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون' قومي، أي، أجزائي المكونة للكل، لأنه ان لم يكن غير المؤمنين جزءا منه، فإن 'قومي' لن يكونوا الكل'.

آثر أن يستشهد بقول السنائي: 'الإلحاد والإيمان يسيران معا علي طريق الرب. ويشدد علي وحدة الهدف الذي يسعي البشر جميعا لتحقيقه. 'هناك طرق كثيرة للبحث لكن غاية البحث واحدة دائما. ألا تري أن الطرق إلي مكة مختلفة كثيرا، واحد يأتي من بيزنطة، الآخر من الشام، أخري في البر أو البحر؟ الطرق مختلفة، والهدف واحد... وعندما يصل الناس إلي هناك تحل كل الخلافات أو النزاعات أو التباينات التي حدثت في الطريق. وأولئك الذين كان بعضهم يقول لبعض في الطريق: 'أنت مخطيء'، أو 'كافر' ينسون خلافاتهم عندما يصلون لأن:

القلوب هناك تكون في انسجام'.

أمضي مولانا جلال الدين بقية حياته في قونية، يؤلف عملا ضخما وينشر تعليمه الروحي بين نظرائه وأصدقائه وتلاميذه. ويلتقي الأخيرون ضمن الطريقة الصوفية التي أوجدها والتي ظلت دائما موسومة بسماته الشخصية: الإنسانية، والأخوة، والتواضع، والسماحة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ahmed1981
2008/03/21
كتاب جلال الدين الرومي و التصوف
أحمد الحسين - باحث من سورية.‏

مقدمة:‏

صدر هذا الكتاب القيم للمستشرقة الفرنسية المعاصرة ايفا دي فيتراي –ميروفيتش بترجمته العربية سنة 2000 عن مؤسسة الطباعة والنشر في وزارة الثقافة الإيرانية، وكان قد تُرجم إلى الانكليزية سنة 1987 ثم قام بترجمته من الانكليزية إلى العربية الدكتور عيسى علي العاكوب.‏

يقع الكتاب في 232 صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مقدمة للمترجم ومدخل للمؤلفة وأربعة مباحث أساسية هي:‏

-الشيخ وحياته وطريقته وآثاره.‏

-الطريق الروحي أو التصوف عند جلال الدين الرومي.

-التعليم الصوفي.‏

-حضور التصوف؛ بالإضافة إلى ثبت بالمراجع وبعض الصور والرسوم الإيضاحية.‏

أولاً –الشيخ: حياته، طريقته، آثاره.‏

في عصر كان يمور بالاضطرابات والصراعات الداخلية والخارجية ولد جلال الدين الرومي، وكانت ولادته سنة 1207 م في مدينة بلخ، التي نسب إليها كبار العلماء والفلاسفة والفقهاء، كالفردوسي وابن سينا، والغزالي، وقد غادرها أبوه بهاء الدين وَلَد، الملقب بـ "سلطان العلماء"، وهو صوفي وعالم دين سنة 1219م، هرباً من الغزو المغولي القادم من الشرق، والذي دمّر المدينة بعد عام وأتى عليها.‏

توجه بهاء الدين إلى مكة لأداء فريضة الحج، وفي نيسابور التقى الشاعر الصوفي المشهور فريد الدين العطار، الذي أهدى إلى جلال الدين الرومي كتابه "أسرار نامه".‏

لقد ظل الرومي معجباً بالشاعر الصوفي طوال عمره، وكان يردّد القول "لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع بينما لا أزال أنا في الزاوية من ممر ضيق".‏

بعد العودة من مكة استقرت عائلة الرومي في أَرْزَنْجان وهي مدينة في أرمينيا، احتلها علاء الدين كَيْقُباذ السلجوقي، ومنها دعا بهاء الدين ولَد، والد جلال الدين إلى قونية، ولما وصل إليها استقبلّه بالتبجيل والاحترام ورحب به، وبنى لـه مدرسة في وسط البلدة، وكان بهاء الدين رفض عرض كيقباذ بأن يقيم معه في قصره.‏

كان جلال الدين يدعى عادة "خداوندكار" ومعناه مولانا أو شيخنا، أطلق عليه ذلك والده بهاء الدين مذ كان صغيراً، وبذلك كان ابنه "سلطان ولد" يخاطبه، وبهذا الاسم عرف بتركيا، وفي أصقاع العالم الإسلامي كافة.‏

أما الرومي فهي نسبة إلى إقامته في الأناضول، فيقال مولانا: جلال الدين الرومي. ويروى أن جلال الدين تزوج من ابنة خوجه شريف الدين لالا السمرقندي سنة 623ه‍ (1226) فأنجب منها سلطان ولد، وعلاء الدين جلبي.‏

وبعد وفاة بهاء الدين ولد سنة 1231م في قونيه حل ابنه جلال الدين الرومي مكانه في منزلته العلمية والدينية، وهو آنذاك ابن أربع وعشرين سنة.‏

تتلمذ الرومي على يد برهان الدين محقِّق الترمذي، ثم توجه إلى حلب للدراسة ومنها انتقل إلى دمشق، وكان الشيخ محيي الدين بن عربي يمضي بها السنوات الأخيرة من حياته، ويروى أن ابن عربي رأى الرومي من قبل يمشي خلف والده بهاء الدين، فقال: "سبحان الله محيط يمشي خلف بحيرة".‏

عاد جلال الدين إلى قونيه، واستقر في مدرسته، وتولى تعليم الشريعة ومبادئ الدين والتوجيه الروحي، حتى عرض له حادث غيّر مجرى حياته، وجعله صوفياً محترقاً بالمحبة الإلهية، كما عبّر عن حاله بالقول: "كنت نيئاً، ثم أنضجتُ، والآن أنا محترق".‏

ترجع بداية ذلك عندما التقى جلال الدين الرومي بشمس تبريز، الدرويش الجوال، الذي وصل قونية سنة 1244م، وأقام في أحد خاناتها منقطعاً إلى نفسه، وذات يوم تعرّض شمس لموكب الرومي وتلامذته، وجرت بينهما محاورة قصيرة، أغمي فيها على "مولانا" جلال الدين، وعندما استعاد وعيه أخذ شمساً إلى المدرسة. وهنالك اعتزلا الناس في خلوة لمدة أربعين عاماً، صار بعدها "شمس" الأستاذ الروحي للرومي، والذي ظل يحتفظ لأستاذه طوال حياته بحب وعرفان للجميل لا حدود لهما. وبلغ من تأثير شمس أنه استحوذ على روح الرومي ومشاعره، ولم يعد يصبر عنه مما دفع مريديه إلى اغتياله سنة 1247م.‏

وبعد اختفاء شمس أنشأ الرومي الحفل الموسيقي الروحي، المعروف بالسماع، ثم نظم في ذكرى شيخه وأستاذه الروحي مجموعة من الأناشيد حملت اسمه "ديوان شمس تبريزي"، وهي مجموعة أناشيد وقصائد تمثل الحب والأسى، وإن كانت في جوهرها تنشد الحب الإلهي المقدس.‏

بعد ذلك اختار الرومي صديقاً وشيخاً لمريديه، هو "صلاح الدين فريدون زركوب" وكان هو الآخر مريداً لبرهان الدين محقق الترمذي، وكان صلاح الدين صانعاً بسيطاً، عمله الزخرفة والطلاء بالذهب "زَرْكُوب"، ولكنه كان "يمتلك العلم الحقيقي الذي هو العلم بأمور الله".‏

لقد أثار ذلك غيرة مريدي الرومي، الذين فكرّوا بالتخلّص من صلاح الدين، لكنه توفي سنة 1258م. بعدها اختار الرومي حسام الدين جلبي أستاذاً لمريديه، وأضفى عليه قدراً عظيماً من الاحترام والتبجيل، وقد اقترح حسام الدين أن يؤلف الرومي رسالة شعرية تتضمن آراءه وتعاليمه، فأجابه إلى ذلك، وبدأ بنظم المثنوي. وكان الرومي يرتجل وحسام الدين يكتب الأبيات وينشدها، وقد استمر ذلك إلى أن وافت المنية الرومي سنة 672ه‍ /1273م.‏

طريقة الدراويش الدّوارين "المولوية":‏

أسس جلال الدين الرومي في تركيا الطريقة المولوية، ونظّمها بعد وفاته ابنه الأكبر سلطان وَلَد. ومن سماتها وخصائصها التي عرفت بها "الرقص المعروف، أو السماع" الذي أعطى الأعضاء اسم الدراويش الدوارين.‏

كانت قونيه المقّر الأول للطريقة، ومنها انبثقت التكايا التي هي بمثابة فروع للمركز وصار السلاطين والأمراء هم الذين يبنون التكايا منذ القرن العاشر الهجري، وفي عهد السلطان سليم الثالث شهدت الطريقة أوج مجدها، وانتشارها.‏

لم تكن الطريقة في بداية حياة الرومي مركزية تماماً، فهنالك المقر في قونيه وله فروع من التكايا في المناطق الأخرى. وكانت بطانة الرومي تتألف من الفنانين والحرفيين والصناع المهرة، الذين كانوا يقومون بكل الأعمال.

لم تكن المولوية تميز بين الأديان والطوائف، بل ترفض التعصب وتنبذه. وكان أعضاؤها ينطلقون في جماعات إلى القرى، لمساعدة الفقراء، وإقامة حفلات السماع التي تعزي القلوب الحزينة.‏

وبدءاً من القرن العاشر الهجري، السادس عشر للميلاد، تغيرت الطريقة فأصبح التنظيم مركزياً، وتولت الأوقاف تنظيمه، والإشراف عليه وضبط الهبات والأعطيات لـه، مما أفقده طابعه الشعبي، وصار أرستقراطياً، يبتعد شيئاً فشيئاً عن روح مؤسسه جلال الدين الرومي.‏

ويبدو أن خوف السلاطين العثمانيين من مواقف بعض الفرق الصوفية جعلهم يدعمون المولوية في مواجهة الحركات والفرق الأخرى، ومن هنا أصبحت المولوية في القرن الثامن عشر جزءاً من مؤسسات الدولة العثمانية.‏

وفي سنة 1925م قمع أتاتورك كل الطرق في تركيا، فأصبحت تكية حلب مركزاً للتكايا الأخر بعد قونيه، ثم استولت الأوقاف التركية على ممتلكاتها، وتحولت أكثر التكايا إلى متاحف، ورغم ذلك فما زال هنالك مراكز مولوية في مصر، وقبرص وليبيا وغيرها.‏

تأثير الطريقة المولوية:‏

انتشر تأثير الطريقة المولوية في رقعة شاسعة من الأرض، تمتد ما بين أذربيجان إلى فينا ومع انتشار التكايا انتشر المثنوي، وأصبح له شعراؤه العظام، ومنهم:‏

إبراهيم بك، وسلطان ديواني، وأرزي وديدي، وشيخ غالب وسواهم. كما انتشرت الموسيقى المولوية، ورقص السماع، وأثرت التقاليد الفنية للطريقة في فني الرسم والخط.‏

ويعد السماع، أو الرقص الكوني للدراويش الدوارين، من أشهر فنون الطريقة المولوية. وهو طقس له رمزيته، فالثياب البيض التي يرتديها الراقصون ترمز إلى الأكفان، والمعاطف السود ترمز إلى القبر، وقلنسوة اللباد ترمز إلى شاهدة القبر، والبساط الأحمر يرمز إلى لون الشمس الغاربة، والدورات الثلاث حول باحة الرقص ترمز إلى المراحل الثلاث في التقرب إلى الله، وهي طريق العلم، والطريق إلى الرؤية والطريق المؤدي إلى الوصال. وسقوط المعاطف السود يعني الخلاص، والتطهر من الدنيا، وتذكر الطبول بالصور يوم القيامة. ودائرة الراقصين تقسم على نصفي دائرة، يمثل أحدهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة، ويمثل الآخر قوس الصعود، أي صعود الروح إلى بارئها. ويمثل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها، أما حركة الدراويش حول الباحة فتمثل القانون الكوني، ودوران الكواكب حول الشمس وحول مركزها.‏

وفاة الرومي وآثاره:‏

توفي جلال الدين الرومي سنة 1273م، تاركاً ديوان شعر ضخماً يضم نحواً من خمسة وأربعين ألف بيت، مقسم على ستة أجزاء، وقد جاء اسمه (المثنوي) من الوزن العروضي الخاص المستخدم في نظمه، ويتألف من أبيات مفردة مقسمة على شطرين مقفّيين، ينطوي كل منهما على عشرة مقاطع، ومضمون المثنوي حكايات وأحاديث نبوية وأساطير، وموضوعات من التراث الشعبي، ومقتبسات قرآنية، وهو ملحمة صوفية.‏

كما ترك الرومي ديوان شعر عنوانه "شمس تبريزي"، وله كتاب نثري عنوانه "فيه ما فيه"، ويتألف من أحاديثه التي دونها ابنه الأكبر سلطان وَلَد، وهو على قدر كبير من الأهمية لفهم فكر الرومي والتصوف بشكل عام، ومن مؤلفاته الأخرى: "المجالس السبعة"، وهو مجموعة من النبوءات الشهيرة، وله كذلك "خوابنامه": وهو كتيب في تفسير الرؤيا، بالإضافة إلى رسائل الرومي: التي تكشف عن حياته الخاصة والمرحلة التي عاش فيها.‏

ثانياً –الطريق الروحي –التصوف:‏

يقول سنائي "إذا سألتني يا أخي ما علامات الطريق فسأجيبك بوضوح لا لبس فيه: الطريق أن تنظر إلى الحق وتزهق الباطل ولا يكون التصوف حقيقياً ما لم يحقق بطريقتين: التزام الشرع والبحث عن المعنى الباطني. فالشريعة تختص بالشعائر والأعمال التعبدية، بينما تتعلق الحقيقة بالرؤية الباطنية للعظمة الإلهية. وتوجه الشريعة من أجل عبادة الله، بينما توجه الحقيقة من أجل التفكير فيه، وتوجد الشريعة لكني نطيع أوامره، بينما تجعلنا الحقيقة نفهم أوامره.‏

وقد أكد الرومي في مثنوياته التلازم الوثيق بين الشريعة والحقيقة، فقال:‏

"الشرع مثل قنديل يضيء الطريق، فإذا كنت لا تحمل القنديل لا تستطيع أن تمشي، وعندما تتقدم في الطريق تكون رحلتك هي الطريقة، وعندما تكون قد وصلت إلى الهدف تكون قد بلغت الحقيقة".‏

وبمعنى آخر "تشبه الشريعة تعلّم الكيمياء من أستاذ أو كتاب. وتُشبه الطريقة استخدام منتجات الكيمياء، أو فَرْك النحاس بالحجر الكيميائي. وتشبه الحقيقة تحول النحاس فعليّاً إلى ذهب، والشريعة تمثل الطريق الواسع المعد للناس جميعاً، في حين أن الطريقة مسلك ضيق من نصيب العدد القليل من أولئك الذين يريدون تحقيق مرتبتهم الكاملة بوصفهم أناساً كُملاً".‏

ولما كانت طبائع الأفراد والشخصيات وقدراتهم الروحية متباينة، فإنه يمكن القول بأن هنالك طرقاً فردية بقدر ما أن هنالك أفراداً يبحثون عن الله. ومن هذا المنطلق لا يستطيع المتصوفة تقديم تفسير عقلاني للطريقة، لأن المعرفة التي ينشدونها يتم بلوغها والتوصل إليها فقط بفضل من الله، وبمساعدة التعاليم الروحية، وتوجيهات شيخ الطريقة.‏

لهذه الأسباب ليس ثمة إجماع على تعريف التصوف، فقد يعود معنى التصوف إلى الصوف أو الصفاء أو إلى أصحاب الصَّفَة من أصحاب النبي (، ورغم ذلك فثمة تعريفات مختلفة تشرح التصوف وتعرِّف به، من ذلك ما قاله بذو النون:‏

"الصوفي هو الذي عندما يتكلم يعكس كلامه حقيقة وجوده". وقال أبو الحسن النوري: "الصوفي هو من لا يملك شيئاً ولا يمتلكه شيء"، كما قال النيسابوري: "التصوف أن لا يهتم الإنسان بظاهره وباطنه، بل ينظر إلى كل شيء على أنه لله".‏

الدربة على الطريق:‏

إن بداية الطريق، كما يذكر جلال الدين الرومي، تقتضي تغييراً في الإدراك، وتحولاً في المعرفة، ودأباً في السؤال. والبحث الذي يهدف إلى إغناء التجربة الروحية للصوفي، وعروج الروح إلى ربها في رحلة إسراء، يتطلب من السالك محاولة تسلق سُلم السلسلة الكونية للوجود، حيث يخاطب الإنسان نفسه فيقول:‏

في اللحظة التي دخلتَ هذا العالم‏

وُضع أمامك سلمٌ ليمكنك من النجاة.‏

في الأول كنت جماداً ثم صرت نباتا،‏

ثم بعدئذ صرت حيواناً: كيف يمكن أن تتجاهله؟‏

ثم جُعلت إنساناً موهوباً معرفةً وعقلاً وإيماناً.‏

انظر إلى هذا الجسد المصنوع من التراب أي كمالٍ اكتسب،‏

وعندما تتجاوز شرط الإنسانية لا شك في أنك ستغدو ملاكاً،‏

بعدئذ ستنتهي من هذه الأرض، وإقامتك ستكون في السماء.‏

ويتبّين مما سبق أن السير على طريق الصوفية يتطلب لدى المولوية إعداداً خاصاً، يخضع المبتدئ بموجبه إلى تدريب روحي يستمر ثلاث سنوات. فإن استجاب لكل ما يطلب منه شيخه قبُل في الطريقة، وأصبح واحداً من أعضائها.‏

ويقوم المبتدئ في السنة الأولى بخدمة الناس، وفي الثاني بخدمة الحق، وفي الثالثة بمراقبة قلبه. ولا يستطيع المريد المبتدئ خدمة الناس إلا إذا نظر إليهم على أنهم أسياد وخير منه، ورأى واجباً عليه خدمتهم جميعاً. ولا يستطيع خدمة الحق إلا إذا تخلّى عن كل غرض ذاتي، سواء أكان من أجل هذه الحياة الحاضرة أو الحياة الآجلة. أي التأكيد على أنه إنما يعبد الله حبّاً لله فقط. وليس في مقدوره أن يحرس قلبه إلا عندما يجمع أفكاره، ويكون قد تخلى عن كل شاغل على نحو يبقى فيه في حديث ودي مع الله في قلبه، مواجهاً هجمات الغفلة. فإن بلغ المبتدئ تلك المؤهلات يستطيع ارتداء المرقعة على أنه صوفي حقيقي وليس مقلداً.‏

تجربة الطريق:‏

وخلال رحلة المريد إلى التحقّق الروحي، وبلوغ الفضائل التي لا بد من تمثلّها والحصول عليها، يجب عليه أن يخضع لتهذيب الطريقة، في التواضع والمحبة والإخلاص. وينشأ التواضع عن إدراك الوحدانية، فالله وحده كائن، وكل شيء سواه تابع له أو خاضع. وإذا كان التواضع يعني موت شيء ما في النفس أو انقباضها فإن المحبة الروحية انبساط يأذن للإنسان أن يحقق الوحدة مع الناس جميعاً. ويعد الإخلاص أو الصدق قمة الفضيلتين الأخريين، ويبنى عليهما. والإخلاص يعني رؤية الأشياء على طبيعتها الحقيقية. والفضائل الروحية تماثل الأحوال، وتتصف بالسرعة والزوال، أما المقامات فهي منازل دائمة، والأحوال عطايا، أما المقامات فهي اكتساب.‏

وعلى هذا النحو سيرى السالك أحواله تتغير وتصير أسهل عليه، ومن أجل كل مقام يتحمله حبّاً لله راجياً فضله، سيجازى صلاحاً وإحساناً، وقبولاً.‏

ذكر الله:‏

ويعد الذكر المنهج الرئيسي للتصوف، ويتكون من دعاء لا يتوقف، عدا الصلوات المفروضة، وقد ذكر الرومي في المثنوي: "إن المريد في الطريق لا ينبغي أن يدعو الله في الخلوة حتى يصير كيانه كلُّه صلاة، فالذكر هو المحور الأساسي للتصوف، والدعاء في جوهره ذكر الله، قال تعالى: فاذكروني أذكركم" وقال سبحانه: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".‏

وحسب درجة المريد يكون الذِكر، وقد يكون فردياً، كما يكون جماعياً، حيث يجلس الدراويش حول شيخهم، ويبدؤون الذكر بتلاوة القرآن. ثم تلقى بعض القصائد الصوفية، ويعزف بالناي، ويتم الترنّم ببعض الأسماء الحسنى لله. ثم يأخذ الحال بعض الصوفية فيبدأ الرقص أو السماع، وتؤدي الموسيقى دوراً هاماً في التأثير، وبلوغ تلك الحال.‏

الحب ونهاية الطريق:‏ على أن كل شيء في الصوفية، يقوم على الحب ويبنى عليه. يقول جلال الدين الرومي:‏

الحب هو ذاك اللهب الذي عندما يتأجج يحرق كل شيء، ولا يبقى إلا الله، "ويضيف العطار: "للحب ثلاثة طرق: النار والدمع والدم". ويقول صوفي آخر: "سبب الخلق الجمال، وأول الخلق الحب".‏

والحب عند الصوفية يمثل روح الكون، وسبب الحب توق الإنسان للعودة إلى منبع وجوده، والموسيقى والرقص ودوران النجوم وحركة الذرات، وصعود الحياة على سلم الوجود من جماد إلى نبات، ومن حيوان إلى إنسان وملاك وما بعده، كل ذلك مبعثه الحب، الذي هو سبيل إلى اكتشاف الأسرار.‏

والروح الذي أبعد عن حقيقته الجوهرية يحن إلى اللقاء الذي سيُظهر له أن العاشق والمعشوق شيء واحد. يقول الرومي:‏

جاء الحب. هو مثل الدم في عروقي وفي لحمي‏

وقد أفناني، وملأني بالمعشوق‏

والمعشوق تخلل كل خلية في جسدي‏

ومني لم يبق سوى اسم، وكل شيء آخر هو هو‏

إن طريق الحب "في الصوفية يؤدي إلى بلوغ السالك مرحلة الإنسان الكامل أو الإنسان الكلي، الذي هو قلب الكون، والذي يكون بتخليه عن الوجود الجسدي قادراً على أن يكتشف في نفسه ذلك الكنز المخفي الذي يبحث عنه الإنسان في مكان آخر عبثاً، وهو في داخله.‏

ثالثاً –المتعلم بالسؤال:‏

سبقت الإشارة إلى أن المتصوفة لم يُقدِّموا نظرية عقلانية للتصوف، وفي ضوء ذلك لم يقدم الرومي نظرية ميتافيزيقية، بل قدّم منظوراً وسبيلاً للنجاة. وكان يعي أن مسؤوليته هي إنقاذ النفوس من التيه، إذ يقول: "إن سمحنا لأنفسنا بأن تخلد إلى الراحة، فمن سيأتي بالعلاج لهؤلاء النيام البائسين؟". ومن هنا كان يلحّ على اصطحاب المرشد في الرحلة الروحية إذ يقول: اختر لك شيخاً لأنه من دون الشيخ تكون الرحلة حافلة بالمحن والمخاوف والأخطار. ومن دون مرافق ستضيع في طريق كنت قد سلكته من قبل. لا تسافر وحدك في الطريق.‏

وفي التصوف يكون الرباط بين الشيخ والمريد أساسياً، ترسخه معاهدة بين إرادتين حرتين. والشيخ الحقيقي سيعمل كل ما بوسعه في سبيل مساعدة هذه النفوس النائمة على اكتشاف الحق الذي تمتلكه في أعماقها، وفي نهاية الإعداد الذي يقوم به الشيخ تبدأ عين الباطن بالكشف، الذي يعدّ المعرفة الحقيقية الوحيدة، وإلى هذه الغاية تتوجه كل الطرق.‏

ناهج التعليم:‏

ولتحقيق ذلك يستخدم شيوخ التصوف وسائل كثيرة لتهيئة المريد كي "يصير على ما هو عليه، ولمساعدته على ولادة "الروح الكامن في نفسه الباطنة" وهو ما سماه جلال الدين الرومي الإنسان الصغير أو الفقير والروح السامي، الذي هو حقيقته العميقة.‏

ولا شك أن التناغم الروحي، وتعلّق الشخص بالشخص بين الشيخ والمريد، ورمزية الحكايات الأخلاقية المغزى التي تكشف البعد بين الإشارة المدركة والحقيقة المدلول عليها، والجدل الذي يستكشف به الطالب نفسه، والأسئلة والإجابات والحقائق التي اعتقد أنه قد جهلها، هذه جميعاً بعض من هذه المناهج أو الطرق.‏

ما السماع فهو طقس ديني، يبعث في المؤدي حالاً يكون قادراً فيه على سماع ذلك النداء المرسل منذ زمن بعيد خارج الزمان، مذكراً بعالم الألحان الأزلية. والمنطلق في ذلك هو أن نفترض أن المريدين يتمتعون بقدرات متباينة، مما يستلزم أن يتمثل عمل الشيخ في الكيف مع قابلياتهم وطاقاتهم الذاتية.‏

لتعليم بالرمز:‏

وفي هذا المنحى، على الشيخ أن يضع نفسه في مستوى المريد ليساعده على الظفر بالمعرفة. وعند جلال الدين تتباين درجات النفوس تبعاً لمقدار ما تتذكر، ذاك لأنها وجدت قبل حياتها الأرضية، وترتبط روحية الرقص الديني بذلك التذكر، قال مولانا: عندما يعرف روحُك روحي معرفة تامة، فإن كلا الروحين يتذكر أنهما كانا روحاً واحداً في الماضي، والنفس التي تسبّح الله في هذه الدنيا تعقل ذلك، لأنها قد فعلته إبّان وجودها الأول، وبفعلها ذلك، تذّكر النفوس الأخرى بيوم اللقاء الأول.‏

وعلى الشيخ أن يغذّي مريده بلبَن المعرفة إلى أن يكون في مقدور المريد الاستغناء عنه، ولعل التعليم بالرمز والصور والإيحاءات أحد وسائل الشيوخ في تدريب المريد، وتوجيه مسيرة السالك الذي يجيب داعي الله نحو التدرج والانتقال، من الظاهر إلى الحقيقي، ومن المرئي إلى غير المرئي، ومن الإشارة إلى المدلول.‏

وفي ذلك يؤكد المتصوفة أن قراءة القرآن وتلاوته تعطي المسلم النقي مصدراً للروحانية متجدداً على الدوام، وإذ ينشد المريد المعنى الخفي بحدسه وكشفه الذاتي، سيدرك أن الحكايات مثل المكيال، والمعنى كالحبّ الذي يحتويه والعاقل من يأخذ حَبّ المعنى، ولا يتوقف عند المكيال، ويوضح ذلك قول جلال الدين الرومي: "لم أنظم لك المثنوي لتحفظه أو تعيده، بل ابتغاء أن تضعه تحت قدميك لتستطيع الطيران"، فالمثنوي هو سُلّم العروج نحو الحقيقة. وإذا كان الصوفية يستخدمون التمثيلات والصور، فذلك لمساعدة الإنسان ذي القلب الهائم والعقل الضعيف على إدراك الحقيقة. فالحق كما يقول الرومي: وصفه نفسه بالظاهر والباطن، وقد جلّى العالم بوصفه باطناً وظاهراً، بحيث نستطيع إدراك المظهر الداخلي للحق سبحانه بباطننا، والمظهر الخارجي بظاهرنا.‏

هير النفس:‏

ولبلوغ ذلك يؤكد المتصوفة أن تجلّي الله للعالم لا تدركه إلا العين المطهّرة، والعين المطهّرة المفتوحة هي التي ترى أن الكون هو كتاب الحقيقة العليا، والقلب الذي صقلته المجاهدات وحده يمكن أن يغدو المرآة الصقيلة التي ستعكس الصفات الإلهية.

والصفة المطلوبة في المرآة هي تشبعها بالإيمان، ولكي تعكس الصورة تماماً، يجب أن يكون سطحها صقيلاً جداً. يقول الرومي: قلبي صاف كالسماء، وفي مرآة الماء، ينعكس ضياء القمر. ويشبه التأثير، الذي تتركه الذنوب في القلب، بالتراكم البطيء للصدأ على المعادن، أما المجاهدات فتشبه بفعلها الصقل. والقلب الطاهر المصفى من حب الدنيا ومباهجها، في مقدوره أن يتذكر الله عه، مما يعطي للوجود بعداً آخر، ويعطي للحياة غاية أساسية هي الحنين إلى الحالة الروحية الأولى وبلوغ المعرفة الحقيقة والكلية.‏

حضور التصوف:‏

ومن الجلي أن الصوفية، وإن كانت مسلكاً ذاتياً لاكتمال مسيرة الروح وتطهيرها، فإن حضور التصوف كان واسعاً في مجالات الفن والثقافة والحياة الاجتماعية. وفي الحديث "إن الله جميل، ويحب ما هو جميل". ويعلق ابن عربي على ذلك قائلاً: "إذا كان الله يحب جمال الصور فذلك لأنها تعكس جماله، على النحو نفسه الذي تعكس فيه الوجود" ويضيف الرومي: الجمال مقدس، وتأمله يجعل المرء يشارك في القداسة. وقد أشار الرومي كثيراً إلى أهمية التأثير الروحي للجمال الذي يُلقي بالناظر في متاهات الحيرة والدهشة، وقدرة الفن على إيجاد المقدس تتمثل في الإعادة، والإنسان المبدع يعيد الخلق بمساعدة الشعائر. وكل صلاة تعني أن يكون الإنسان في تناغم مع كون مقدس، يصلي فيه الطائر عندما ينشر جناحيه، والشجرة عندما تقدم ظلاً.‏

ومن المؤكد أن عدداً كبيراً من الصوفية لم يكونوا مجرد نُساك زهاد، بل شعراء يتغنون بالمحبة الإلهية، منهم: عمر بن الفارض، العطار، سنائي، جامي، وغيرهم ممن أعطوا العديد من الدواوين الشعرية، والكتب والرسائل.‏

كما ألهم التصوف المبدعين في فنون الموسيقى والغناء. وكانت الطرق الصوفية جسراً بين عقلانية المراتب الصوفية العالمية والتدين الشعبي، وشعراء التصوف هم الذين نظموا أناشيد الحب المخلص والتوسل في اللهجات المختلفة للجماعات، مما غدا سبيلاً لتثقيف هذه الجماعات، ومن المفيد أن نشير إلى أن الطرق الصوفية أدت مهمة كبيرة في المجتمعات التقليدية في العالم الإسلامي، كان الناس خلالها يعيشون في ظلال الزوايا، ويستمعون إلى القرآن، وإلى أناشيد المتصوفة، ويشاهدون رقصاتهم، وبذلك تؤدي الطرق الصوفية وظيفة تثقيفية، واجتماعية، حيث لا فوارق طبقيّة بين أبناء الطريقة وأتباعها.‏

وفي النهاية فللتصوف مسيرة طويلة، وتاريخ طويل، ذلك أن انطلاقة التصوف تعود إلى القرون الإسلامية المبكرة. لكنه أخذ طابعاً مؤسّسياً في وقت متأخر، حيث لازم ذلك ظهور الأربطة والخانقاه والزوايا التي انتشرت منذ القرن الثاني للهجرة. وصارت فيما بعد مدارس الطرق الصوفية، تتولى تقديم الطعام والمبيت، وتقوم على نظام يكون بين أعضاء الجماعة من جهة، وبين الشيخ والمريد من جهة ثانية.

أما أشهر الطرق الصوفية إلى جانب المولوية فهي: السُّهْرَوَردية، الشاذلية، الكُبروية، النقشبندية، الرفاعية، القادرية، الخلوتية.‏

كلمة أخيرة:‏

بقي أن نشير إلى أن هذا الكتاب بمادته وأفكاره، يعد من الدراسات الهامة التي يحتاجها القارئ، سواء أكان هذا القارئ يهتم بالمعرفة الروحية في الإسلام، أم كان يتطلع إلى قراءة أدب إسلامي في نماذجه الرفيعة، أو كان له اهتمام بعلم النفس، وقضايا التحليل النفسي.‏

إنه كتاب غني بمعلوماته، ورموزه، وإشاراته، التي تمثل في جوهرها "رسالة لحقيقة متقدة قائمة على التجربة الشخصية" لجلال الدين الرومي، الرجل الذي كان الشاعر الصوفي الأعظم في كل الأزمان.‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جلال الدين الرومي: ضوء النهار

ترجمة- عمار كاظم محمد

ولد جلال الدين الرومي عام 1207 في (بلخ) التي تدعى اليوم أفغانستان، وفي سن مبكرة تركت عائلته بلخ بسبب الغزو المغولي واستقرت في (قونية) التركية والتي كانت عاصمة الإمبراطورية السلجوقية. كان والده رجل دين وأستاذ حيث درس في جامعة قونية.

تلقى جلال الدين تعليمه الروحي المبكر تحت إشراف والده بهاء الدين وبعد ذلك تحت إشراف صديق والده سيد برهان الدين البلخي.

كانت الظروف التي أحاطت بمشروع بهاء الدين في تعليم ابن صديقه الحميم طريفة، كان برهان الدين في بلخ حينما أحس بموت صديقه بهاء الدين ولذلك أدرك بأنه يجب عليه الذهاب إلى قونية لكي يضطلع بتربية جلال الدين الروحية.

لقد وصل إلى قونية حينما كان جلال الدين في الرابعة والعشرين من العمر وقد استمر بتدريسه لتسع سنوات (علم النبوات وأحوالهم) ابتداء بأربعينيات صارمة من الرياضات والصوم، خلال هذه الفترة قضى جلال الدين أكثر من أربع سنوات في دمشق وغيرها حيث درس مع نخبة من أعظم العقول الدينية في ذلك الوقت. بمرور السنين تطور جلال الدين في كلا الجانبين، جانب المعرفة وجانب العرفان.

في النهاية أدرك برهان الدين انه أكمل مسؤولياته تجاه جلال الدين وأراد أن يمضي البقية الباقية من سنواته الأخيرة في عزلة وقد اخبر جلال الدين بذلك قائلاً : (أنت مستعد الآن يا ولدي وليس لك نظير في أي من حقول المعرفة، لقد أصبحت أسد المعرفة، وأنا أسد نفسي وكلانا غير محتاج هنا، ولذلك أريد الذهاب، وأكثر من ذلك سيأتي إليك صديق عظيم، وسوف يكون أحدكما للأخر كالمرآة، سوف مثلما ستقوده إلى من العالم الروحي مثلما ستقوده أنت، كل واحد منكم سيكمل الآخر، وسوف تكونان أعظم صديقين في هذا العالم.

وتلك إشارة بقدوم شمس الدين التبريزي الحدث المركزي في حياة جلال الدين. في عمر السابعة والثلاثين التقى مولانا بالدرويش الجوال شمس الدين التبريزي وقد كتب الكثير عن هذه العلاقة وقبل هذا اللقاء كان جلال الدين أستاذا بارزا في العلوم الدينية وعلى درجة عالية من التصوف وبعد هذا اللقاء أصبح شاعرا ملهما وعاشقا كبيرا للإنسانية.

لقد كان شمس الدين الحريق وكان جلال الدين من امسك النار، لقد كانت صحبته قصيرة على الرغم من أن كلا منهما كان مرآة حقيقية للآخر لكن شمس الدين قد اختفى لمرتين، ففي المرة الأولى عثر عليه سلطان ولد ابن جلال الدين في دمشق والمرة الثانية كانت الأخيرة، والحقيقة انه ربما يكون قد قتل على يد البعض من تلامذة جلال الدين الذين كانوا مستاءين من تأثيره على جلال الدين.

لقد كان جلال الدين رجل علم وقداسة قبل التقائه بشمس الدين التبريزي لكن بعد كيمياء تلك العلاقة أصبح قادرا على تنفيذ نبوءة أستاذه برهان الدين بأنه أصبح (يغمر أرواح الرجال بحياة جديدة من الذوبان اللانهائي في الله وان يعيد إلى الحياة ما هو ميت في هذا العالم الخاطئ، من خلال المعنى والحب).

بعد أكثر من عشر سنين على لقاء شمس الدين استطاع جلال الدين أن يؤلف الغزليات تلك التي جمعت في مجلد كبير سمي بـ (الديوان الكبير).

في تلك الأثناء تطورات علاقته الروحية بأحد تلاميذه ويدعى حسام الدين، في احد الأيام وحينما كانا يتجولان في احد بساتين الكروم في قونية طرح حسام الدين الفكرة على جلال الدين قائلاً ( لو استطعت كتابة كتاب مثل الهي نامه لسنائي أو منطق الطير لفريد الدين العطار فسوف تكون مصاحبا للكثير من الغجر الرحل (التور بادور)

فسوف يملأون قلوبهم بأشعارك ويؤلفون الموسيقى في مصاحبتها.

عند ذلك ابتسم جلال الدين واخرج من عمامته قطعة من الورق مكتوب عليها أول ثمانية عشر بيتا من المثنوي والذي يبدأ بـ.....

أصغ إلى الناي وهو يقص قصته

وكيف يغني الم الفراق...

لقد بكى حسام الدين من الفرح وتوسل بجلال الدين أن يكتب أكثر وقد رد عليه قائلاً (إذا وافقت أن تكتب لي فسوف انشد) وهكذا كان فقد ابتدأ مولانا في بداية الخمسينيات من عمره يملي هذا العمل الضخم كما وصفه حسام الدين قائلاً (انه- أي جلال الدين - لم يمسك أبدا بقلم في يده حين تأليف المثنوي وأينما أراد أن يملي سواء في المدرسة أو في ساحات قونية أو في بساتين الكروم فكنت اكتب ما يملي علي وبالكاد أستطيع ملاحقته لأنها تستمر ليلا ونهارا ولبضعة أيام وفي أوقات أخرى لا يؤلف شيئا لعدة اشهر ومرة استمر الحال لمدة سنتين لم يؤلف شيئا وفي كل مرة يكتمل جزء كنت أعيد قراءته عليه لكي يستطيع تصحيح ما كتب. يعتبر المثنوي أفضل عمل روحي كتبه إنسان، فمحتوياته تتضمن كل أطياف الحياة على الأرض، كل فعالية من فعاليات الإنسان، الدين، الثقافة، السياسة، الجنس، الأسرة.

كل نوع من شخصية الإنسان، من المتشرد إلى صفوة القوم، كذلك يتميز بالغزارة والتفاصيل الدقيقة في العالم الطبيعي من التاريخ والجغرافيا.

وكذلك فهو يمثل البعد العمودي من الحياة من هذا العلم الرتيب إلى أعلى مستويات الميتافيزيقيا والمعرفة الجمالية.

توفي مولانا جلال الدين الرومي في 17 ديسمبر عام 1273 وقد تبعه خمسة من أصدقائه المخلصين وقد سميت تلك الليلة ليلة الاتحاد ومنذ ذلك الحين ودراويش المولوية يحتفلون بتلك الليلة بالأذكار وقراءة المثنوي الذي سماه الشاعر الفارسي عبد الرحمن الجامي (قرآن الفارسية).



رباعيات جلال الدين الرومي

ترجمة- عمار كاظم محمد

(1)

الزمن يجلب النهاية الخاطفة

لما تبقى من الرجال المندحرين

وذئب الموت سيمزق عما قريب

هذه الخراف المسكينة...

(2)

شاهد، كم بفخر يذهلون

برأس مرفوع

حتى يأتي مصيرهم بضربة مفاجئة

تلقيهم أمواتا....

(3)

أنت الذي أحببت حياة الغراب

برد الشتاء وثلج الشتاء

منفي أبدا من وديان

الورود الحمر، والعنادل....

(4)

خذ هذه اللحظة إلى قلبك

وعندما ستغادرك

ستظل تبحث عنها طويلا

كما لو أنها تختفي

مع مئات المصابيح والعيون.

(5)

الراكب السماوي مر

ارتفع الغبار في الهواء

لقد أسرع، لكن الغبار الذي اختاره

مازال معلقا هناك.

مستقيمة ستكون رؤيتك

ولن تلتفت يمينا أو يساراً

غباره هنا وهو في الأبدية.

(6)

من الذي قال أن الروح الخالدة تموت

ومن يجرؤ على القول

إن شمس الأمل تغيب

عدو الشمس هو فقط

من يقف على رأسه

رابطا كلتا عينيه صارخاً

انظروا، الشمس تموت

(7)

من الذي أطلق الروح

قل لي، من هو؟

من أعطى في البدء

هذه الحياة لي؟

من يتلبس، حياة الصقر

ووهبني لبرهة عيوني

فسوف يطلقني

لاصطاد جائزتي

(

كملح يذوب في المحيط

ابتلعت في بحر الله

الأيمان الماضي، الكفر الماضي

الشك الماضي واليقين الماضي

وفجأة أشرق في صدري نجم لامع

واختفت في ضوء ذلك النجم

كل شموس السماء.

(9)

الزهور تتفتح كل ليلة في السماء

والسلام في الأبدية في سلامي مع نفسي

مئات الحسرات تظهر من قلبي

وقلبي، مظلم وبارد

يضطرم من تنهداتي.

(10)

انه راحة روحي

ويحل طائفا حول قلبي

حول قلبي يدور روح الرحمة

ضاحك من سريري الترابي

كالشجرة ارفع رأسي

لينبوع المرح الحي

يغسل حولي الأرض.

(11)

نسيم الصباح

يجرجر مسكه بأذياله

عبير ولد من حبي الجميل قبل أن يبور العالم

لا مزيد من النوم: فلتنهض

القافلة تسرع

والعطر الجميل يموت.

(12)

إذا رحلت الحياة

فالله يعطيك حياة جديدة

الحياة الأبدية تتجدد

فهذه الحياة من الموت

ينبوع الفساد يوجد في الحب

يجيء، وفي هذا البحر اللامتناهي من الحب يغرق.

لقد كنت سعيداً

ارقد في قلب اللؤلؤ

إلى أن ضربت بإعصار الحياة

فركضت في موجها المندفع

نطقت عاليا سر البحر

ورقدت مثل غيمه مستنفدة على الشاطئ بلا حراك.

(13)

انه يوقد العالم لهبا

ويضعني فوق مئة من السنة النيران

تلتف حول محرقتي

وعندما ابتلعني المد المشتعل تنهدت

لكنه وضع يده على فمي بسرعة.

(14)

مع ذلك جربت كل الطرق لأرضي هواه

كل كلمة من جوابه تشهر سيفا

انظر كيف يقطر الدم من أطراف أصابعه

فلماذا يجد من الجيد أن يغتسل بدمي.

(15)

متذكرا شفتك، اقبل الياقوت الأحمر

لا املك أن ارتشف، شفتاي لا تمس هذا

يدي المبتهلة لا تصل إلى سماك البعيدة

ولذا فانا راكع اعتنق الأرض.

(16)

بحثت عن الروح في البحر

ووجدت المرجان هناك

وتحت الرغوة

كان كل المحيط يرقد عاريا لأجلي

في ليل قلبي وعلى طول الطريق الضيق

شعرت بالضوء

ارض أبدية من النهار.
ahmed1981
2008/03/21
جلال‌ الدين‌ مولوي ( الشهير بجلال الدين الرومى فهو مؤسس الطريقة المولوية التى لا يزال منها أثر لليوم )

‌ الباحث‌عن‌ الله في‌ شعره‌ وسلوكه‌

كان‌ جلال‌ الدين‌ مولانا او مولوي‌، من‌ الشعراء العرفاء او علي‌ قول‌ البعض‌ من‌ العرفاء الشعراء الذين‌ لم‌ يكن‌ الشعر عندهم‌ مهنةً او وسيلة‌ لبلوغ‌ مأرب‌ او تحقيق‌ هدف‌ ، بل‌ كان‌ الشعر جزءاً من‌ وجودهم‌، وخفقة‌ من‌ خفقات‌ قلوبهم‌، وانعكاساً طبيعياً لمشاعرهم‌ وضمائرهم‌، وفيضاً من‌ فيوض‌ ارواحهم‌ التي‌ يملاها حب‌ المطلق‌ وتنطلق‌ في‌ آفاق‌ التكامل‌.

الهجرة‌ مع‌ ابيه‌
اشتهر جلال‌ الدين‌ محمد البلخي‌ بمولوي‌، ومولوي‌ الروم‌، وجلال‌ الدين‌ الرومي‌ وذلك‌ لطول‌ اقامته‌ في‌ آسيا الصغري‌ او ماكان‌ يسمي‌' بامبراطورية‌ الروم‌ الشرقية‌. وُلد في‌ السادس‌ من‌ ربيع‌ الاول‌ عام‌ 604 هـ في‌ مدينة‌ بلخ‌ التابعة‌ لاقليم‌ خراسان‌ آنذاك‌، وتوفي‌ بقونية‌ في‌ تركيا الحالية‌ عام‌ 673 هـ ودفن‌ فيها.

ابوه‌ بهاء الدين‌ محمد بن‌ الحسين‌ كان‌ يلقب‌ بـ«سلطان‌ العلماء» ويُعرف‌ بـ«مولانا الكبير» ويُعدّ من‌ كبار الصوفية‌ في‌ ايران‌، وتربي‌ علي‌ يد الشيخ‌ نجم‌ الدين‌ احمد بن‌ عمر الخوارزمي‌ المعروف‌ بـ«كبري‌».

وفي‌ خضم‌ النزاع‌ الذي‌ كان‌ محتدماً بين‌ الصوفية‌ والفلاسفة‌، كان‌ سلطان‌ العلماء يشن‌ في‌ مجالسه‌ الخاصة‌ ومن‌ علي‌ المنابر هجوماً عنيفاً متواصلاً علي‌ الفلاسفة‌ والحكماء ويتهم‌ اتباع‌ الفلسفة‌ اليونانية‌ بشكل‌ خاص‌ بالضلال‌ والانحراف‌، ويوجه‌ نقده‌ اللاذع‌ نحو الامام‌ فخر الدين‌ محمد بن‌ عمر الرازي‌، الذي‌ كان‌ يعد من‌ كبار الحكماء والمتكلمين‌ في‌ ذلك‌ العصر، ويقيم‌ في‌ خوارزم‌ مصاحباً السلطان‌ علاء الدين‌ محمد خوارزم‌ شاه‌.

وطبقاً لما اورده‌ الافلاكي‌ في‌ مناقب‌ العارفين‌ فقد شعر سلطان‌ العلماء بالاستياء من‌ الوضع‌ العام‌ السائد في‌ بلخ‌ ومن‌ المواقف‌ التي‌ لاتتسم‌ بالتأييد للتصوف‌ التي‌ كان‌ يتخذها بعض‌ زعمائها، لهذا قرر ان‌ يهاجر منها الي‌ بلاد اخري‌ ذات‌ ظروف‌ افضل‌.

وفي‌ طريق‌ هجرته‌ عرّج‌ علي‌ نيشابور والتقي‌ بعارفها الشيخ‌ العطار، فوجد الشيخ‌ في‌ ابن‌ سلطان‌ العلماء ـ اي‌ مولانا الذي‌ كان‌ له‌ من‌ العمر خمس‌ سنوات‌ ـ طاقة‌ عرفانية‌ كامنة‌، وتوسم‌ فيه‌ الخير والصلاح‌، فوهب‌ له‌ كتاب‌ «اسرارنامه‌»، لاعتقاده‌ انه‌ سيقدم‌ اليه‌ الكثير مما يحتاج‌ اليه‌ في‌ المستقبل‌ خلال‌ عملية‌ السلوك‌. وانطلق‌ الوالد والولد بعد ذلك‌ نحو بغداد بهدف‌ السفر من‌ هناك‌ الي‌ الديار المقدسة‌ لاداء فريضة‌ الحج‌. وحينما اشرف‌ علي‌ بغداد سألهما جماعة‌: من‌ اين‌ اتيتما والي‌ اين‌ تريدان‌؟ فاجاب‌ والد مولانا: من‌ الله والي‌ الله ولاقوة‌ الا بالله ووصلت‌ هذه‌ الاجابة‌ الي‌ مسامع‌ العارف‌ الشهير الشيخ‌ شهاب‌ الدين‌ السهروردي‌ فقال‌: ماهذا الا بهاء الدين‌ البلخي‌، فخرج‌ لاستقباله‌.

ولم‌ يقم‌ سلطان‌ العلماء وابنه‌ الصغير في‌ بغداد سوي‌ ثلاثة‌ ايام‌ فخرجا في‌ اليوم‌ الرابع‌ الي‌ الحجاز. وبعد اداء مناسك‌ الحج‌ وزيارة‌ قبر النبي‌ (ص‌) خرجا الي‌ بيت‌ المقدس‌ حيث‌ استقبلهما اهله‌ بحفاوة‌ بالغة‌، ثم‌ توجه‌ نحو «ارزنجان‌ » فاقاما فيها مدة‌ اربعة‌ اعوام‌، ولقيا ترحاباً من‌ قبل‌ حاكمها فخر الدين‌ بهرام‌ شاه‌ وابنه‌ علاء الدين‌ داود.

التوطن‌ في‌ قونيه‌

نزح‌ الاب‌ والابن‌ بعد ذلك‌ نحو ملاطيه‌ ولارنده‌، وتزوج‌ جلال‌ الدين‌ بجوهر خاتون‌ بنت‌ الخواجه‌ لالاي‌ السمرقندي‌ في‌ مدينة‌ لارده‌ وله‌ من‌ العمر (1 عاماً، وانجبت‌ له‌ ولديه‌ محمد المعروف‌ بـ«سلطان‌ ولد» وعلاء الدين‌ محمد.

وبعد اقامة‌ دامت‌ (4) سنوات‌ في‌ ملاطيه‌ و(7) سنوات‌ في‌ لارنده‌ رحل‌ الاب‌ والابن‌ الي‌ قونيه‌ عاصمة‌ سلاجقة‌ الروم‌ نزولاً عند رغبة‌ ملكها علاء الدين‌ كيقباد. ولم‌ تمر علي‌ هجرة‌ الوالد الي‌ قونيه‌ سوي‌ سنتين‌ حتي‌ توفي‌ في‌ عام‌ 628 هـ وتاثر اهل‌ قونيه‌ لوفاته‌، واقيمت‌ مجالس‌ الحداد في‌ كل‌ مكان‌ واخذ الخطباء يتحدثون‌ بفضله‌ وزهده‌.

وخلف‌ مولانا جلال‌ الدين‌ والده‌ بناءً علي‌ رغبة‌ السلطان‌ علاء الدين‌ والامراء والحاح‌ مريدي‌ ابيه‌، فصار اماماً للناس‌ وواعظاً ومرشداً.

وبعد عام‌ من‌ ذلك‌ وصل‌ الي‌ قونيه‌ السيد بهاء الدين‌ المحقق‌ الترمذي‌، وكان‌ من‌ سابق‌ تلامذة‌ سلطان‌ العلماء وخواص‌ المتصوفة‌. فانبري‌ للارشاد والوعظ‌ في‌ هذه‌ المدينة‌، واجتمع‌ بمولوي‌ وخاطبه‌ قائلاً: «ان‌ اباك‌ كان‌ كاملاً في‌ علم‌ القال‌ وعلم‌ الحال‌، واليوم‌ وقد خلفته‌ في‌ علوم‌ الشريعة‌ والفتوي‌، فلابد لك‌ ان‌ تسلك‌ في‌ علم‌ الحال‌ سلوكاً يجعل‌ منك‌ نعم‌ الخلف‌ لابيك‌. واذا اردت‌ ان‌ تكون‌ مريداً فعليك‌ ان‌ تجد المراد، وما وصل‌ من‌ ابيك‌ الي‌ّ اشياء تري‌ ولا تُعلّم‌». وكانت‌ هذه‌ الكلمات‌ بمثابة‌ الشرارة‌ التي‌ اججت‌ شوقة‌ ولهفته‌ للحصول‌ علي‌ تلك‌ الاشياء واختراق‌ الحجب‌ التي‌ تحجب‌ من‌ لايعايش‌ اسرار العرفان‌ ورموز السلوك‌، فاندفع‌ نحوه‌ واقبل‌ بروحه‌ وجسمه‌ عليه‌ ولازمه‌ مدة‌ (9) سنوات‌ كان‌ يخضع‌ خلالها لتوجيه‌ استاذه‌ وتربيته‌.

رحلة‌ علمية‌

وطبقاً لرواية‌ الافلاكي‌ فقد رحل‌ مولوي‌ الي‌ الشام‌ باشارة‌ من‌ استاذه‌ الترمذي‌ لتلقي‌ المزيد من‌ علوم‌ الظاهر فنزل‌ اول‌ الامر بحلب‌ في‌ المدرسة‌ الحلاوية‌ واخذ عن‌ عالمها كمال‌ الدين‌ ابو القاسم‌ عمر بن‌احمد المعروف‌ بابن‌ العديم‌ .ثم‌ غادر حلب‌ الي‌ دمشق‌ بعد (3) سنوات‌ من‌ الدراسة‌ فاستقبله‌ علماوها واعيانها، فنزل‌ في‌ المدرسة‌ القدسية‌، وقدم‌ خدمات‌ جليلة‌.

وامضي‌' جلال‌ الدين‌ الرومي‌ مدة‌ (4) سنوات‌ في‌ عاصمة‌ الشام‌ التي‌ كانت‌ آنذاك‌ مركز الفضلاء وجامعة‌ العلم‌ والعرفان‌، حيث‌ انصرف‌ خلالها الي‌ الزهد والرياضية‌ والاغتراف‌ من‌ منهل‌ المعارف‌ الدينية‌. وقرأ خلال‌ هذه‌ المدة‌ ايضاً كتاب‌ الهداية‌ لشيخ‌ الاسلام‌ برهان‌ الدين‌ علي‌ بن‌ ابي‌ بكر المرغيناني‌ علي‌ اساتذة‌ بارعين‌، وهو كتاب‌ جامع‌ في‌ الفقه‌ الحنفي‌ ذو شروح‌ وتعاليق‌ وحواش‌ كثيرة‌. كما نال‌ شرف‌ الالتقاء بالعارف‌ الشهير محيي‌ الدين‌ ابن‌ عربي‌ وفضلاء المدينة‌.

وبعد (7) سنوات‌ من‌ السفر، عاد شاعرنا العارف‌ الي‌ قونية‌، وانصرف‌ الي‌ التصوف‌ والرياضة‌ تحت‌ اشراف‌ السيد الترمذي‌. وبوفاة‌ هذا الاخير تمكن‌ مولانا من‌ مسند الارشاد والتدريس‌ وبذل‌ اقصي‌ الجهود لتربية‌ اصحاب‌ الاستعداد وكسب‌ خلال‌ ذلك‌ الكثير من‌ المريدين‌ والانصار الذين‌ اعتبروه‌ امام‌ دينهم‌ ومفتي‌ شريعتهم‌ ودليل‌ طريقتهم‌.

التحول‌ الكبير

و فيما كان‌ مولوي‌ منهمكاً بتدريس‌ القيل‌ والقال‌ وكتابة‌ الفتاوي‌ الشرعية‌، والتحدث‌ عما يجوز ومالايجوز، وفيما كان‌ الناس‌ يتقاطرون‌ عليه‌ من‌ كل‌ حدب‌ وصوب‌ للاخذ عنه‌، جابه‌ حادثة‌ قلبت‌ وضعه‌ راساً علي‌ عقب‌ وغيرت‌ مجري‌ حياته‌، واخذ يعيد حساباته‌ مع‌ نفسه‌ والا´خرين‌، فقد دخل‌ حياته‌ شخص‌ جديد بعث‌ التلاطم‌ في‌ محيط‌ نفسه‌ الهادي‌، وسطعت‌ به‌ ـ علي‌ حد تعبير العرفاء ـ شمس‌ العشق‌ والحقيقة‌ علي‌ روحه‌. وكان‌ هذا الشخص‌ هو شمس‌ الدين‌ محمد التبريزي‌، احد شيوخ‌ الصوفية‌ ورجال‌ العرفان‌، ذو النفس‌ الحار والجاذبية‌ القوية‌ والبيان‌ الموثر.

وطبقاً لرواية‌ الافلاكي‌: تتلمذ الشيخ‌ شمس‌ التبريزي‌ علي‌ الشيخ‌ ابي‌ بكر زنبيل‌ باف‌ الذي‌ كان‌ وحيد عصره‌ في‌ كشف‌ القلب‌. وحينما وصل‌ الي‌ درجة‌ رفيعة‌ في‌ السير والسلوك‌، انطلق‌ لطلب‌ الكمال‌ الاسمي‌، وامضي‌ السنوات‌ بين‌ البلدان‌ منتقلاً من‌ مدينة‌ لمدينة‌ وملتقياً باهل‌ السر والرياضة‌، مرتدياً اللباس‌ الاسود.

ووصل‌ شمس‌ الدين‌ التبريزي‌ الي‌ قونيه‌ في‌ 26 جمادي‌ الا´خرة‌ عام‌ 642 هـ وهناك‌ تضارب‌ في‌ الطريقة‌ التي‌ تم‌ فيها اللقاء بينه‌ وبين‌ مولانا. فذكر محيي‌ الدين‌ عبد القادر المصري‌ مولف‌ الكواكب‌ المضيئة‌ في‌ طبقات‌ الحنفية‌ ان‌ مولانا كان‌ جالساً يوماً في‌ حجرته‌ والكتب‌ مكدسة‌ بين‌ يديه‌ وطلابه‌ يحيطون‌ به‌، اذ دخل‌ عليه‌ رجل‌ غريب‌ فسلم‌ ثم‌ اشار الي‌ الكتب‌ وقال‌: ماهذه‌؟ فردّ عليه‌ مولانا: انت‌ لاتعلم‌ ماهذه‌! فلم‌ يكد يتم‌ اجابته‌ حتي‌ اشتعلت‌ النار في‌ الكتب‌. فسأله‌ مولانا بتعجب‌: ماهذا؟ فأجابه‌: انت‌ لاتعلم‌ ما هذا! ثم‌ قام‌ وانصرف‌.

وبهذا اللقاء المثير المكتنز بالرموز، ادرك‌ مولانا انه‌ لازال‌ متخلفاً كثيراً عن‌ الركب‌ العرفاني‌ وان‌ امامه‌ طريق‌ طويلة‌ لبلوغ‌ مابلغه‌ غيره‌ من‌ العرفاء امثال‌ شمس‌ الدين‌، وشعر بان‌ شمس‌ هذا الشيخ‌ قد اشرقت‌ علي‌ روحه‌ واشعلت‌ النار في‌ بيدر وجوده‌ بحيث‌ لم‌ يبق‌ يشغله‌ احد سوي‌ المعشوق‌. وبعد ان‌ كان‌ يعد نفسه‌ مستغنياً عن‌ الاخذ عن‌ احد اوملازمة‌ الغير، ادرك‌ انه‌ بحاجة‌ ملحة‌ لملازمة‌ هذا الشيخ‌ الجديد والارتواء من‌ منبع‌ علمه‌ وعرفانه‌. فاقبل‌ عليه‌ والتصق‌ به‌ التصاق‌ الرضيع‌ بامه‌، بل‌ وهام‌ في‌ حبه‌ واصبح‌ اسير سلوكه‌ ومعرفته‌ وطريقته‌، لهذا انقطع‌ عن‌ الدروس‌ ومجالس‌ الوعظ‌ والارشاد، وهجر الطلاب‌ والمريدين‌، وانقطع‌ عن‌ الاهل‌ والاحباب‌، واختلي‌ بهذا المراد الجديد بعد ان‌ وجد فيه‌ ضالته‌ المنشودة‌.

واخذ تلامذة‌ مولانا ومريدوه‌ ينظرون‌ الي‌ شمس‌ الدين‌ التبريزي‌ بعين‌ الريبة‌ والغضب‌، وادركوا بانه‌ يقف‌ خلف‌ هذا التغير الذي‌ طرأ علي‌ شيخهم‌، بل‌ وعده‌ البعض‌ ساحراً ومشعوذاً فاخذوا يشنّعون‌ عليه‌ ويكيلون‌ له‌ التهم‌، وقد شاركهم‌ في‌ ذلك‌ ايضا فقهاء قونيه‌ وعلماوها، وربما كان‌ دافعهم‌ في‌ ذلك‌ الحسد او الجهل‌.

وحينما ادرك‌ شمس‌ التبريزي‌ ان‌ الافكار بشكل‌ عام‌ متألبة‌ عليه‌، والاوضاع‌ لاتسير لصالحه‌، والذهنية‌ العامة‌ عاجزة‌ عن‌ فهمه‌ وتفسير الطريقة‌ التي‌ هو عليها خرج‌ من‌ قونيه‌ سراً دون‌ ان‌ يعلم‌ به‌ احد حتي‌ مولانا. فتألم‌ مولانا لذلك‌ وانقبض‌ صدره‌ وشعر بانه‌ قد فقد جزءاً مهماً من‌ حياته‌ فاخذ يبحث‌ عنه‌ وستجلي‌ اخباره‌ حتي‌ علم‌ انه‌ قد استقر في‌ دمشق‌، فاندفع‌ يبعث‌ اليه‌ الرسائل‌ والقصائد التي‌ تحثه‌ علي‌ العودة‌ وتكشف‌ عن‌ مدي‌ تالمه‌ لفراقه‌. فلان‌ قلبه‌ وطاب‌ خاطره‌، فعاد الي‌ قونيه‌، وبعودته‌ عادت‌ الحياة‌ الي‌ قلب‌ مولانا و ضحكت‌ له‌ الشمس‌ من‌ جديد، فلازمه‌ ملازمة‌ اعظم‌ من‌ الاولي‌ والتصق‌ به‌ التصاقا اشدّ وطال‌ اختلاوه‌ به‌، وطالما خرجا معاً الي‌ البوادي‌ والبراري‌ لاداء مراسم‌ التعبّد علي‌ طريقتهما الخاصة‌.



لوعة‌ الحزن‌

وتوترت‌ الاجواء ثانية‌، ولم‌ يطق‌ فقهاء المدينة‌ وتلامذة‌ الشيخ‌ وحتي‌ العوام‌ مثل‌ تلك‌ الممارسات‌ والتصرفات‌ التي‌ كان‌ عليها الشيخ‌ مولوي‌، واخذوا يتهمونهما بالسحر والجنون‌، وانقلب‌ علي‌ عارفنا حتي‌ اولئك‌ المريدون‌ الذين‌ جاءوا معه‌ من‌ بلخ‌ الي‌ قونيه‌ وقرر بعض‌ المناوئين‌ الحاق‌ الاذي‌ بالشيخ‌ التبريزي‌، فاتصل‌ ذلك‌ به‌ فخرج‌ من‌ قونيه‌ سراً الي‌ بلاد اخري‌ دون‌ ان‌ يخبر احداً بذلك‌.

وحزن‌ مولانا لخروجه‌ حزناً شديداً حيث‌ ادرك‌ ان‌ شمس‌ الحقيقة‌ قد اختفت‌ تحت‌ سحب‌ الاسرار، وغضب‌ غضباً شديداً علي‌ اولئك‌ الذين‌ لم‌ يدركوا حقيقته‌، واساءوا اليه‌ عن‌ جهل‌ وحسد. ولم‌ يقف‌ المناوئون‌ عند هذا الحد، بل‌ انبروا ايضا لخوض‌ حرب‌ نفسية‌ مع‌ مولانا فاخذوا يشيعون‌ الاكاذيب‌ ويلفقون‌ الاخبار ضده‌ وضد الشيخ‌. وكانت‌ تصل‌ اليه‌ في‌ كل‌ يوم‌ اخبار متضاربة‌ حول‌ الشيخ‌، فكان‌ يعيش‌ بين‌ الامل‌ واليأس‌ والحيرة‌ القاتلة‌، وعلي‌ حد قول‌ احدهم‌: كان‌ يحترق‌ في‌ امل‌ شمس‌ الدين‌ ويصوغ‌ الاشعار في‌ فراقه‌.

خيفته‌

ونظراً لاستغراقه‌ في‌ الكمال‌ المطلق‌ وجلوات‌ جمال‌ الربوية‌، وشعوره‌ بان‌ ذلك‌ يستوجب‌ انقطاعه‌ عن‌ الناس‌، قرر ان‌ يختار احد انصاره‌ ومريديه‌ خليفة‌ له‌ لارشاد الطالبين‌ وهداية‌ الراغبين‌ فاختار لهم‌ صلاح‌ الدين‌ فريدون‌ زركوب‌ القونوي‌. وبما ان‌ مريديه‌ لم‌ يذوبوا بعد في‌ نار العشق‌ ولم‌ ينصهروا في‌ بوتقة‌ الرياضة‌ والسلوك‌، ولم‌ يهذبوا انفسهم‌ من‌ غش‌ الهوي‌ والوهم‌، فقد رفضوا الانصياع‌ لهذا الرجل‌ لانهم‌ كانوا ينظرون‌ اليه‌ من‌ منظار ظاهري‌ اي‌، كرجل‌ امي‌ يعمل‌ صائغاً في‌ سوق‌ قونيه‌. وانبروا لمعاداة‌ صلاح‌ الدين‌ واخذوا يتهجمون‌ عليه‌، وخططوا للتخلص‌ منه‌، ورغم‌ ذلك‌ اصر مولانا علي‌ رأيه‌ فيه‌ وطلب‌ من‌ اولاده‌ وخلص‌ اصحابه‌ الالتفاف‌ حوله‌ وموازرته‌ وبلغ‌ حبه‌ له‌ واهتمامه‌ به‌ ان‌ زوج‌ ابنه‌ سلطان‌ ولد من‌ ابنته‌ فاطمة‌ خاتون‌. واثر ذلك‌ الموقف‌ المزري‌ للناس‌ عليه‌، فمرض‌ مرضاً شديداً وتوفي‌ عام‌ 657 هـ .
قصي الحسيني
2008/09/09
ماهو نسب مخدوم اعظم كاساني سيد احمد بن جلال الدين بن جمال الدين ؟
حسب ما اعرف هو ينتسب للامام علي موسى رضا